مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 الركـض فـوق جــدار الزمـن
قصة بقلم : الشربيني المهندس
عن موقع صوت بلادي
http://www.voiceofbelady.com/
 

         تباشير خريف تلوح أمام عينيه ،وهـو يختلس النظـر مـن وراء زجـاج النافـذة .. خلت السماء من الطيور.. شبـورة سـابحة في الفضـاء تتحرك نحوه بهـدوء .. عـاد يجلس إلى مكتبه .. زوي ما بين حاجبيه وقطب جبينه بشدة .. راح يقلّب الأوراق ونظراته الساهمة تخترق سقف الحجـرة .. تنهد ..
..عشت أحلم سنوات طوالا ومازلت هنا..
ترك دخـان السيجارة ينطلق بحرية في الهواء .. يتساءل عن متعة التدخـين بعد أن عاد إليه ـ في البداية كان يجد المتعة في العمل ـ لم يجـد في رأسه معني للسـؤال ..
إنها العادة والحاجة تستحكم في الإنسان..
سبق وان أعتصم بالإرادة وأحتكم لأزمة المرتب المسيطرة وأقلع عن التدخين..أما اليوم ..
ابتسم الرجل وهو يراقبه بينما يده تحرك ملعقة الشاي ..
.. مـبروك يا أستاذ ..
..ألف مبروك..يا رب كلنا نخرج منها بالسلامة أن شاء الله ..وضع كوب الماء وبراد الشاي وعلبة السكر علي المكتب ..أتفضل الشـاي الأخـير يا أستاذ (صـابر ) ..
.. يهز الرأس وهو يضيف ابتسامة إلى وجهه ..
كان القلق يشيع بالوجه وقد تسلم إخطار إحالته الي المعاش .. البشرة القمحية أصبحت داكنة قليلا .. الوجه مستدير دقيـق الملامح رغم تجاعيد ترافقه في صمت .. العينان واسعتان يشع منهما البريق يغالب السنين ..فوقهما حاجبان كثيفان بشعر أبيض كشعـر الرأس ..
كان حليق اللحية في هذا اليوم ..
عاد بصره يتحـرك ببطء من السقف الي الهـرم الرابض فوق مكتبه وقد توسطته الحكمة ..
الصبر مفتاح الفـرج ..
تحاشي النظر إلى ساعة الحائط ، يغمض عينيه ليعبر حالة الاستسلام والملل..يغافل الزمن الذي تثاقلت خطـواته .. أحس أن روحه قد صارت معلـّقة في مهب الريح علي سطح قطار الزمن القشاش،والذي توقف عنـد محطته ..
يرتشف الشاي ببطء وقد راح ينقل بصره بين الزملاء .. يرسم ابتسامة مقتضبة ، وقد انحنت ظهورهم وانكفأت عيـونهم فوق الأوراق ، ولم يعد أحد منهم ينظر إليه .. طـوي القـرار .. مسح عدسات النظارة الطبية ، أمسك الورقـة بيده اليمني يستعرض أسماء الزملاء الذين ساهموا في حفـل التكريم لبلوغه السن القانوني للمعاش .. لا يكاد يصدق أذناه ..
مبروك يا صابر..مبروك يا أبني الوزارة وافقت علي تعيينك .. قفـز فرحا وقد شعر بالرضا في عيـون أبيه ...كان لا يرضي عن عمله في الفـرن البـلدي والذي لا يناسب شهـادته الدراسية ..كما أنه عمل غير مضمون ..ونزوله للعمل قبل صلاة الفجـر كان يسبب ارتبـاك الحيـاة في المنزل .. والسهر لوقت متأخر كان يقلقه.. تنفس بصعوبة وهـو يتذكر كيف أخـذ ـ اللـه يرحمه ـ يعدد مميزات العمل الحكومي وهو يكرر..
.. الفـلوس مش كل حاجة .. الستر أهـم..والأهم تعيش يا بني بالأمل ..
مسح دمعـة ترقرقت في عينيه .. كان المرحـوم يعتقـد أن الميري يمثل الاستقرار مع الروتين .. يحرك بيده حبات السبحة مثل والده ..الأمـان في المرتب المضمون ومعاش و.. هتف قلبه .. الأمل يبتسم من جـديد .. سيتزوج وينجب أولاد أشقياء مثل أخوته ..
.. بابا فين يا أولاد ..؟
.. بابا في المصلحة ..!
يبادل والده الابتسام وهـو يردد لنفسه والأحـلام تداعبه .. سيغدو رجـلا بحق .. يخطط لنفسه كيف سيخرج من المنزل مع الشـروق مثل أبيه .. وسيعـود إلى المـنزل عصرا .. صفـق جذلا سيقـرأ الكتب والمجلات التي يحبهـا.. سيشتري ويشـتري .. يداعب امرأته .. يلهـو مع صغـاره ، وسيسهر معهم أمام التلفـزيون ..
طـوي الملف المفتـوح أمامه مودعا وهو يتنهـد .. هـّز رأسه هامسا .. تمتم أصبحنا نصـلي الفجـر، ونتسلل خارج المنزل هـروبا من تكشيره الزوجـة ، وقبل أن يتعـالى ضجيـج طلبات الأولاد نكون قـد وصلنا إلى المصلحـة والحمد لله ..
شرب كوب الشاي دفعة واحـدة ، وهـو في طريقه إلى خارج المصلحة، مبكرا عن موعده لأول مرة ..
خرج مهرولا إلى شارع (النور) واستدار منحرفا إلى شارع (الأمل ) ..قدماه حفظتا الطريق ، وعيناه تلتقطان الضـوء بشكل مختلف .. نظـر في ساعته كالمعتاد .. خاطـر يهمس .. توقف مكانه .. نظر حـوله ..تمتم ..
لماذا لا أغـير من عاداتي ..؟
ألم أصبح حرا من القيـود ..؟ ها أنا قد وصلت الي سن المعاش فجأة .. لن أنتظـر علي المحطة حتى موعـد القطار.. سأظل سائرا في الشارع أجرب طعم الحرية .. أراقب الخـلائق .. أبحلق في الفترينـات ، وافيشـات السينما .. مع متعة السهر حتى الفجر بلا قلق .. ستظل عيـوني مفتـوحة دون رقيب ، وفمي أيضـا ..سآكل في أي مـكان .. ساندويتشات (فـول وطعمية) .. سأشرب المياه الغازية .. أو حتى أدخـل سينما ..
..فيلم عـربي إن شاء اللــه ..
داعب جيوبه وخطواته تتثاقـل..وعاد الهمس يداعبـه ونظـرات الزوجة الثاقبـة لا تفارقه ..
..تباطأت خطواته هز رأسه ..
..لابأس فلنمش قليلا مع الناس،ونستنشق الهواء مجانا ونملأ العيون والذاكرة .
جلس أمام التليفزيون ..همست الزوجة تطالبه بإغلاقه حتى يتفرغ الأولاد للمذاكـرة .
راح يسير في الحجـرة ويدور حـول نفسه .. يراقب الساعة ..يسد أذنيه وصوت الضجر الذي يحفظ به امرأته يملا المكان ..(بس يا ولد .. وشوف مذاكرتك .. مصمصة الشفاه المسموعة
تعال قابلني لو نجحت ..
تدير وجهها .. كل حاجة في مكانها يا بنت ..ترفع يدها في الهـواء..
أدخلي يا مقصوفة الرقبة من البلكونة ..
وبصوت هامس اللــه يخربتها عيشة ..
راح ينظر من النافـذة ..لا يعرف متعة أخري ..أقلـّم حياته من البيت للمصلحة ..أحـس بالإرهاق .. قام الي الحمام ليغسل وجهه .. أعاد النظـر في المـرآة .. تأمل عينيه الشاردتين .. أغمض عينيه .. تمني أن يستغرق في النـوم طويلا .. وتمني لزوجته أن تنـام سريعـا في الحجرة الأخرى..عاد يشعر بالإجهاد .. عيناه الثقيلتـان ترفضان النوم .. رغـم ذلك كانت حواسه منتبهة .. يترك النوم يداعبه مختلطا بلحظات يقظة ،وشريط من الأحداث والصور لا ينتهي من أمام عينيه .. هز ذاكرته ..
..نعم كنت أذهب للعمل قبل الآخرين .. أتصفح الجرائد وتصافح عيناي أوراق الدنيا بين السطور بإيقاع ملول ، وعيون وثابة .. أنهمك في العمل الذي لا أعرف سواه .. يتوافد الزملاء ومازال الشعور بالوحدة ينتابني .. بعد طفلي الثاني طلقت القهوة وبعد الثالث تقوقعت حول نفسي ثم ضاقت أمام عيناي الدنيا والمكتب أيضا.
.. أسند رأسه إلى ظهر الكرسي .. عقـص راحتيه خلف ظهره ..تنفس بعمق شهيقا أخرجه زفيرا مسموعا .. يزداد عدد الملفات أمامي ارتفاعا..تتوالى الأيام متشابهة والملفات تخرج لسانها ..
..أصبحت أنظر في ساعتي كثيرا ..كنت أتطلع لموعد العمل هربا من صياح زوجتي المستمر مع الأولاد ، ومر دعائها علي نفسها بالموت،وهي تفيض حسرة وحـزنا علي الزواج والأولاد ..أنكب علي الملفات وكأنني آلة تبـدأ في حركتها الأولي علي صرخات الزوجة..وتعـود للحركة مع صيحات الفرحة للزملاء عند حلول موعد الانصراف من العمل ..
..مثلهم أنتظر لحظـة خروجي كتلميذ يرهـف حواسه لجرس الفسحة أو الانصراف..أندفع نحو الشارع بسـرعة ..علي الرصيف أنتظر وصـول القطـار..
داخل القطـار أنتظر محطتي بجـوار باب النزول ..
أهـّرول إلى المنزل حاملا ورقة طلبات المكتوبة ..أخلع ملابس المصلحة ..أرتدي البيجاما.. آكل .. أشرب الشاي .. أشاهد التلفزيون .. أتثاءب ..أتمـدد علي الفـراش والكتاب يرقد بجانبي علي الوسادة منتظرا اليوم التالي .
.. يتراوح ليلي بين الإغفاءة والانتباه .. أحاول تسجيل بعض الخواطر فتتصلب أصابعي وكأنها تهتف .. كفاية الملفات .. كثيرا ما كنت أنتظر الفجـر جالسا في فراشي .. مع السكون كنت أخـرج إلى البلكونة وأنتظره
مسح دمعة هاربة وقد أحس (صابر أمين ) أن الحزن صار زمنه..شعر بالخدر يتسلل الي كيانه .. تمتم .. ليس أمامي ألا النوم ..
.. حاول صابر النوم مسندا رأسه الي الوسادة ومحدقا في الظلام .. ذعر من حواسه المتيقظة ومن الشريط الدائر في رأسه ، أدرك أنه يزحف نحو اللحظات الحاسمة .. تساءل والعجز يحيط بخلايا تفكيره ..
كيف ستسير حياته الجديدة ..؟
 
ربط نفسه في دوامة العمل كما يربـط (الثور في النير) .. يشعر أن عينيه قد أصابهما الكلل فلم يعد يري أبعد من قدميه .. حتى عندما كان يرتفـع صوت زوجته تطالب بالمـزيد لتواجه طلبات المنزل والأولاد المتزايدة ، كان يرفع رأسه للسماء ويلزم الصمت ،ويستمر في العمل بدون أجـازات ..جاهد ان يتناسى كل شئ تاركا الزمن يفعـل ما يريد .. ترك القـراءة زمنا محاولا أن يتخلص العقـل من كل شوائبه ..
خرج إلى البلكونة .. حاول أن يشغل نفسه باي شئ .. يأسره الغموض ويعمق شعوره بالوحدة ..أطلق بصره في الفضـاء الواسع والسابح في الغمـوض .. أرهف أذنيـه لحفيـف السكون من حوله .. لو مارس عمـلا آخـر ..
.. لو كان يعـرف طريق البنـوك ..
.. لو أنجب طفـلا واحـدا.. لو لم يتزوج مبكرا ..
.. لو ..
.. يغـزوه الصوت المدوي داخله منذ طفولته عن معني السعادة .. يبتسم والزمن يتسرب من بين أصابعه كقطرات المـاء .. تنهـد .. يعرف ما يدور في داخله ..
همس لنفسه لا أهمية لذلك قراءاته كانت تقـول .. أن جمال الزمن المنفلت من بين أصابعه يعشش في صدره أشباحا تصـرخ في أذن الزمن الآتي ..همس للقمـر السـاكن في السماء ..
اهتزت الأشعة الصـادرة من القمر ..
أغمض عينيه .. تمتـم .. والقمر يظهـر من وراء السحاب .. وقف علي قدميه .. رفـع قبضته يلـوّح بها في الهـواء ، ولسان حاله يردد..
.. هاهـي العتمة تشف ويبقي الظـلام قابعـا داخلي ، ثم يتحرك رافـضا بشدة قرار الإحالة إلى المعـاش ..
.. أحس بضـوء الشمس يداعب عينيه .. هب مذعـورا وقد بدأت سيمفونية الصباح مع صرخـات الزوجة المحفوظـة لتوقـظ الأولاد .. أرتدى ملابسه بسـرعة وهو يحوقـل ويبسمل.. هـّرول يسحب قدميـه .. يهبـط السـلالـم في طريقـه المعتاد إلى المصلحة ..