العلم يكشف آلية حركة الرياح
عن: دار الخليج
الاعتقادات الاسطورية كانت ترى ان
الرياح خفقان لأجنحة الملائكة، أو نفحة تنفث من مغارة إله الاغريق “إيول”. ولكن
مع تطور العلم اختلف الأمر، فقد كان أول من عكف على البحث في مسألة الرياح
وطريقة تشكلها هم فلاسفة الاغريق، خاصة تلاميذ الفيلسوف تاليس الذين تخيلوا ان
الرياح تنتج عن عملية تكثف للهواء. أما ارسطو فقال ان الرياح هي النتيجة
الطبيعية لتنفس الأرض.
ثم جاء دور البحارة الذين كانوا يواجهون الرياح بشكل طبيعي أثناء تجوالهم في
بحار العالم، ولذا اعتبر هؤلاء من السباقين في مراقبة ورصد حركات الرياح وطريقة
تشكلها واكتشاف عدد من الظواهر الجوية الجديدة. ويذكر ان كريستوفر كولومبس
استفاد اثناء رحلته البحرية الاستكشافية الى امريكا عام 1492م من الرياح
الشرقية التي تهب بانتظام من المنطقة المدارية. وقد أثارت الظاهرة اهتمام علماء
الجو بشكل كبير.
والواقع ان كولومبس لم يعلم وقتها انه قد اكتشف ما يعرف بالصابيات أي الرياح
التي تهب من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي، وكان لا بد من انتظار القرن
السابع عشر الذي شهد ظهور اولى النظريات العلمية الجادة في تفسير حركة الرياح،
ويعود الفضل الى الفلكي الانجليزي الشهير إدموند هالي الذي لاحظ صعود الهواء
تحت تأثير الحرارة، مستوحيا بعض الافكار من أحد تلامذة (تاليس) وهو (أناكساجور)،
وبدراسة الصابيات، استنتج هالي ان الهواء يرتفع بالقرب من مناطق خط الاستواء
المعروفة بتركز أشعة الشمس فيها، ثم يتجه نحو المناطق التي يقل فيها الهواء كي
تتكون حالة من التوازن.
لكن يبدو ان هالي اخطأ عندما اعتقد ان الهواء الدافئ يتبع أشعة الشمس ويجذب
الهواء البارد على هيئة رياح شرقية.
وجاء دور القاضي جورج هادلي المعروف بشغفه بالعلوم عام ،1735 حين كشف خطأ هالي،
معتبرا ان الهواء الدافئ يرتفع بالفعل عند خط الاستواء، لكنه يبرد متجها نحو
القطبين. وفي هذه المنطقة يصبح الهواء اكثر برودة وأكثر كثافة فيهبط ثانية الى
الارض محدثا ضغطا جويا مرتفعا.
وكان الفيزيائي بليزباسكال قد اكتشف هذه الفكرة عام 1648 حيث رأى ان الهواء
الهابط يتجه نحو المنطقة التي يكون فيها الهواء اكثر خفة أي منطقة خط الاستواء.
وأضاف باسكال أن هذه الدورة لا تنتهي، أي انها تتكرر بشكل دائب، مشكلة دورة في
كل من نصفي الكرة الارضية، وقد اطلق على هذه الدورات أو الحلقات تعبير “خلايا
هادلي” حيث أدخل هادلي مسألة دوران الأرض في تفسير اتجاه الرياح. فقدر هادلي ان
دوران الأرض من الغرب الى الشرق يولد ما يعرف بالصابيات. وإذا كان هادلي قد
اشار الى دوران الأرض ودوره في حركة واتجاه الرياح، فلابد ان نشير الى انه ليس
هو بالتحديد الذي فهم هذه المسألة برمتها، بل يعود الفضل الى الرياضي الفرنسي
جوستاف جاسبار كوريوليس الذي فسّر دوران الأرض بشكل دقيق عام 1835.
اعصار معاكس
الواقع ان دوران الأرض لا يولد مباشرة التيارات المنتظمة المعروفة بالصابيات،
لكنه يعطي الانطباع ان مسار الرياح يكون مقوسا، وهو ما يطلق عليه في الفيزياء
“قوة كوريوليس”. ولقد اسهمت نظريات كوريوليس وهادلي وباسكال حول الضغط الجوي في
تمكين الأمريكي وليام فيرل من اعداد صورة اكثر تعقيدا ودقة للتيارات الهوائية
الأرضية عام 1855. ورأى فيرل ان التيارات الهوائية تتكون من ثلاث خلايا من (خلايا
هادلي) وشرح نظريته على النحو التالي:
بما ان الهواء الساخن يرتفع عند مستوى خط الاستواء، يكون الضغط الجوي حينئذ (أي
وزن الهواء في الاعالي) قليلا، وعندها نشاهد تركز منطقة ذات ضغط جوي منخفض دائم.
أما في الاعالي فيبرد الهواء ليهبط ثانية الى المناطق المدارية (عند خط عرض 30
درجة)، حيث يكون تركز أشعة الشمس قد بدأ يضعف، وهنا نلاحظ ان وزن الهواء البارد
والكثيف يؤدي الى زيادة الضغط (منطقة ذات ضغط مرتفع) وعند هبوطه من جديد، يبدأ
الهواء بالتسخين من جديد بسبب ضغط السطح وحرارته، وتستمر عملية طرده من الجهتين
(أي من منطقتي خط عرض 30 درجة). وفي هذه الحالة يتجه جزء من الهواء نحو خط
الاستواء لتشكيل خلية هادلي، في حين يتابع الجزء المتبقي طريقه نحو المناطق
القطبية ذات الارتفاعات المنخفضة. وعندما يصل الهواء الساخن الى المناطق
الواقعة عند خط عرض 60 درجة، يتجه نحو القطبين ليتقابل مع الهواء البارد الذي
يهب من المناطق القطبية. وهناك يرتفع نحو الاعالي مكونا منطقة جديدة من الضغط
المنخفض. وفي الاعالي يعود جزء من هذا الهواء نحو المناطق الواقعة عند خطوط
العرض الدافئة ليكون حلقة ثانية يطلق عليها خلية هادلي لخطوط العرض المتوسطة.
أما الجزء الآخر فيتابع طريقه لينتهي في مناطق القطبين الباردة، ثم يهبط مجددا
مكونا ضغطا يؤدي بالتيارات الهوائية كي تتجه نحو المناطق الواقعة عند خط عرض 60
درجة، وهنا تتكون خلية جديدة تسمى خلية هادلي القطبية.
هذه الرؤية تفسر بوضوح مصدر الرياح واتجاهها، ففي نصف الكرة الشمالي، تعمل قوة
كوريوليس على تدوير الهواء في اتجاه معاكس لحركة عقارب الساعة، ليتجه نحو
المراكز ذات الضغط المنخفض. وفي الاتجاه الآخر (مع حركة عقارب الساعة) ينطلق
الهواء من مراكز الضغط المرتفع، مكونا أعاصير معاكسة، ويحدث العكس تماما في نصف
الكرة الجنوبي.
ظواهر جديدة
يبدو ان اكتشاف ما يسمى خلايا هادلي المكونة لمناطق الضغط المنخفض والعالي، قد
أدى الى فهم ظواهر جديدة لم تكن مفهومة سابقا، فالبحارة كانوا يعتقدون ان
الرياح تنعدم بالقرب من خط الاستواء وخط عرض 30 درجة، فالهواء في هذه المناطق
يرتفع ويهبط، لكنه لا ينتقل بشكل أفقي، اضافة الى ذلك، فإن نظرية فيرل تمكن من
حساب قوة الرياح في منطقة معينة، عن طريق حساب الفرق في الضغط الجوي بين الضغط
المنخفض والاعصار المعاكس، لأن الرياح تهب بقوة كلما كان الفارق كبيرا بين هذين
الضغطين وكلما كانت المسافة بين المنطقتين قليلة.
ومن الظواهر الجديدة التي تم اكتشافها ما يتعلق بالتيارات الجوية التي تؤثر في
سير الطائرات، ففي الحرب العالمية الثانية لوحظ ان الطائرات تواجه رياحا سريعة
تعمل على دفعها بسرعة تزيد على 140 كيلو مترا في الساعة، وهي سرعة تزيد بكثير
على سرعتها القصوى.
واليوم اكتشف العلماء تيارات الدفع التي تتحرك بسرعة تصل الى 400 كيلو متر في
الساعة، وتتحرك من الغرب الى الشرق على ارتفاع 10 كيلو مترات تقريبا. ويعود
تكون هذه التيارات العنيفة الى الاختلاف في درجات حرارة الكتل الهوائية لكل
خلية من خلايا هادلي كما تتأثر بقوة كوريوليس.
ويقول العلماء إن لهذه التيارات دورا في احداث التوازن الحراري بين المناطق
الباردة والدافئة، وتتكون في المناطق التي يبلغ فيها الاختلاف في الضغط حده
الأقصى. ويقسم العلماء تيارات الدفع الى نوعين، تيارات ما تحت المناطق المدارية
والتيارات القطبية، وعندما تستغل الطائرات النفاثة التي تقطع مسافات طويلة هذه
التيارات، فإنها تكسب المزيد من الوقت. وأخيراً، يستغل خبراء الارصاد الجوية
هذه التغيرات الجوية على مدار اليوم. ونظرا لأنها متغيرة القوة وتتأثر
بالتضاريس التي تمر عليها كجبال الهيمالايا، فإن خبراء الرصد الجوي يقيسون
سرعتها وحركتها مرتين في اليوم بفضل استخدامهم بالونات الرصد الجوي الموجودة
على ارتفاعات عالية في الغلاف الجوي. ومن هنا يتمكن الخبراء من معرفة مواقع
الضغط الجوي المنخفض على الأرض وقوة الرياح واتجاهها.
