www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

 

تينةأسبيس*

قصة بقلم  : محمد بن جماعة - تونس

عن موقع : القصة العربية

http://www.arabicstory.net/

  

 

وصلتْ سيارة الأجرة التي كانت تقلّنا إلى مدينة قليبية ضُحًى، الطّقس حارّ والسّماء صافية والبحر تزيّن بقصر الرّباط الذي اعتلى الجبل. بينما تناثرت زوارق الصّيد هنا وهناك. وهاأنت تنظر كيف ترتسم الصّورة بأكملها على صفحة الماء..الاخضرار سمة المكان، فإذا جلت بنظرك في الأفق تأتيك صور التّاريخ القديم، فتذكر "أسبيس" التسمية اليونانية القديمة لهذه المدينة وتنظر جنوبا وشرقا وغربا، ترى الأزمنة المختزلة وقد تقاسمها أصحاب القوّة العسكرية آنذاك، الفينيقيون فالرّومان. ثمّ القرطاجنّيون... فالوندال فالعرب والمسلمون. كنتُ أسير وسط المدينة وضوء الشمس يسطع هازما قبّعتي القابسية

- 1 -

مخترقا منافذ ملّيمترية بين ضفائرها المتقاطعة المصنوعة من سعف النخيل.

 

 

* * *

 

انتهت بي الخطى إلى الطّريق المؤدّية نحو مبيت معهد المدينة، هناك سألتقي الأصدقاء ممّن وُلعوا بكتابة القصّة ونظم الشعر، وتأليف الخاطرة والقول الحسن، المبيت ليس بعيدا، ربع ساعة من المشي كافية للوصول إليه. كنت أتحسّس الطّريق بحذق من فقد البصر، حيث أضغط برجليّ على الأرض بتؤدة لأزداد ثباتا ويقينا من ملامسة المكان.فعلت ذلك من شدّة وقع الجمال الذي سحرني وأخذ بلبّ عقلي وفتنني.وبهذه الصّورة لا يشكّ الرّائي من فقداني لنعمة البصر. قلت محدّثا نفسي: هنا ركضت الخيول وصهلت، وتدافعت أجساد الغزاة المتقاتلين وتناحرت، ودوّت مدافعهم. هم ألوان من البشر بألوان من الأحاسيس، شعوب تغلّبت على شعوب، والمدينة باقية..

  

فتاة في ربيع شبابها من خيرة ما ترى العين، تسير وبيدها مجموعة من الأوراق، اكتسبت سمرة الصّيف، كيف لا؟ والبحر يعانق المدينة من زمان بعيد.

 

- صباح الخير..

  

- صباح النّور، أنت من زوّار المدينة؟

  

- نعم، جئت من الجنوب، وبي شوق إلى هنا، إلى من يستمع إلى قصّتي القصيرة..في ملتقى الأدباء الشبّان..

 

- جيّد، أنا أيضا من المشاركات.

  

- أنتِ محظوظة، تعيشين في هذه المدينة، عريقة التّاريخ.

 

كنت أنظر إليها وهي تخاطبني، متفحّصا ملامحها، فهل تعود إلى دماء تركية، أم بربرية؟ هل تكون رومانية أم قرطاجنية؟ من تكون؟ جمال من عمق التّاريخ..تماسك أمامي في متانة الأصول، فقلت حرام أن تكون هذه المدينة في أيدي الغزاة، ماضيا أو حاضرا أم آجلا. ولا أريد أن أتذكّر في هذه اللّحظة ما كان يفعله الرّومان وغيرهم في كنوز هذه الأرض الطّيبة الجليلة..فكم سبوا وكم عاثوا فسادا وكم اغتصبوا.. لم مثل هذا التّخيل؟ أنت الآن أمام فتاة تمثّل الجهة التي قصدتها و أنت تقف أمام منزلها.

  

- هذا هو بيتنا، وذاك أخي وتلك أمّي، إنهما ينتظران مشاركتي الأدبية في الملتقى والكلّ في الحقيقة يشجّعني على الكتابة.

 

- جميل هذا، صباح الخير.

 

 - صباح الخير

  

دخلنا جميعا إلى باحة المنزل، الممشى قصير وأشجار التّين الكبيرة اصطفّت يمنة ويسرة مثقلة بثمارها. دخلت الغرفة الأولى، إنها قاعة الاستقبال، أربع أرائك موزّعة بين الزّوايا الثلاث من البيت. شبّاك كبير من الجهة الشّرقية. جهاز تلفزة على اليسار، ازدحمت فوقه صور مختلفة الأحجام وأكبرها إطارا لربّ العائلة مرتديا زيّا عسكريّا، يبدو أنّه من كبار ضبّاط الصّفّ أو العاملين في قطاع سلاح الجوّ. الصّور جميعها أوحت لي بمعاني الانضباط والجدّية، كتلك التي قرأت عنها في مناقب الأتراك القدامى الذين عاشوا بالجهة. وما كدت أخرج من قاعة الاستقبال إلى الغرفة الموالية، حتّى أوتي لي بطبق مُلئ تينا طريّا، لن أصفه فهو موصوف بذاته! أكلت تينة واحدة وشكرت لهذه العائلة حسن استقبالها لي والحفاوة التي لم أر مثلها في مكان آخر! عبّرت عن ضيق الوقت، فلا بدّ من الوصول إلى المبيت لأتمّم إجراءات التسجيل والوصول للمشاركة في هذه الدّورة الأدبية السّنوية، لأتعرّف بعد ذلك إلى مكان المركز الثّقافي المحتضن لمثل هذه التّظاهرة الشّبابية.

 

 

* * *

 

انتهت إجراءات التّسجيل، وعلم جميع المشاركين موعد انطلاق الملتقى الأدبي، فسيكون غدا بداية من السّاعة العاشرة صباحا بالقاعة الكبرى من المركز الثقافي.. كنّا نمثّل جميع جهات البلاد تقريبا، وكنّا نشعر بتعب السّفر.تحمّسنا الآن للذّهاب إلى الشاطئ للتّنعّم بالسّباحة، والاغتسال بالماء المتوسّطي البارد..سرنا فرادى وجماعات، مثنى وثلاث.. البعض منّا لم يعرف البحر إطلاقا إلاّ من خلال الكتب والمجلاّت أو بعض البرامج الثقافية أو الوثائقية العلمية، التي تعتني بالطّبيعة وكثيرا ما تبثّها القنوات التلفزيونية...نحن الآن على مسافة بضع أمتار من البحر، منحدر صخري يصل بنا إلى شاطئ رملي، لترى وسط البحر صخرة كبيرة أو قل جزيرة صغيرة جدّا تصطدم على محيطها الأمواج فتزيد في تعميق ندوبها وأخاديدها المحفورة على جنباتها..كنت أعجّل النّزول إلى الماء، حتّى أحذف من ذهني هذيان الصّورة. حرارة مرتفعة طوال النهار وتينة طريّة وقبول حسن، الماء أقرب إلى نفسي هذه اللّحظة، الماء بارد، قشعريرة أولى تسرّبت إلى كامل جسمي بلَّّْلْتُ بعدها رقبتي بيدي اليمنى، ثمّ ارتميت إلى العمق. صعدت بعد لحظات فإذا بي أمام صاحبة التّين الطّري، إنّها رياضية تراوغ الموج. قََلَّتْ حركتي داخل الماء ورحت أشاهد عرضا كاملا في فنّ السّباحة. حاولت المجاراة والتّقليد لكن دون جدوى، كانت هي الأسرع والأشجع، حركاتها أشبه ما يكون بحركات الدّلفين .. تبتعد ثمّ تقترب، تقفز ثمّ تغيب في الماء. تلوّح بيدها ثمّ تستلقي على الظّهر..أحسست بالبرد فخيّرت الجلوس على الشّاطئ.

 

 

* * *

 

الساعة الآن السّابعة والنصف مساء. والشمس تتهيّأ للمغيب واستعدّ البعض للعودة إلى المبيت لتناول العشاء والسّمر فخيّرت البقاء على المغادرة، والنّظر في البحر على المشي.. كانت للأمواج حركتان مختلفتان، أمواج تنساب بهدوء على الشاطئ الرّملي وتتمدّد لتنتهي زبدا وأخرى تتكسّر بعنف شديد على النّاتئ من الصّخر، هذا هو البحر، واحد وأمواجه شتّى.. رفعت رأسي فإذا النّجوم تتلألأ في السّماء، وإن كانت الأضواء منتشرة في كلّ مكان ومصدرها المنازل القريبة.. إلاّ أنّ ضوء القمر الطّالع من الجهة الشرقية الجنوبية كان الأقوى، دائرة ناصعة البياض وفي صدري بعض الجمل والتّراكيب التي ألّفت بها نصّ محاولتي النّثرية وهي قصّة قصيرة

 - 2 -

تحوم أحداثها حول اغتصاب الأرض والمقاومة، زادتني حركة البحر ليلا انبساطا، فقد جسّمت معاني قصّتي أيّما تجسيد.. فالبحر تواصل وحضارة، تجارة وسياحة، غزو واحتلال وتطاول قوًى عظمى على بلاد ضعيفة.. والبحر اصطياف وصيد وخلاعة.. وفي هذا المكان وقف عدد كبير من الجنود فابتنوا الدّيار وعمروها وغرسوا الأراضي وأكلوا من ثمارها، أرض خصبة تعارف عليها أقوام وأجناس، تزاوجوا فأنجبوا أجيالا وأجيالا..وخرج من بينهم أعلام في مجالات مختلفة، تنعّموا بحياتهم أيّما نعيم.. وما أجمل حرارة اللّقاء وخفقان القلب المحبّ في أرض محتلّة!.. هكذا فعل الرّومان، وكذا فعل سابقوهم ومن أتى من بعدهم.

 

 * * *

 

اليوم الجمعة الرّابع من أغشت – صيف 44 قبل الميلاد. السّاعة الترابية تشير إلى فترة الضّحى، وانتشر العسس منذ شروق الشّمس في الممشى الواصل بين قصر الرّباط و إحدى حمّامات المدينة.. ويعلم الأهالي أن هذا اليوم مخصّص لابنة "الرّي" الملك الرّوماني. ها هي تسير في هذا الممشى وقد سبقنها جواريها ووصيفاتها بأكياس الملابس وعلب العطور وقوارير مياه الورد والنّسرين والياسمين.. تتحرّك أحاسيس الرّائي لهذه الأميرة وهي ترفل في الحرير.. حبيبها خادمها، فاز بقلبها وتسلّم سرّا منها، رسالة خطّية مزيّنة ومعطّرة بالزّعتر والخزامى مع رأس منحوت لآلهة الحبّ.. لم يصدّق خادمها فهل سيكون في وقت ما حاكم البلاد لم لا؟ هو منحدر من سلالة الأقدمين بهذه الأرض، أبوه من كبار ربّان الميناء مات صحبة زوجته وأخويه في حادثة سطو بعيد احتلال البلاد من قبل الرّومان ونجا هو بأعجوبة..ربّما سيبعث نسل البونيقيين من جديد ويسترجع ما فات شعبه من حرمان وقهر وتسلّط. سيتدبّر الأمر في الوقت المناسب، وستملأ السّلال تينا وستوزّع على الجميع يوم الفرح الأكبر، وستضيء الطّرق ليلا ويعيش الجميع أحلى السّاعات.

 --------------

(*) أسبيس: تسمية يونانية قديمة لمدينة قليبية وتوجد في أقصى الشمال الشرقي للبلاد التونسية.

 (1) القابسية: نسبة إلى مدينة قابس الساحلية بالجنوب الشرقي التونسي.

(2) جريدة الصباح التونسية: بتاريخ 05 أوت 1988 صياح في آخر الطريق- صفحة الغلاف الأخيرة.