-13-

زكي العيلة
لم
تفاجئك ثورةُ الحجر ،
وانتفاضةُ المقلاع ، لم يباغتك هديرُ الدم الممتد من عروق نابلس إلى مطار غزة.
كنت ترى دمَكَ راكضاً يدق الأبوابَ غير آبهٍ برغو الكواليس الرطبة ،
ومنصاتِ المهرجانات
.
دمُك هو مكاتيبُك في وجه الوافدين من خلف المحيطات ، من
آخر جهاتِ الأرض يسدُّون عناوينَك بأنيابِهم ، يشوونك بلهيب داناتهـم ،
يخلعون شعرَك وأظافرَك ، يصادرون النوافذَ والأرصفةَ ، تصبحُ حتى أحلام أطفالك
بحاجة
إلى تصاريح مرورٍ منهم ،
ينثرونك أشلاءً وفتافيتَ ، ثم يطلبون منك صكَّ صلحٍ ، وبيعةَ
سلام
.
فِما الذي تبقى لنا غير دمنا في عالم لا تحركه إلا منافعُه ، عالمٍ
لا يرى إلا من خلال ثقب إبرةِ مصالحه ، عالمٍ يُروّجُ رواياتِ بني إسرائيل ،
يتهمون
أمَك ، وشقيقتك وزوجتك وحبيبتك بأنهن يبعثنَ أبناءَهن ، أحبابَهن ، قِطعَ
لحمِهن إلى
محاور المواجهة كي يتصدروا ماكينة الإعلام ، يحاولون أن ينزعوا الإنسانَ من
إنسانيتك ، أن يُسوِّقوك للعالم آلةً صمـاءَ ، عجفاءَ ، وأنت الذي لم تنهض إلا
دفاعاً
عن باب بيتك وحجارةِ حارتك ، وهل بَعُدَتْ ساحاتُ النزال يوماً عن غرفةِ نومك ،
عن
مقاعدِ صفك ، عن أرجوحةِ روضتك ؟
هل نَزَلْتَ عليهم من كوكبٍ أخر أم أنهم هم الذين
يحتلون برَّك وبحرَك وسماواتِك وموطئ قدميك ؟ هم الذين يسلبون الهواء من رئتيك
، و
رئات الناس جميعا ً.
فلا وقتَ للتردد ، لا وقت للتحسر ، لا وقت إلا لقصائد
دمنا تُروضُ النيرانَ والدخانَ على بوابات جنين و رفح وغزة و الخليل
، لتنقشَ تاريخاً أخر فوق الحيطانِ المائلة ، حيطانِ قبائل الشجبِ المبعثرةِ
التائهة ، تاريخاً تصنعه مشيئةُ الشهداء ، مشيئة الحراس ، العشاق الباقين
المنتشرين
على جسد الرمل
.
* * *
اليوم ينهض محمد الدرة ، و فارس عودة ، وسارة عبد
الحق ابنة العامين ، و إيمان حجو ابنة الشهور الأربعة ، يأتون فراشاتٍ لم تغادر
الأقمطةَ
يحلمون
باقتناء كراسة رسم أو كرةٍ ملونة ، ولكن كيف السبيل وهم محاصرون بديفيد
ومردخاي وباروخ و القناص الذي يحتمي بباطون المستوطنة ، يَسدُّ الأرصفةَ
بأنيابه ،
يشويهم بقذائفِ المروحيات ، يمنعُ الهواءَ والماءَ والتقاوي عن أكفهم الطرية
.
نعتذر لكم يا محمد الدرة ، و فارس عودة ، وسارة عبد الحق
ابنة العامين ، و إيمان حجو ابنة الشهور الأربعة وأنتم تحلمون بالعودة إلى
مقاعد الروضة ، إلى علبِ الألوان ، والمساطر
والمحابر ، تداعبون أعشاشَ العصافير بعيداً عن رصاص الغزاة ، نعتذر لكم ،
لكغكغاتكم
المحظورة ، لنومكم بعيون مفتوحة خوفاً من أفاعي صهيون التي تلاحقكم ، تنهشُ
لحمَكم ،
تلعقُ دمَكم في انتشاء
.
إنه وقتُ الشهداءِ الأحياءِ ، الشهداءِ الحراس ،
الشهداءِ المواعيدِ ، الشهداء الدفاتر
،
يتقدمون خارطة
الجرحى و الأمهات و الحبيبات و المأسورين ، يتقدمون الأزقةَ الباقيةَ معابرَ
تأبى أن تُصاد ، تأبى
اللجمَ ، تأبى الهدمَ ، فتصغر أمام خفقات وصاياهم ماسورةُ الدبابة ، تتضاءلُ
أمام
وجوههم الصابحة شفراتُ جنازيرها
.
ها هم الشهداء ينهضون الآن في غزة خيلاً ، شجراً ، يمتدون علامةً فارقة تقتلع
الأكفان و البساطير ، تقتلع ديفيد ومردخاي وباروخ ومشانقَ المستوطنة ..
* * *
ها هم الشهداء يتقدمون ، يَتْلُون أجملَ
القصص و لو كَرِه الكارهون .