|
عن دنيا الوطن
اعتاد
الأطفال في ليالي الصيف أن يجتمعوا للعب في ساحة واسعة أطلقوا عليها اسم
الحاكورة ، وهي عبارة عن قطعة من الأرض البور في وسط القرية ، محاطة بسياج من
أشجار الصبار الذي يعرفه أهل القرية باسم الصبر، كان الأطفال يقسمون أنفسهم
فرقا مختلفة، بعضهم يلعب لعبة الجمَّال ، فيصيح المنادي : جمَّال ابن جمال
سرقوا لك جمالك ، يرد الطفل الذي يمثل دور الجمَّال : سيفي تحت راسي ما بسمع
كلامك ، وهكذا تستمر اللعبة حتى تتم سرقة الجمال ويصحو الجمَّال ليجد نفسه بلا
جمال ، بينما تلعب فرقة أخرى من الأولاد لعبة الحرب ، يقسمون أنفسهم فريقين :
إنجليز وألمان ، تبدأ المعركة ويثور الغبار ، وتستعمل العصي والحجارة أسلحة في
المعركة ، تتعدد الجولات بين كر وفر ، وهكذا كان لكل فريق من الأطفال لعبتهم
التي يحبونها .
مضت حياة الأطفال هنيئة سعيدة على هذا المنوال .. جميع أطفال القرية يجتمعون في
مكان واحد .. يتسامرون ويتبادلون الأحاديث .. يرددون أحاديث جداتهم عن الغيلان
والعفاريت والمردة ، ويتساءلون عن حقيقة هذه الأشياء ! قال أحمد : لا يوجد
عفاريت أو غيلان ، هذا كلام فارغ .
ولكن محمود يؤكد أن جدته رأت عفريتا بقرنين وله عين واحدة كاد يقتلها لولا لطف
الله بها ! تقترب سمر من الأولاد وتقول : يوجد حتى الآن شبح الحاج حسين ، يظهر
كل ليلة عند الفرن ، في المكان نفسه الذي قتل فيه قبل عدة سنوات ، والكل يخشى
أن يمر من تلك الطريق مخافة أن ينفرد به الشبح .. الرجال والنساء والأطفال لا
يمرون من هناك من المغرب حتى شروق الشمس .. الكل يخاف من الشبح .
قال أحمد : هل تصدقين ذلك يا سمر ؟ !هل من المعقول أن يمنع هذا الكلام الفارغ
أهل القرية من التجول بحرية في قريتهم ؟ لا بد أنه الجهل ، مساكين أهل القرية ،
لم يتعلموا في المدارس كما نتعلم نحن الآن .
- ولكن أبو علي رآه رأي العين وأقسم على ذلك أمام أهل القرية .
قال أحد الأطفال ذلك والخوف بادٍ على وجهه بينما رد الآخر :
- لا بد أن الأشباح موجودة ، هل المعلم أصدق من كل أهل القرية ؟ كل أهل القرية
يقولون إن الشبح يقطع الطريق في الليل ، والأستاذ وحده ينفي ذلك ! فأيهم نصدق ؟
كان الأطفال يتحدثون بذلك وهم في الحاكورة ، فإذا ما بدءوا بالعودة إلى بيوتهم
القريبة لزموا الصمت ، بينما يأخذ الكبار منهم في قراءة بعض التعاويذ التي
حفظوها عن جداتهم العجائز لمنع ذلك الشبح من اعتراض طريقهم ، كانوا وهم داخل
الحاكورة يعتقدون أنهم في مأمن من الشبح حيث تحيط بهم أسيجة الصبر من جميع
الجهات فلا يستطيع الشبح النفاذ إليهم .
وفي إحدى الليالي المظلمة ، وبينما كان الصبية يلعبون ، رأوا جسما أسود يتحرك
نحوهم ثم يأخذ في الاستطالة شيئا فشيئا ، صاح الأولاد مذعورين : عفريت .. عفريت
. وأخذوا يجرون في فوضى بينما بقي أحمد في مكانه لا يبرحه ، كانت بجانبه عصا
طويلة وغليظة كان يستعملها في معاركه الوهمية ، فقد كان يقوم بدور القائد في
فريقه ، رفع العصا إلى أعلى ، وقبل أن ينزل بها على العفريت ، صاح العفريت : لا
تضربني يا أحمد ، فأنا محمود ، حاولت أن أمزح معكم ! تجمع الأطفال من جديد ،
حاولوا أن يبدءوا اللعب مرة أخرى ، لكن الخوف عطل رغبتهم فجلسوا واجمين .
قال أحمد : أرأيتم أن العفريت من صنع خيالاتنا وأوهامنا ؟!
قالت سمر : لكن الشبح ليس وهما ، إنه موجود هناك عند الفرن .
قال أحمد : نذهب ونرى .
رد الأطفال في رعب : ولكنه سيقتلنا ، إذا كان الرجال يخافون الشبح ، فهل نذهب
نحن لملاقاته ؟
قال أحمد : سنشعل المشاعل ونذهب جميعا ، ليحمل كل منا مشعلا ، فإذا وجدنا الشبح
ألقينا عليه المشاعل وأحرقناه ، وإذا لم نجده نعود بعد أن نكون قد كشفنا
الحقيقة بمشاعلنا، واقتلعنا جذور الوهم من قلوب أهل القرية ، وعندها يكون
المعلم هو الشخص الوحيد الذي كان يقول الحقيقة ، ولكنه لم يجد من يتعاون معه
على كشفها أمام أعين الناس .
صاح الأولاد : هيا نشعل المشاعل .
بدأ كل منهم يشعل قطعة من القماش على رأس عصاه التي كانت سلاحه في معاركه
الوهمية ، أنارت المشاعل عتمة الليل ، سار الأولاد مهللين : سنحرق الشبح ..
سنحرق الشبح .
اندفعت جموع الصبية نحو شارع الفرن وهم يملئون الجو بهتافهم ، لكن أحدا من أهل
القرية لم يسمع الصراخ ، فقد كانوا مشغولين بأمر آخر ، الرجال في الديوان
يتحدثون عن الماضي ، والنساء عند الحاجة نفيسة تقرأ لهن الفنجان وتصنع لهن
الأحجبة المختلفة.
ومن بعيد تراءى لهم وسط العتمة شبح أبيض يتحرك ببطء شديد مرة ، وبسرعة كبيرة
مرة أخرى ، وقعت سمر من شدة الخوف بينما حاول بعض الأولاد الفرار ، وتقدم
الباقون وراء أحمد ، تحرك الشبح بسرعة نحو كومة الأخشاب التي يستعملها صاحب
الفرن وقودا لفرنه ، دخل الشبح إلى الكومة ، لاحظ أحمد ذلك فأشار للأولاد أن
يتبعوه ، تصور نفسه قائدا حقيقيا في معركة حقيقية ، أمر الأولاد أن يحيطوا
بكومة الحطب من كل جانب ، وبعد ذلك أمرهم أن يقذفوا مشاعلهم فوق كومة الحطب .
صاح الشبح : لست شبحا أيها الأطفال .. أنا إنسان مثلكم .. لا تحرقوني ، حرام
عليكم .
قال الأولاد : من تكون إذن ؟
قال الشبح : أنا أبو علي .. والله العظيم أبو علي .
ولماذا فعلت ذلك ؟ قال الأطفال بصوت واحد .
قال أبو علي : كنت أسرق بعض الأشياء الثمينة من القرية وأخفيها هنا ، وحتى لا
يعرف الناس مكانها أوهمتهم أن شبح الحاج حسين يظهر كل ليلة ، وبينما كانت النار
تشتعل ، ظن أهل القرية أن حريقا شب في قريتهم فاندفعوا لإطفائه غير مبالين ،
وبلا وعي منهم وجدوا أنفسهم يسيرون نحو الفرن ليجدوا الأطفال أمامهم ، سمعوا
صوت أبي علي يطلب النجدة ، أسرع رجال القرية وأنقذوه من النار ، ولما نجا أعلن
توبته وندمه على جرائمه ، عاد الرجال فرحين بأطفالهم الذين أناروا لهم طريق
الحقيقة .
|