-3-
بقلم :
زكي العيلة*
والشمس ترسل خيوطها الأولى تغادر باب
بيتك .. لا تدري أين تقودك قدماك ، أين تصل بك الطريق ، يسكنك القهر ، الغصة
قمم في داخلك ، يكاد رأسك ينشق ، يقولون إن من الأفضل إبلاغ الصليب الأحمر في
مثل هذه الحالات، خاصة أنه لا يحمل بطاقة هوية ، صغير السن .
قبل انتصاف الليل كانت درباكاتهم تمزق قلب
السكون ، بساطير ، زمجرات لا سلكي ، رطن ، ارتطامات أحذية ثقيلة ، طرقات ، يكاد
الباب ينسحق تحت ضرباتهم ، تهب مفزوعاً إلى الحوش ، الكشافات تدمي عينيك ..
هراوات تلكز خاصرتيك ، كتفيك ، يرشقونك
بكلمات تقطر سياطاً :
ـ أين الأولاد ؟
يندفعون صوب الأبواب ، يدفعونك ، يفلت منك
توازنك ، يرفرف أمجد بين أيديهم كعصفور ابتعدت عنه الأشجار .
ـ ماذا تريدون ؟ إنه صغير ، لا يحمل هوية .
يزقونك ، يجرجرون "أمجد " يلقمونه الأرض ،
صراخ ، خنجر مثلوم يحز شرايينك ، تركض خلفهم ، يدفعونك ، تنقلب على ظهرك ، رغو
فوار يتكدس في الحلق.
ـ نحن في حالنا ، ليس لنا دعوى ، لا نحتك
بأحد ، لا جيش ولا غيره .
تتوه منك الطرق والأبواب ، حيلتك للزمن ،
ولد على رأس خمس بنات ، تتطلع فيه مئات المرات ، تضعه بين عينيك ، ترخي عليه
جفونك ، هل يهمهم صليب أو غيره؟ المطلوب مطلوب ، لا بد من إبلاغ الصليب ، إبلاغ
طوب الأرض إذا لزم الأمر ، لكن كيف الوصول إلى غزة ؟ وصول غزة اليوم أصعب من
دخول جمل في ثقب إبرة .
المشكلة ليست في المشي ، ليست في انعدام
السيارات ، المسافة من جباليا إلى غزة ليست بعيدة ، كثيراً ما قطعتها مشياً ،
المشكلة أن الملاعين لا يتركون أحداً في حاله ابداً، اليوم إضراب ، يتصيدون
المارة لرفع المتاريس ، إطفاء الإطارات ، إزاحة الحواجز ، وتمر ساعات النهار
ثقيلة بطيئة وأنت لم تصل إلى مقصدك .
تأتيك فكرة ، لماذا لا تتلفن من العيادة ،
ذلك أسرع وأجدى وأسلم .
صورة "أمجد" تسد عليك الطريق ، طول الوقت
وأنت تطلب منه أن يظل في حاله، أنت صغير على المطاردة والرجم وتعب البال ، ماذا
يمكن لباطن اليد أن تفعل في مواجهة حد السكين ؟؟ تعلم أنه يتظاهر بسماع كلامك .
كان يحاول أن يرضيك بتظاهره ، ترى أين ذهبوا
به ؟ هل سلموه إلى أنصار مباشرة ، أم أبقوه في مركز الجيش طول الليل ؟
رجفة تدهمك ، تعلم تماماً ما يحدث في مركز
الجيش ، قصة (هاني الشامي) لا تغادرك ، انتزعوه من بيته عصر يوم ، قالوا في
روايتهم المسلوقة، روايتهم المعدة للتسويق أنه قاوم اعتقال ابنه الصغير ، ظلوا
يضربونه وهو مقيد اليدين والرجلين على كل بوصة فيه بالهراوات وأسياخ الحديد
أمام ابنه، يدعسون على صدره ووجهه حتى انطفأت في رئتيه الأنفاس ، غادر الضوء
عينيه ، تشربت حيطان المركز نوافير دمه وفتافيت لحمه.
َ َ َ
تقترب من الساحة الموصلة للعيادة ، جمهرة ،
أصوات ، صخب ، حشد ، يباغتك فزع، تنزلق فوق الشارع ، أصوات مشحونة بالغضب :
ـ يقولون أنهم وجدوا ثلاثة أولاد معصوبي
الأعين ومقيدين من أطرافهم ، ألقاهم اليهود في بيارة عساف بعد أن كسروهم ،ولولا
لطف ربك وعنايته ما بقي أحد حياً ، امرأة سمعت أنينا جنب السياج ، نادت الخلق ،
لحقوا بهم على آخر نفس .
تندفع إلى غرفة المعالجة ، أجساد نحيلة غضة
ممددة فوق النقالات ، أجساد ترشح دماً وطيناً وماء ، همهمات ، حشرجات ، أنين ،
تيار بارد يثلجك دفعة واحدة ، صدرك يعلو ويهبط ، تغادرك صرخة متصدعة ، صرخة
نازفة :
ـ أمجد ..
صوت الطبيب متسارعاً :
ـ لا بد من نقلهم إلى مستشفى الشفاء ،
يحتاجون إلى عمليات نقل دم ، هناك كسور ونزيف.
تتدافع مجموعات من الشباب نحو السيارات التي
تحمل الصبية ، يتكدسون داخلها ، يشمرون عن سواعدهم ، نقالات ، غابة من الأيدي ،
الدم يعفر المكان ، ينقر عظامك ، تغيم عيناك ، ماء مالح يتخثر في فمك ، حرقة ،
حيلتك للزمن ، تشبعه وصايا في الطالع والنازل، ذهاباً وإياباً ، تغمض عليه
جفونك ، تغالط الحقيقة المختبئة داخلك ، الحجر أمام الدبابة ، باطن اليد وحد
السكين .. تجاسر مرة ورد عليك :
ـ إنهم لا يتركون أحداً في حاله ، يتحرشون
بكل الناس ، لا أحد يسلم من شرهم .
كلامه ما يزال يتفجر ساخناً في أعماقك .
القاعد والقائم سيان عندهم ، لا أحد ينجو من
بلائهم ، لا يستثنون كبيراً أو صغيراً، ينغصون على الكل ، الابتعاد عن طريقهم
لا يجدي ، دفن الرأس في التراب وماذا تفعل باطن اليد إزاء السكين يجعلهم
يتمادون أكثر ، يطمعون في دمك ولحمك أكثر فأكثر ..
باطن الكف يمكنها أن تتحول إلى سيف يثلم حد
السكين ، يكسره ، يهرسه إذا اكتست عزماً وصلابة ، الحجر حِصن للحمك ، المقلاع
قلاع لدمك ، لدم الناس جميعاً .
هتافات خارج العيادة ، متاريس ، حجارة ،
مقاليع ، قضبان حديد ، مواسير إسمنتية ، دخان ، مجموعات نساء ينقلن الحجارة في
سلال ..
تتمنى لو تتشظى مقلاعاً ، حجراً في أيدي
الشباب ، غضباً ينهمر على مركز الجيش.
وأنت تركب سيارة الإسعاف يهاجمك سؤال الطبيب
:
ـ من منهم ابنك ؟
تصمت لثوان ، صور مشبوبة تسابق اندفاعة
السيارة ، بدا صوتك معجوناً بالدم والطين وأنت تقول له :
ـ كلهم أبنائي .
* * **
*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ القصة مقررة كمتطلب جامعي لطلاب جامعة
بيرزيت الفلسطينية منذ سنة 1992 حتى الآن .ـ نُشرت القصة مترجمة للغة الفرنسية
في باريس في كتاب بعنوان :
12
ecrivains palestiniens- Centre national du liver- Paris -
1997
ـ نُشرت أيضاً مترجمة للغة الإسبانية في
إسبانيا في كتاب بعنوان :
BAJO LA OCUPACION - Spain Cedma Malaga – 2003