
قصة بقلم : خالد السروجي
عن
موقع ميدوزا
http://www.midouza.org/forum/viewtopic
يهبط
المساء سريعاً فى الشتاء . جال
هذا الخاطر برأسه وهو يرى عباءة الليل تفترش الشوارع . كانت الساعة لم تتعد
السادسة
، إلا بدقائق قليلة . يوم طويل من العمل المضنى قد اعتاده ، ففى الحياة لابد أن
تتعب لكى تأكل لقمة نظيفة ، وتطعم أيضاً الأفواه التى تنتظرك . رفع " جاكت "
البدلة
المهترئ الذى يضعه فوق القفطان ، ليغطى له رأسه من قطرات المطر . ومن بعيد لاحت
أضواء خافته من العشش المتراصة والتى كثيراً خيل إليه أنه لا يمنعها من التداعى
سوى
التصاقها ، واستناد إحداها على الأخرى. وعندما يقترب أكثر تلوح له عشته فيميزها
بوضوح . ينتبه إلى أنه جائع ويرتسم فى مخيلته طبق الفول الساخن الذى تعده
المرأة ،
فيكاد يشم رائحته . يتضاعف إحساسه بالجوع ، فتتسع خطواته ويتسارع إيقاعها .
سيدخل
متجهماً كالعادة ، وترد المرأة على التحية بلا حماس
.
-
العشاء يا " ولية
"
فى صمت تعد المرأة العشاء ، طبق الفول الساخن ، والجبنة "القريش" . لا يتكلم
معه أحد حتى ينتهى العشاء ، وإلا ناله من الضرب والشتم ما هو فى غنى عنه .
الجميع
يعلم أنه بعد العشاء ، يهدأ ويصفو ، خاصة بعد أن يأخذ " الكيف " . وعندما حاولت
المرأة يوماً أن تقول أن " العيال " أحق بفلوس الكيف . نالت علقة لم تنلها فى
حياتها ، ولم يخلصها سوى الجيران فى العش الملاصقة . يومها قال وهو لا يزال
ممسكاً
بها والجيران يحاولون تخليصها
:
-
حرمت من كل متع الحياة ولم تعد لى بهجة سوى
"
هذا "، وبنت الكلب تريد أن تحرمنى منها
.
وفى الأيام التى لم يستطع فيها الحصول
على الكيف ، كان يتحول إلى وحش شرس ، يضرب لأتفه الأسباب ، ساعتها قالت لنفسها
سأشترى له الكيف بنفسى ، حتى ولو يأكل " العيال
" .
-
الشاى يا " ولية
"
فى
صمت تشعل الموقد بينما هو يلف سيجارة حتى يعتدل مزاجه بعد يوم من العمل المضنى
،
والإهانات التى يبتلعها من أجل لقمة العيش من أول النهار لآخره ، ثم ينساها مع
أنفاس الكيف ، ليستطيع أن يتحمل من جديد . يرتشف الشاى مع الأنفاس ، وقد بدأت
نفسه
تصفو ، ويلاحظ " العيال " وقد بدأ النوم يغزو عيونهم ، فتترنح نظراتهم كأنها
سكرى .
تنام " سامية " و " سكينة " على الكنبة المواجهة للسرير ، بينما ينام " محمد
"
الرضيع على حرف السرير الملاصق للحائط . تبدأ البهجة تغزو نفسه فيحاول مداعبة
الرضيع ، ولكن "محمد" الصغير لا يستجيب وقد أحكم النوم سيطرته على وعيه ،
فيتركه
وينتبه إلى الحوار الدائر فى العشة المجاورة . هم جميعاً فى العشش الملاصقة ،
يسمعون ما يدور عند بعضهم ، فلا يوجد سر ، لم يعودوا يتحرجون وهم يعملون أن
آذان
الآخرين تعيش معهم . المرأة فى العشة المجاورة للسرير دائماً تثير الشجار ،
ولكنه
يعلم ما الذى يجعلها تهدأ . تقول امرأته وهى تتابع الشجار الدائر بأذن مدربة
:
-
هى هكذا كل يوم
.
ثم تصعد بجانبه على السرير وهى تمسك بجلاليب البنات
القديمة ، تجتهد فى ترقيعها بينما هو يقترب من إنهاء سيجارته الملفوفة الثانية
.
فكرت فى أن تبدأ معه حديثاً ولكنها تراجعت وآثرت الصمت. وعندما لاحظا الصمت فى
العشة الملاصقة للسرير ، تبادلا النظرات ، ثم أصغيا السمع . بعد فترة قصيرة
اخترقت
مسامعهما ضحكات ماجنة ، فتبادلا النظرات وغرقا فى الضحك . قال لها وهو لا يزال
غارقاً فى الضحك ، وقد أصبح مزاجه أكثر إشراقاً
:
-
إما هذا وإما لا تكف عن
الشجار
.
وواصل الإصغاء إلى التأوهات والفحيح ، والضحكات الماجنة، وهو يجتهد فى
إرهاف السمع ، حتى شعر بأنه بجانبهما على الفراش . ثم ببطء بدأ شىء فى داخله
يتحرك
، فخرج صوته متهدجاً
:
- "
أم محمد
"
فهمت المرأة صوته ، فقالت بصوت خفيض
:
-
اعقل يا رجل . " العيال " لم يناموا تماماً
.
لم يأبه بكلامها ، وجذبها
بعنف ، ثم طوقها بذراعيه ، بينما هى تحاول التملص . أحكم ذراعيه حول جسدها
والتصق
بها ، فقالت وهى تحاول إبعاده
:
-
فلنطفئ النور أولاً
.
عندما أطفأت النور
لم تكن العشة معتمة تماماً ، فقد كان الضوء يخترقها . خلعت ملابسها بسرعة ،
وفعل هو
مثلها . كان بصرها يجول فى العشة ، بينما هو جاثم فوقها . تريد أن ينتهى سريعاً
.
متعبة ولكن لا بأس من الانتظار
.
عاد بصرها يجول فى أرجاء العشة ثم توقف بصرها
عند الكنبة المواجهة للسرير ، على أربعة عيون تلمع فى الظلام