www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 الموتى لا يكذبون

قصة بقلم : لنا عبدالرحمن

        طلبت من السائق التوقف حالاً، فقد كان ما شاهدته فوق مستوى الخيال• كان خالي الذي مات منذ عام يقف على الرصيف المقابل ويستعد لعبور الشارع، نزلت بسرعة جنونية واندفعت نحوه، كان هو، حقاً، هو، ليس رجلاً يشبهه بل هو فعل اً، بشرته السمراء المحروقة، عيناه الزيتيتان ، شعره الأسود الفاحم ، وندبته في أعلى جبينه تؤكد لي بما لا يحمل شكاً أنه هو، اقتربت منه رآني ، غارت كلماتي وابتعدت في أقصى تجاويفي ، مد يده لمصافحتي فصافحته وأنا صامته ، وجهه كان باشاً سعيداً برؤيتي كما كان دائماً.

ـ كيف هي أمك وأخوتك الصغار؟• سألني بشوق•

 = بخير! تمتمت بذهول•

إذن هو خالي ،ويذكرني جيداً ويذكر والدتي، لم أشأ القول " أنا أعرف أنك مت "،بل قلت وأنا على وشك البكاء•

 = أنا بخير يا خالي وكيف أنت؟

 لكنه أردفني بسؤال آخر فقال:

-  أنت تتعجلين في قراراتك ، لماذا تفعلين ذلك لطالما كنت متهورة، لم وافقت على هذه الخطوبة؟ هذا الرجل لم يكن لك، وأنت لست له•

= غير معقول؟ أنت تعرف بأمر خطوبتي أيضاً ؟ ابتسم ابتسامة حانية وهو يقول:

 - يا صغيرتي ـ أنسيتي أنني ربيتك طفله، وأعرف ما تختارينه، وما تفعلينه قبل أن تقومي به•   

    الشمس كانت حارقة في الشارع، بدأ العرق يتصبب مني وأنا مازلت أنظر إليه بدهشة لكنه كان هادئاً وعادي الملامح كما لو أنه كان عندنا الأسبوع الماضي•

- انتبهي لنفسك أكثر، ولاتتسرعي،

قالها لي بسرعة وعبر الشارع فيما أنا أحدق في ظله المبتعد• غير معقول، هناك خطأ، لابد أن الذي مات لم يكن خالي، عليَّ العودة إلى البيت حالاً كي اقول لأمى إن خالي مازال حياً وإنني رأيته وتحدثت معه• دخلت إلى منزلنا، كانت أمي تقطع الطماطم في المطبخ، اندفعت نحوها وقلت بصوت مرتفع:

 = ماما خالي مازال حياً لقد شاهدته و•••• و••

 و راحت أمي تبسمل وتحوقل، غير مصدقة ما أقول، ثم وضعت يدها على رأسي ثم قالت:

 - رأسك ساخن، يبدو أن حرارتك مرتفعة

= لا•• لا أنا لا أهذي صدقيني لقد رأيته، قولي لي هل أنت متأكده أن الذي مات منذ عام هو خالي، ، هل شاهدت غسله، هل شاهدتيه وهو ميت• وكأنني أواجهها بحقيقة أخرى فقالت

 ـ لا•• لم أشاهده، لا يمكن للمرأة أن تحضر غسل رجل غير زوجها؛ الوحيد الذي حضر غُسل خالك كان قريبنا "عواد" نامي الان، يبدو أنك مريضة جداً•

 لم أنم، ولم تغفُ عيني تلك الليلة، وجهه لم يفارقني ابدا، انتظرت شروق الصباح بفارغ الصبر كي أذهب إلى بيت قريبنا عواد لأنه يسكن في منطقة بعيدة جداً ،لم يكن يأتي لزيارتنا إلا في مناسبات الأفراح والأحزان• في ساعات الصباح الأولى انطلقت إلى بلدة عواد لزمني ساعتين من الوقت، استقبلتني زوجته بترحيب، لكنها استغربت زيارتي، ولم أجد عواد، قالت لي إنه ذهب إلى عمله، رجوتها أن ترشدني إلى مكان عمله لأني أحتاجه في أمر هام  ؛ وصلت إلى المكتب الحكومي حيث يعمل "عواد"، فاستقبلني بود ظاهر رغم أنه أحتاج لنصف دقيقة كي يتذكر ملامحي، بعد هنيهات لم أجد ما أقوله، وبدت زيارتي غير مبررة إطلاقاً • قلت:

 = يا عمي "عواد" أنت حضرت غسل خالي، أليس كذلك؟ نظر إليّ بدهشة ، ثم قال "رحمة الله عليه كان رجلاً طيباً جداً، لو كان تزوج وانجب ولداً يحمل اسمه••

 لم أسمع بقية عباراته غامت عيناي وراء مشهد لقائي الأخير مع خالي• عدت من منزل عواد وقررت أن أذهب إلى الدائرة الحكومية التي تختص بشؤون الوفيات سأحصل على شهادة وفاته لأتأكد أن ما يجري حقيقة• لكن الموظف الحكومي لم يجد شهادة وفاة خالي،  وجد شهادات وفاة وأسماء كثيرة تتشابه معه• خرجت من هناك وأنا أشعر بفرح كبير إذن لابد أن الرجل الذي التقيت به هو خالي فعلاً• لكن كيف لي التأكد؟ صعدت في السيارة وطلبت من السائق أن يقودني إلى الشارع الذي التقيت به خالي البارحة ، كان كبيراً ومزدحماً، رحت أسأل المحلات القديمة والعابرين في الشارع، والبائعين الجائلين ومطاعم الوجبات السريعة،إن كان أحد منهم يعرف رجلاً بهذا الاسم• لكن الجميع أجابني بالنفي المطلق ، ماعدا صاحب الفرن الذي قال لي أن هذا الرجل يسكن في الشارع المجاور وعنده طفلان، هل من المعقول ان خالي كان متزوجا بالسر ؟ ذهبت إلى حيث أرشدني نحو منزل صغير في آخر الشارع ،خرج إلي رجلاً شاباً ثلاثينياً، لم ينكر اسمه، لكنه لم يكن خالي، حكيت له أنني أبحث عن رجل يحمل الاسم نفسه و يسكن في هذا الشارع، فأكد لي أنه لا يوجد غيره هنا بهذا الأسم•

عدت أسير بخطواتي المتكسرة لأول الشارع يغمرني إحساس بكآبة مطلقة "لابد أنني مريضة" أنا أهذي وأتخيل، ولابد أن خالي مات حقاً وأن الرجل الذي التقيت به، لم يكن إلا وهماً كبيراً• سرت نحو أول الشارع، صعدت إلى السيارة ،وقررت العودة إلى منزلي ، ما إن أغلقت باب السيارة والتفت ورائي حتى رأيت "خالي" يصعد في سيارة أخرى وتنطلق به في الاتجاه المعاكس، نظر إلي وهو يبتعد، وعلى وجهه ابتسامة، أنا لا أتخيل إذن؟ هذا هو خالي وأنا لا أهذي أبداً ، كدت أجن، من سيصدقني؟ وصلت البيت ،حكيت لوالدتي كل ما حدث وقلت لها يحب أن تصدقيني، وتقتنعي أنني لا أكذب عليك نظرت إلي بشفقة، بدت في غاية القلق،

-نامي يا ابنتي، أنت تعانين من حمى

= لا أنا سليمة تماماً، صدقيني خالي لم يمت هو حي، ولم أحصل على شهادة وفاته هل حصلت عليها أنت خبريني؟

- لا لم أحصل عليها؟  كانت أيامها الحروب مشتعله وبالكاد تمكنا من غسله ودفنه•

= أعطيني مفتاح بيته أرجوك أريد أن أرى بيته•

 ناولتني المفتاح، فغادرت بيتنا وتوجهت إلى بيت خالي القديم، المبنى شبه متآكل، لكنني صعدت نحو شقته ، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل المظلم، أضأت النور، ورفعت الستاره، لا غبار في المكان، ولا رائحة عطن تدل على أن المكان مهجور منذ عام، رحت أتجول في الغرف، كل شيء في مكانه على خير ما يرام، وقفت في غرفة الجلوس التي تطل نافذتها على شرفة صغيرة ، نظرت إلى أحواض الزرع ، ورقها مازال أخضراً، وإلى جانبها يوجد كرسي صغير وطاولة مستديرة عليها علبه دخان "روثمان" فارغة، أليس هذا هو النوع الذي كان يدخنه خالي؟ أخذت علبه الدخان الفارغة، نزعت خاتم الخطوبة من يدي اليسرى، وقررت مغادرة المكان•