WWW.FreeArabi.Com

أدب

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

جدار و حمار

قصة قصيرة : بقلم كريم عبد الكريم

عن موقع : جنين

www.jenin-press.net

كعادته منذ اكثر من نصف قرن ، كان يصحو من نومه على صوت الآذان ..

وكعادته ، كان يرفع صوته في تسبيح الله والدعاء في اثناء وضوءه ..

وكعادتها منذ ذلك الزمن ، ما زالت ام عواد تسبقه في النهوض من فراشها

على الرغم من إتمامها لواجباتها العائلية - كما قال ابو عواد -

فأبناؤها التسعة قد غادروا المنزل ولم يعد اي منهم يسكن بالدار ...!

 

وقبل شروق الشمس ، تكون قد أتت بطبق القش لتضعه امام شريك عمرها فوق حجر صخري كبير كان قد وُضع في وسط " المسطبة " لهذه الغاية.

وعلى الرغم من معرفته المسبقة بالجواب ، ألا انه ما زال يكرر امامها نفس السؤال :

- تعالي كلي لقمة معاي يا امرأة .

كان الجواب يأتي مختلفا عندما كان الأبناء صغار ، اما اليوم فانها تقول :

- والله ما لي نِفس يا زلمة .

وكانت على الرغم من مشاغلها الكثيرة والمتعددة ووقتها الضيق

لا تفوّت فرصة الجلوس الى جانب ابو عواد حتى ينتهي من افطاره دون

ان تقطع عليه " تأملاته " ودون ان تجعله يقطع النظر الى البعيد

بإتجاه الغرب ، بإتجاه البحر ، خلف تلك التلال التي اول من كانت

تستقبل شعاع الشمس ، فأم عواد وعلى الرغم من عدم إظهارها

لشاعريتها كأبو عواد ألا انها كانت تشاركه النظر الى ذلك البعيد ، مسقط رأسها ...

سألته مرة على استحياء :

ما لون عيوني يا ابو عواد ؟

تصوروا انه لا يعرف ...! على الرغم من عشرتها لأكثر من

اربعة اخماس عمره ..!

وذلك ليس لضعف في ذاكرته او قصر في نظره .. فهو كان

يعرف ويحفظ حتى عدد حبات الزيتون على كل شجرة من شجرات ارضه

وهو كان يرى أ لوان أشرعة مراكب الصيادين رغم بعد المسافة ..

وهي...

لم تكن اسئلتها اسئلة إستفهامية او من التي تحمل نوعا من

العتب والدلع كمثل أسئلة هذه الأيام :

( بعدك بتحبني ؟ او، بطلت تحبني ؟ ) ابدا ... لقد كان السؤال ، سؤالها :

- الى متى سأبقى اخجل من النظر الى عيونك يا رجل .

 .........................

 يشد ما يشد من امتعة وأدوات كان يحتاجها على ظهر حماره

ويتوكل على الله ، ثم يمضي كعادته الى ما تبقى له من ارض هناك

قرب " الحدود "... تلك الفاصلة ما بين الوطن ونفس الوطن ...

لقد كانت المسافة اطول من تلك التي يقطعها اليوم بعشرات المرات

على الرغم من خسارة ضعفها عام 1948 ...

" فالدولة " التي قامت وقتها قالت انها صادرت نصفها " لدواعي الأمن " ..!

وأعتقد ابو عواد ان حدود تلك " الدولة " إستكملت

ألا ان تلك " الدولة " سرعان ما بدأت بمصادرة المزيد من اجل بناء " مستوطنة " !

ثم مصادرة  المزيد للحفاظ على أمن المستوطنة !

سُأل ابو عواد مرة من قبل عبد الرحمن احد ابناءه :

كيف يمكن لنا استرجاع تلك الأرض ارضنا يا ابي ، وأنت لم تترك وسيلة " قانونية" من اجل ذلك ؟؟

- إسمع يا بني :

انا اعلم بأني لن استرد مترا واحدا في ظل قوانين تلك " الدولة "

- فهي التي تصادر - ولكني أعمل على محاولة وقف المزيد من

مصادرتها إن امكننا ذلك !!

- ولكن كيف ؟؟

سأل عبد الرحمن بمرارة ثم غادر ... ولم يعد منذ ذلك الوقت .

 

توقف الحمار عن المسير فجأة ... ولم يتنبه ابو عواد الى ما جرى

إلا عند تلك النقطة ... ما هذا ..؟!

يتسائل بذهول ..

لقد تعود على سماع صوت الجرافات والحفارات وهي تعمل

ليل نهار في توسيع تلك المستوطنة ... وكانت ليلة الأمس ليلة

ارتفع فيها ذلك الضجيج مضاعفا وعلى غير العادة ..

ولم يكن يخطر في بال ابو عواد او يتوقع

انه سيرى صباحا هذا المنظر ... حاول الإستفهام ، فأُمر بالرجوع

من حيث اتى .

فكر ابو عواد بتغيير الطريق لكن الحمار ابى ...!

فهو يقطع هذا الطريق كل يوم ومنذ ولادته

وهو يسلكها ابا عن جد ، فكيف سيرتد عنها هذا اليوم

و هل هو يفهم الأوامر العسكرية ودواعي الأمن ..؟!

 

أن تأتي منظمة امريكية الى تلك " الدولة " تعنى بحقوق الرفقبالحمير ، وتقوم بتصوير فيلما وثائقيا عن عذاباتهم في إحدى قرى بلادنا ثم يقومون بشراء البعض " المضطهد " منها ويقومون بإرسالها الى امريكا من اجل الطبابة والنقاهة فهذا امر جيد ، حسن ، وإنساني ..!

لكن الأمر المحير ، هو توقيت تلك الزيارة التي حصلت بعد الذي تعرض له حمار ابو عواد عند تلك الكومة الضخمة من الأسمنت والحديد في ذلك الصباح الباكر ...

فبينما كان العجوز متوقفا يتحدث الى " الجنود " .. اكمل حماره مواصلة المسير وحاول تجاوز تلك الكومة من الأسمنت من كوّة صغيرة بين كتلتين يحاول " العمال "

الصاقهما ببعضهما البعض فما كان من الجنود إلا ان انهالوا عليه ضربا وركلا وصراخا ليرتد فلم يفعل ... ويبدو ان احدهم وهو يحمل رتبة ميزته عن الآخرين كان قد خشيّ ان تكون تلك سابقة سوف تتكرر إن عَبر ذلك الحمار فتصرف معه بحزم ...؟!

لقد عاد ابو عواد الى ما تبقى من داره دون الحمار ...

وحزن عليه حزنا شديدا طوال ذلك النهار ...

 أم عواد ولأول مرة في حياتها شاهدت رجلها

يبكي كالأطفال .. فأعتقدت انه يبكي لفقدانه الحمار...

الا انها بدأت تبكي معه بحرقة عندما قال لها :

انظري بإتجاه الغرب يا امرأة ...

لم يعد بإستطاعتنا مشاهدة البحر و الغروب . 

 

أدب   ص 2    ص 3   ص 4   ص 5   ص 6    أرشيف 2