

كان يعلم بأن سره الدفين الذي
يخفيه سوف يفتضح يوما، هذا ما دار في خاطره وهو يفتح باب منزله، في هذه الساعة
الأخيرة من الليل، لا بد وأن الصرير الصادر عنه، قد أيقظ نصف سكان المنطقة،
حتماً هناك الكثير من العيون الفضولية ترقبه، بمزيج من التساؤل والاستغراب، هذا
ما شعر به..
أغلق الباب خلفه، أحكم مزلاجه،
ألقى جسده على أقرب مقعد صادفه، كان حريصا على إحاطة أسراره بسوار قوي، منذ جاء
غريبا إلى هذه المنطقة، فهو يعلم بأن كل ما حوله من جدران ومقاعد وأوراق وصحون،
ستكون عرضة للتفتيش، سوف يفشون أسراره بمنتهى السهولة، وهو الذي حافظ على سره
منذ اتخذ هذه البلدة مأوى له، وهذه الملابس، حتى يعيش بشخصيته الجديدة..
نهض بسرعة جنونية من مكانه، أسرع
لغرفته، جمع أوراقه ووضعها في حقيبة سوداء، لن ينتظر الفجر حتى يأتي، ارتجف
والحلم الذي رآه ليلة البارحة يطبق عليه بين فكيه بقسوة، كانوا جماعة يرتدون
السواد، يغطون وجوههم كلها، ولا يظهر سوى عيونهم، يسحبونه بقسوة، يضربونه
ويجلدونه، بعد أن كشفوا سره، وأهالي البلدة يضحكون عليه بمزيج من الشماتة
والسخرية، وهم يرمون عليه الحجارة والطماطم وقشر الليمون، يومها تذكر بأنه قد
أخبر عرافة عن حلمه هذا الذي يتكرر بشكل يومي، لم ينس ملامح الخوف الذي ارتسمت
عليها، أول مرة يرى الرعب على وجه إنسان، لقد نطقت كلمة واحدة، سوف تقتل يا
رجل..
احتضن الحقيبة لصدره، نظر إلى قطه
الرمادي، وهو يموء ويداعب ساقيه، بحركات انسيابية، فما كان منه، إلا أن ضربه
بساقه بقسوة، ففر القط، ويبدو أن صراخه أيقظ السكان، إذ أنه سمع امرأة من فوق
تصرخ بأعلى صوتها:" اللعنة، أسكت قطك أيها الرجل الغريب"
كبر الإحساس بالخوف في أعماقه،
وبدتْ الرؤيا أمامه تتضح، رأى دماءه تسفح على طرق البلدة، سمع أصوات الضحك
والهستيريا، فهرع يحمل حقيبته، وهو يركض دون أن يعي إلى أين؟
ركض بعنف، ولم يعد يشعر بأي شيء،
اجتاز العديد من شوارع البلدة، خيل إليه إنهم يمشون خلفه في هذه الساعة
المتأخرة من الليل، ويرنون إليه بأصابعهم، يطلقون عليه ضحكاتهم الشامتة ،
ويشيرون إليه: " إنه الغريب، انظروا إليه، انظروا إلى وجهه، يبدو مجرما"
"لا لا إنه زير نساء، لا بد وإنه
لم يترك امرأة وإلا وعاشرها"
"يقال إنه جاسوس، وقد خان الوطن،
مقابل حفنة من المال"
كان يسمع الأصوات، تخترقه بعنف
بالغ، وتهجم عليه في قسوة، تبدو وكأنها مخالب تنهش جلده ولحمه، ثم تناهى له
الصوت الهادر، القادم من بعيد، لا بد وإنهم هم قد جاءوا ليقتلونه..
سوف يشهد جنازته، كالحلم تماما..
الرجال السود يقتربون منه..
لا لا لا، إنها سيارة نقل كبيرة،
تقترب منه، حاول أن يفر، ولكن المشاهد كلها تراءت حوله، رصاص، ووجوه أحبها،
وأطفال صغار، وامرأة جميلة، ثم شيء ثقيل، يرتطم بصدره، وسقطت الحقيبة، تناثرت
أوراقه على الطريق، وعليها بقع الدماء، ورفع رأسه بوهن، كان يرى الرجال السود،
وهم يجمعون الأوراق ويأخذونها في سرعة..
وضحك في وهن ..
لقد اكتشف سره..