www.FreeArabi.com 

أدب

كاتب و كتاب

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 

 -3-

 كـلـهــم أبنـــائـــي 

بقلم : زكي العيلة* 

 

           والشمس ترسل خيوطها الأولى تغادر باب بيتك .. لا تدري أين تقودك قدماك ، أين تصل بك الطريق ، يسكنك القهر ، الغصة قمم في داخلك ، يكاد رأسك ينشق ، يقولون إن من الأفضل إبلاغ الصليب الأحمر في مثل هذه الحالات، خاصة أنه لا يحمل بطاقة هوية ، صغير السن .

قبل انتصاف الليل كانت درباكاتهم تمزق قلب السكون ، بساطير ، زمجرات لا سلكي ، رطن ، ارتطامات أحذية ثقيلة ، طرقات ، يكاد الباب ينسحق تحت ضرباتهم ، تهب مفزوعاً إلى الحوش ، الكشافات تدمي عينيك ..

هراوات تلكز خاصرتيك ، كتفيك ، يرشقونك بكلمات تقطر سياطاً :

ـ أين الأولاد ؟

يندفعون صوب الأبواب ، يدفعونك ، يفلت منك توازنك ، يرفرف أمجد بين أيديهم كعصفور ابتعدت عنه الأشجار .

ـ ماذا تريدون ؟ إنه صغير ، لا يحمل هوية .

يزقونك ، يجرجرون "أمجد " يلقمونه الأرض ، صراخ ، خنجر مثلوم يحز شرايينك ، تركض خلفهم ، يدفعونك ، تنقلب على ظهرك ، رغو فوار يتكدس في الحلق.

ـ نحن في حالنا ، ليس لنا دعوى ، لا نحتك بأحد ، لا جيش ولا غيره .

تتوه منك الطرق والأبواب ، حيلتك للزمن ، ولد على رأس خمس بنات ، تتطلع فيه مئات المرات ، تضعه بين عينيك ، ترخي عليه جفونك ، هل يهمهم صليب أو غيره؟ المطلوب مطلوب ، لا بد من إبلاغ الصليب ، إبلاغ طوب الأرض إذا لزم الأمر ، لكن كيف الوصول إلى غزة ؟ وصول غزة اليوم أصعب من دخول جمل في ثقب إبرة .

المشكلة ليست في المشي ، ليست في انعدام السيارات ، المسافة من جباليا إلى غزة ليست بعيدة ، كثيراً ما قطعتها مشياً ، المشكلة أن الملاعين لا يتركون أحداً في حاله ابداً، اليوم إضراب ، يتصيدون المارة لرفع المتاريس ، إطفاء الإطارات ، إزاحة الحواجز ، وتمر ساعات النهار ثقيلة بطيئة وأنت لم تصل إلى مقصدك .

تأتيك فكرة ، لماذا لا تتلفن من العيادة ، ذلك أسرع وأجدى وأسلم .

صورة "أمجد" تسد عليك الطريق ، طول الوقت وأنت تطلب منه أن يظل في حاله، أنت صغير على المطاردة والرجم وتعب البال ، ماذا يمكن لباطن اليد أن تفعل في مواجهة حد السكين ؟؟ تعلم أنه يتظاهر بسماع كلامك .

كان يحاول أن يرضيك بتظاهره ، ترى أين ذهبوا به ؟ هل سلموه إلى أنصار مباشرة ، أم أبقوه في مركز الجيش طول الليل ؟

رجفة تدهمك ، تعلم تماماً ما يحدث في مركز الجيش ، قصة (هاني الشامي) لا تغادرك ، انتزعوه من بيته عصر يوم ، قالوا في روايتهم المسلوقة، روايتهم المعدة للتسويق أنه قاوم اعتقال ابنه الصغير ، ظلوا يضربونه وهو مقيد اليدين والرجلين على كل بوصة فيه بالهراوات وأسياخ الحديد أمام ابنه، يدعسون على صدره ووجهه حتى انطفأت في رئتيه الأنفاس ، غادر الضوء عينيه ، تشربت حيطان المركز نوافير دمه وفتافيت لحمه.

 

َ َ َ

 

تقترب من الساحة الموصلة للعيادة ، جمهرة ، أصوات ، صخب ، حشد ، يباغتك فزع، تنزلق فوق الشارع ، أصوات مشحونة بالغضب :

ـ يقولون أنهم وجدوا ثلاثة أولاد معصوبي الأعين ومقيدين من أطرافهم ، ألقاهم اليهود في بيارة عساف بعد أن كسروهم ،ولولا لطف ربك وعنايته ما بقي أحد حياً ، امرأة سمعت أنينا جنب السياج ، نادت الخلق ، لحقوا بهم على آخر نفس .

تندفع إلى غرفة المعالجة ، أجساد نحيلة غضة ممددة فوق النقالات ، أجساد ترشح دماً وطيناً وماء ، همهمات ، حشرجات ، أنين ، تيار بارد يثلجك دفعة واحدة ، صدرك يعلو ويهبط ، تغادرك صرخة متصدعة ، صرخة نازفة :

ـ أمجد ..

صوت الطبيب متسارعاً :

ـ لا بد من نقلهم إلى مستشفى الشفاء ، يحتاجون إلى عمليات نقل دم ، هناك كسور ونزيف.

تتدافع مجموعات من الشباب نحو السيارات التي تحمل الصبية ، يتكدسون داخلها ، يشمرون عن سواعدهم ، نقالات ، غابة من الأيدي ، الدم يعفر المكان ، ينقر عظامك ، تغيم عيناك ، ماء مالح يتخثر في فمك ، حرقة ، حيلتك للزمن ، تشبعه وصايا في الطالع والنازل، ذهاباً وإياباً ، تغمض عليه جفونك ، تغالط الحقيقة المختبئة داخلك ، الحجر أمام الدبابة ، باطن اليد وحد السكين .. تجاسر مرة ورد عليك :

ـ إنهم لا يتركون أحداً في حاله ، يتحرشون بكل الناس ، لا أحد يسلم من شرهم .

كلامه ما يزال يتفجر ساخناً في أعماقك .

القاعد والقائم سيان عندهم ، لا أحد ينجو من بلائهم ، لا يستثنون كبيراً أو صغيراً، ينغصون على الكل ، الابتعاد عن طريقهم لا يجدي ، دفن الرأس في التراب وماذا تفعل باطن اليد إزاء السكين يجعلهم يتمادون أكثر ، يطمعون في دمك ولحمك أكثر فأكثر ..

باطن الكف يمكنها أن تتحول إلى سيف يثلم حد السكين ، يكسره ، يهرسه إذا اكتست عزماً وصلابة ، الحجر حِصن للحمك ، المقلاع قلاع لدمك ، لدم الناس جميعاً .

هتافات خارج العيادة ، متاريس ، حجارة ، مقاليع ، قضبان حديد ، مواسير إسمنتية ، دخان ، مجموعات نساء ينقلن الحجارة في سلال ..

تتمنى لو تتشظى مقلاعاً ، حجراً في أيدي الشباب ، غضباً ينهمر على مركز الجيش.

وأنت تركب سيارة الإسعاف يهاجمك سؤال الطبيب :

ـ من منهم ابنك ؟

تصمت لثوان ، صور مشبوبة تسابق اندفاعة السيارة ، بدا صوتك معجوناً بالدم والطين وأنت تقول له :

ـ كلهم أبنائي .

 

* * ** *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ القصة مقررة كمتطلب جامعي لطلاب جامعة بيرزيت الفلسطينية منذ سنة 1992 حتى الآن .ـ نُشرت القصة مترجمة للغة الفرنسية في باريس في كتاب بعنوان :

12 ecrivains palestiniens- Centre national du liver- Paris - 1997

ـ نُشرت أيضاً مترجمة للغة الإسبانية في إسبانيا في كتاب بعنوان :

BAJO LA OCUPACION - Spain Cedma Malaga – 2003