صرح مصدر
مسؤول
قصة بقلم : وفــــاء البوعيسي-
ليبيا
ارتمى على كرسيه المهترئ يهتز تحته لكثرة ما تآكلت قوائمه ,
وفتحني بيده الخشنة المتشققة , وسرعان ما تبدت له
صورتي تتراقص كأنها البهلوان فابتسمت بمرارة ورحت أفكر
:
في القرن الواحد والعشرين مازلت أبث بلونين فقط الأبيض
والأسود , مكاني فعلاً هنا ... أنا حقاً في
مكاني الصحيح .... في هذا البيت الذي عشش فيه الفقر
كالعنكبوت , من يطرد الفقر من بيوت الشرفاء ؟
نظرت إلى الرجل الجالس قبالتي يتطلع باهتمام إلى مذيع الأخبار
.... وعندما مد يده ليعدل صورتي تململ الكرسي تحته
... إن الخشب لا يحتمل الكذب , الكذب ثقيل الوطأة
.... لا يحتمله إلا رجل صابر كهذا .
كان المذيع يعلن موعد بث تصريحات المسؤولين , فتفرس الرجل فيِ
يترقب أولئك المتأنقين ... نظر إليهم يصطنعون الابتسامة
على وجوههم الغضة الفتية مهما تعاقب عليها الزمن , وتململ
الكرسي تحته ينشده أن يغير المحطة .... ولكنه كان
كعهده ينتظر يوماً يأتون فيه له بالجديد .
تطلع الرجل بعينيه الغائرتين إلى المسؤولين يتعاقبون في الإدلاء
بتصريحاتهم المنمقة المعدة سلفاً بإحكام .
مسؤول وزارة التجارة والاقتصاد
يقول : إن الحكومة تعد خطة متكاملة لمراقبة الأسعار
والضرب على يد السماسرة والمتجرين بحاجات المواطنين .
مسؤول وزارة العمل
يقول : إن البلاد تسير حثيثاً نحو الاهتمام بالشباب
وسبل النهوض بهم لتتيح لهم فرص عمل تناسب مؤهلاتهم .
مسؤول التنمية
والتطوير يقول : إن تحقيق تنمية اقتصادية
حقيقية في البلاد لا يتأتى إلا من خلال تنمية بشرية ,
ليست البنية التحتية هي فقط ما يشغل الحكومة , إن
البنية الفوقية التي تعيش عليها أيضاً هي محور اهتمامنا
, وتلك التنمية تتمثل في حرية التعبير ونقد ما عسى أن
تقع فيه الحكومة من أخطاء , وتأمين الحاجات النفسية
لهذه البنية الفوقية كالإحساس بالكرامة والأمن.
ووقف مسؤول التعليم
ليقول .... فخفض الرجل صوتي واتكأ على كرسيه الذي
توقف عن التململ تحته أخيراً وراح يفكر
:
ها أنا ذا من خمسٍ وعشرين عاماً في ذات الوظيفة أعيل أولادي
الأربعة لم أتقدم ولم أتأخر ... وكل يوم قبيل
المساء أجلس أمام هذا الجهاز القديم لأسمع نفس التصريحات
, بل هي نفس الوجوه , هي هي لم تتغير
.... لما لا يمرض المسؤولين أو يموتون ؟ أيعقل أن يعتلي أحدهم منصبه كل هذه المدة ويستمر فيه بذات
النضارة ؟ يا ألهي كم هي طويلة أعمار المسؤولين وكم
هم موفوري الصحة والعافية كجيوبهم المتخمة ... لا
بد أن الكذب يطيل العمر... نعم .
ثم عاد الرجل يحدق في من جديد وكأنه يراني لأول مرة , وفكر قائلاً :
لعل هذا التلفزيون قد أصابه العطب .... لعله لم يعد يعمل
جيداً .... لعله يعيد ما كان يبثه من خمسة وعشرين
سنة , غير معقول أن تكون نفس الوجوه من خمسة وعشرين عاماً
وتقول نفس الكلام من خمسة وعشرين عاماً.... لا
... لا يعقل .... لابد أن هناك خطأً ما ....
أنا
أؤمن بالمبدأ الذي يقول أن
الإنسان يمكنه أن يكذب على بعض الناس كل الوقت , أو
على كل الناس بعض الوقت , أما أن يكذب على كل الناس
كل الوقت فهذا لا يجوز .... محال هذا مخالف
للطبيعة البشرية .... الخلل إذاً في هذا الجهاز
اللعين فقد انتهت صلاحيته منذ زمن بعيد وعلي أن
أدخر بعض الجنيهات من راتبي الهزيل وأستدين بعض المال
لأشتري جهازاً جديداً يعمل بشكل صحيح .
خفت كثيراً ... ما بال الرجل يريد الاستغناء عني ؟
هو لا يصدق أن هذه هي حقيقة المسؤولين ... ماذا
سأصنع إن قذف بي خارج البيت ؟ من يشتريني ؟
لا أحد ... أنا مجرد أنتيكة بلا فائدة ...
طرازي لم يعد يغري أحداً ...ففكرت وفكرت وهداني تفكيري بإقناع الرجل بأن يبقيني بالبيت .... ولكن
اللعنة على هؤلاء المسؤولين ... لما يستغلونني لنشر أكاذيبهم ؟ لما لا
يقولون الحقيقة للناس فيريحون ويستريحون ؟ هم على
كل حال لا يملكون فعل شيء ولو صدقوهم الحديث ...
علي إذاً أن أقنع الرجل بإبقائي
في بيته
ما باليد حيلة .
في اليوم التالي فتحني الرجل وظل ينظر كالمعتاد إلى المذيع يذيع
تصريحات المسؤولين :
مسؤول الشعارات الكاذبة
: أيها المواطنون , نرفع إليكم اليوم شعاراً
كاذباً من شعاراتنا التي عودناكم على إطلاقها كلما استبد
بكم التعب وضاق عليكم الخناق , إنه شعار الترفق بالمواطن
في حاجاته ومتطلبات معيشته اليومية .
مسؤول المؤامرات والدسائس
: أيها المواطنون نعلمكم أننا قد دربنا عدداً
كافياً من عنا صرنا ذوي النوايا السيئة للتفتيش في أدمغتكم
والتسلل بينكم لرصد أي كلمة أو حركة أو سكنة قد تأتون بها
, و هذا للعلم .
مسؤول حقوق الإنسان
: أيها المواطنون الكرام نعلمكم بعزمنا الأكيد على
تعريفكم بحقوق الحيوان وهي فاتحة في المستقبل البعيد
للكلام في حقوقكم أنتم .
حملق في الرجل ببلاهة وهو لا يصدق عينيه وأذنيه وكل جوارحه
, ماذا ...؟ هل صدق أخيراً المسؤولين ...
هل تخلوا عن كذبهم ....؟ هل اقتنعوا بمبدأ
الصدق مع المواطن ...؟ وابتسم الرجل وعزم على
إبقائي في بيته .