لقد فعلوها
خالد السروجي
( فصل من
رواية تحت الاحمر وفوق البنفسجي)
موقع فضاءات
fdaat.com
الاحد
27/6/200 –الثامنة والنصف مساء
ابتسم "نور"
للفتي الابيض , وهو يسأله
_ الازالت
مسالة طفولتك وماضيك تؤرقك؟
_ نعم.
تدخل رجل
النجمة في الحديث:
_ لدي فكرة.
نظروا اليه
باهتمام , فواصل:
_ ليصنع كل
منا لنفسه ماضيا من خياله , يعوض به ذلك الماضي المفقود.
قال "نور"
بلهجة جادة:
_بل الاجدي
ان نصنع مستقبلا.
تطلع في
وجوههم ثم اكمل:
_ ملايين
البشر يملكون ماضيا, ولكنهم لا يملكون اي مستقبل....
1. الاحد27/6/2004 –العاشرة مساء
كانت هدي قد
تركت حفظي متمددا علي سريره , بعد ان فشلت في استدراجه
للجلوس معها امام شاشة التليفزيون.
قال لها
بلهجة آمرة:
- افضل
الانفراد بنفسي
انصرفت
مغلوبة علي امرها . جلست امام التليفزيون . كانت الصور
تتتالي امامها بلا رابط ولا معني . عقلها كان في غرفة
النوم حيث زوجها . نصف ساعة كانت قد مرت , عندما سمعت
انينه يصعوبة..هرعت الي غرفة النوم لتجده ملقي علي الارض ,
مجردا من ملابسه , وعلي ظهره آثار لجروح وسحجات
وكدمات..كاد هذا المشهد ان يفقدها صوابها , تمالكت نفسها
لتجري له عملية الافاقة والاسعافات الاولية..كانت عاجزة عن
استيعاب ما رأته..كان واضحا انه لاتوجد شيهة
سرقة.فالاشياء مرتبة وفي اماكنها.كما ان اللصوص لا يقومون
بهذا التعذيب البشع, انهم يقتلون فحسب اذا ما اعترض طريقهم
في السرقة.
اكدت لها
معلوماتها في الطب الشرعي ان الخدوش والكدمات من عمل
احتكاك الاظافر والضرب بقبضة اليد . اما السحجات الطويلة
فهي اما من الضرب بحزام جلدي او سوط. اما الجروح السطحية
فهي من عمل آلة ذات شفرة. ولاحظت ان الجروح السطحية مهندسة
علي شكل نجمة. دارت في راسها كل الاحتمالات..استطاعت
بمشقة الباسه ملابس النوم , ثم استدعت الحارس لبساعدها في
حمله الي السرير, مؤجلة حسابها العسير معه الي ما بعد
الاطمئنان علي زوجها...
الاحد
27/6/2004 –منتصف الليل.
عندما افاق
حفظي , كان علي وجهه مزيج من الرعب والالم. رفض كل محاولات
زوجته لحمله علي الكلام . كان في شروده معتصما بالصمت.بدا
وكانه غائب عن الوجود.نظراته زائغه , وبدا وكانه عاجز عن
ان يقرها علي مكان محدد.
بعد فترة مرت
علي هدي وكانها اطول من كل عمرها السابق , نطق حفظي يصوت
واهن مرتعب:
_ انهم
ينتقمون مني.
الاثنين
28/6/2004 –التاسعة صباحا.
اتصلت هدي
بالدكتور غنيم . قالت له مباشرة :
_ اريد ان
استعلم عن الحالات التي لديك..
_ الحالات
اختفت يا دكتورة...
صرخت هدي:
_ كيف ؟
_ هذا ما حدث
..هناك تحقيق داخلي يجري الان في المستشفي لتحديد المسئول
عن ذلك.
_ اذن فقد
هربوا.
_ هذا ما
يحيرني..فنوافذ الغرف المغطاه بالسلك سليمة.
_ لعلهم
خرجوا من باب المستشفي
_ هذا ايضا
ليس سهلا يا دكتورة. فهناك اطباء وممرضات وامن داخل
المستشفي وعلي البوابة, وخروج هذه الحالات دون ملاحظتها
امر صعب للغاية.
-اذن كيف
هربوا؟
_انا في
انتظار نتيجة التحقيق.
صمتت هدي
قليلا ثم قالت:
_ هناك احداث
خطيرة جرت لدينا ..ارجوك احضر الينا الان فحفظي في حالة
سيئة جدا.
_ ساكون عندك
خلال ساعة.
.../..../...._ ....
حيث تقابلوا
لاول مرة اجتمعوا.. لم يعد المكان رغم غرابته غريبا عليهم.
الارض البيضاء الناصعة كالثلج,المترامية بلا نهاية,الصافية
كمرآه. والسماء الفلورسينتية المضيئة بغير نجوم او
كواكب..ولا شئ اخر..كانوا يضحكون وعلي وجوههم لذة
الانتصار.واحساس غامر بالقوة..
الاثنين
28/6/2004 _ التاسعة والنصف صباحا.
اتصلت هدي
بالكاتب لتخبره باختفاء الحالات الخمس . والحت عليه ان
يقوم بزيارتهم في المنزل حالا.
قالت:
_ حفظي في
حالة سيئة للغاية. واذا لم نفعل شيئا سريعا فسافقده
تماما.
وجد نفسه
مضطرا لان يقول لها:
_ ساحضر حالا
يادكتورة.
_ الدكتور
غنيم علي وشك الوصول.
_ اطمئني. لن
اتاخر.
كان الكاتب
رغم كل شئ , قد بدأ يشعر بتعاطف تجاه تلك الزوجة
المأزومة...
الاثنين
28/6/2004 –العاشرة والنصف صباحا.
في ذهوله ,
كان حفظي غائبا تماما عمن حوله..بدا وكانه في عالم
اخر..وبدا ايضا للجميع انه لا يسمع كلام الكاتب الذي ظل
يؤكد له ان هذه الشخصيات خيالية ولا وجود لها في
الواقع..ولم يبد انه يستمع الي اسئلة الدكتور غنيم ولا حتي
انه يعرفه.
قال الدكتور
بلهجة حاسمة:
_ لابد من
نقله الي المستشفي حالا.
ردت هدي
مستسلمة:
_ لا مفر من
ذلك
كان حفظي
يهذي من وقت لاخر بكلام عن الذين يريدون الانتقام منه,
ويوجه اليهم شتائم قبيحة وهو يلوح بيده في الهواء, بينما
كانت هدي تحاول السيطرة علي دموعها الراغبة في الانطلاق.
الاثنين
28/6/2004 –الثانية عشرة ظهرا
قال الدكتور
غنيم للضابط:
_ حالته
لاتسمح باي اسئلة.
_ اتفهم
الوضع يا دكتور
ثم توجه
بحديثه لهدي: _ هل هناك اي شهود للواقعة.
_لم يكن هناك
سواي. ويمكن سؤال الحارس ايضا.
قال العقيد
علاء الذي كان قد حضر لتوه, موجها حديثه للكاتب الذي تعرف
عليه فورا:
_الست عضوا
في حزب......
_لم اعد عضوا
في اي حزب.
_ الم يخض
والدك......
قاطعه الكاتب
مرة اخري بضيق:
_ لا دخل
لوالدي في هذا الامر.
_ولكن لك انت
دخل به.
_ لا علاقة
لي بهذه الحادثة.
قال العقيد
علاء بلهجة ذات مغزي.
:_ قالت لي
الدكتورة انك كتبت قصص عن الجناة
_ انها قصص
من خيالي وليس الامر كما تظن.
_ وهل هناك
اي اثبات لكون هذه الشخصيات خيالية.؟
_وهل لديك
انت مايثبت انها حقيقية؟
_لا ترد علي
سؤالي بسؤال.
تدخلت هدي
لتوقف هذا:
_ ارجوكم.
الوضع لا يسمح.
قال لها
الضابط وهو يستاذن:
_ ساستدعي
الحارس لاخذ اقواله. وتكرمي بالاتصال بي عندما تسمح الظروف
باخذ شهادتك.
...../...../.....-.....
الطمأنينة
وانعكاس الضوء من الارض البيضاء علي وجوههم اكسبهم جلالا.
حتي الصبي الصغير ايضا. وبدت الامور وكانها قد افرزت ل
"نور" زعامة طبيعية للمجموعة، لاقسر فيها ولا اكراه.
كان " نور"
يجلس شاردا في لانهائية الابيض, وبدا وكانه غائب عن
الوجود.
اقترب منه
الفتي الابيض.وجلس بجانبه.
قال له بود :
_في اي شئ
تفكر؟
فنظر اليه
"نور" مبتسما..وبعد صمت لم يطل كثيرا,قال بهدوء:
_ جاء
الاوان ليتزلزل عالمهم القائم علي الظلم والقهر......
الاثنين
28/6/2004 –الثالثة ظهرا
بدات الساعات
الموجودة في المدينة تتوقف عند هذا الوقت. وكان الكاتب اول
من انتبه لهذه الظاهرة, واستولي عليه شعور هو خليط من
الخوف والاحساس بالأهانة..و شمل التوقف كل انواع الساعات
بداية بساعات اليد وانتهاء بساعات الحائط..وتناقل الناس
التعبير عن الدهشة واحيانا الفزع من هذه الظاهرة..كانت
العقارب متشبسة بمواقعها ترفض اي تحرك, واذا استطاع احد
تحريكها ,فانها تعود ثانية لتشير الي الثالثة..وانتشرت
شائعة بان ذلك يعني اقتراب موعد القيامة, واعتصم بشر كثير
في المساجد لتوقي اهوال القيامة..ولم يصدر اي تصريح رسمي
حول الامر ,رغم ان الساعات الحكومية قد اصابها نفس الشئ
ايضا...وفي المساء بات الناس وهم يتوجسون شرا...
· الاثنين 28/6/2004 – الثامنة مساء
علمت هدي من
الدكتور غنيم ان التحقيق الاداري حول اختفاء الحالات الخمس
لم يسفر عن اي شئ يمكن ان يفيد.
· الاثنين 28/6/2004 –التاسعة مساء
قال الضابط
لهدي:
_ الحارس يصر
علي انه لم ير احدا يدخل الفيلا.او يخرج منها.
_اذن فكيف
دخلوا؟
_ يدعي
الحارس ان الباشا كان يتوهم رؤية اشخاص...
انفعلت هدي:
_اتريد ان
تفهمني ان خياله احدث به تلك الاصابات؟
قال معتذرا:
_لا اقصد ذلك
بالقطع..اردت فقط ان اطلعك علي اقوال الحارس. نحن بالفعل
امام واقعة جنائية.
_ اذن فكيف
ستسير الامور؟
_لقد قمت
بحجز الحارس وسيعرض في الغد علي النيابة العامة..ولكن
اصارحك انه من الصعب الوصول للجناة دون سماع اقوال الباشا.
تمتمت هدي
وكانها تحث نفسها:
_ ربما يطول
ذلك
..../..../.... -....
علي الارض
البيضاءجلسوا, يتاملون لانهائية امتداد البياض. وكان الصبي
والعجوز يتطلعان الي السماء الفلوريسنتية, بينما تحيط يد
العجوز بالصبي في حنو ابوي..كان "نور" مثبتا نظره علي عدة
نقط سوداء بدت في الافق..النقط السوداء كانت تكبر
باستمرار..عندما اقتربت جدا , تنبهوا جميعا...نظروا الي
بعضهم في تساؤل صامت..
قال نور:
_ اصدقاء
جدد..ساعرفكم عليهم.
سأله الفتي
الابيض:
_هل انت من
دعوتهم؟
_ نعم..هم
اصدقاء.. حكاياتهم تشبه حكاياتنا.
اقترب
الغرباء..سلموا علي الخمسة.
قال نور وهو
يشير الي الغرباء واحدا تلو الواحد:
_سعيد مهران
_ سنتياجو
نصار
_ دكتور
زيفاجو
_ علي الحوات
تبادلوا قص
الحكايات.
قال سعيد
مهران:
_كنت اجلد في
السجن. وظللت احلم بالجلد حتي بعد خروجي..وعندما ذهبت
لاطالب خائني بابنتي, اسرع المخبر ليحميه ويبعدني.
وقال سنتياجو
نصار:
_ كانت
السلطات تعلم بانني ساقتل ولكنهم اغمضوا اعينهم..لقد تآمر
الجميع علي...
شرح لهم
"نور" اقتراحه. وافقه الجميع.
قال "نور" :
_ سننتظر
بقية الاصدقاء, ثم نبدأ..
قال الصبي:
_ الن يمسكوا
بنا ..او يقتلونا..
ضحك نور
قائلا:
_ لن
يستطيعوا..الم تدرك ذلك بعد ياصغيري..انهم اضعف من
ذلك..
.
بدا عددهم
كبيرا عندما اكتملوا..تبادلوا الحكايات والتفاصيل
المرعبة...
كانوا جميعا
يرتعدون من الغضب..
وكانت الارض
البيضاء تحتهم تهتز...
الاثنين
28/6/2004 –العاشرة مساء
سجلت اجهزة
قياس الزلازل في اماكن متفرقة من العالم, وفي ذات التوقيت
هزات ارضية بمقياس ثابت مقداره 4,5بمقياس ريختار...ولم
يستطع العلماء تحديد مراكز هذه الهزات التي شملت مناطق تقع
داخل احزمة الزلازل ومناطق خارجها.. واعلن احد علماء
الولايات المتحدة انهم بصدددراسة هذه الظاهرة الغريبة,
وانه لايوجدحتي تلك اللحظة تفسير كاف لها ......
الاثنين
28/6/2004 –منتصف الليل.
بدأت تنتشر
في المدينة حوادث غامضة, تم التكتم عليها نظرا لحساسية
مواقع المجني عليهم ولعدم معرفة الفاعل. رجحت جهة التحقيق
ان هناك تشكيل عصابي واحد ينفذ هذه العمليات. اسلوب
التنفيذ يكاد يتطابق في كل الحوادث..فخلال ساعة واحدة فقط
, تم تسجيل عشرة بلاغات من هذا النوع.
الثلاثاء
29/6/2004 –العاشرة صباحا
بدأت ظاهرة
الاختفاء , بالحوادث التي تم تسجيلها حتي منتصف الليل
الفائت..ولاحظ الكاتب قبل اختفائه مباشرة_وفي صدفة فريدة_
تلاشي القصص الخمس من كتبه. وكان آخر من شاهده زوجته التي
تركته في البلكونة يشرب قهوة الصباح ,وقد اثار اسغرابها
وضعه الكتب التي الفها امامه وقد بدأ يتصفحها وكانه يعيد
قراءتها ..وبالنسبة لها كان ذلك غريبا, فلم يكن يحب اعادة
قراءة ما نشره. وعندما عادت الي البلكونة مرة اخري كانت
الكتب موجودة علي المنضدة ولكنه لم يكن موجودا..ثم اختفي
حفظي..وتوالت حوادث الاختفاء
,وانتشرت
شائعات تؤكد انتشار الظاهرة وتخطيها لحدود المدينة
الساحلية...ووصل الحد الي زعم البعض ممن يملكون يملكون
اطباق التليفزيون الهوائية, ان المحطات الفضائية ذكرت رصد
هذه الظاهرة في عدة دول .......