
قصة بقلم :
سوزان خواتمي
عن الواحة
أطرافكِ
مقيدة ، وأضلاعكِ تؤلمك ، كنتِ محشورة بين الغضب والذل دون
مساحة إضافية ولو بسيطة للتحرك
.
ها
أنتِ تصرخين ، وتكزين على أسنانك غيظاً ،
وتعاودين الصراخ بعلو صوتك لكن لا حظ لحنجرتك الناشجة .. لن يغيثوك
.
تصلك
ضحكة أمك المجلجلة فتتميزين قهراً .. لماذا لا تشعر بآلامك ؟.. ألا تملك قلب أم
؟
.
لو أنها ربتت على أوجاعك يوماً
..
لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض
احتجاجاً وصفق الأبواب غضباً ، لهربت من فخ التهذيب المزيف إلى فضاء المشاكسة
المغري ، لكنها لم تتقن شيئاً إتقانها للوعظ وإسداء النصح الخرقاء
.
لطالما
سمعتها تقول
:
"
في مجتمع أصم لا فائدة من لسان بليغ ، إياكِ أن تجعلي من نفسك
النعجة السوداء
" .
تفوح تلك الرائحة النتنة التي ترافق الموت عادة ، لتثير في
رئتيكِ زوبعة لا تستطيعين لها منعاً
..
كنت قد شرعتِ في البكاء حقاً حين هزتك
اليد النحيلة لتوقظكِ
.
جاهدتِ كي تنفصلي عن ذاك العالم وتستجيبي لتربيتها
اللطيف
.
زال الاختناق .. إذن كنت تهذين ، لكن مازالت تلك الرائحة الخانقة
تنبعث من مكان ما وتحاصرك
.
تفتحين عينيك ببطء شديد ، الغرفة واسعة وبيضاء
كغيمة صيفية تعبق بأنفاس الزهور ، حولك باقات عديدة موزعة هنا وهناك في مواجهتك
أكبرها على الإطلاق تحمل اسم سعد " زوجكِِ
" .
في يوم زفافك ، قبل خمس
سنوات وأربع أشهر وأسبوع من الآن ، كانت هذه الزهور أو أخرى تشبهها تملأ المكان
،
حتى ثوبك كان موشى بزهر الأقحوان ، هاأنت تتذكرين التفاصيل الرقمية دون أدنى
خطأ ،
تستعيدين صوته : " إنني أحب الورود وأنت أجملها
"
ذاك ما قاله لك سعد يوم
كان يغازلك لوجه الحب وحده
.
إلى اليسار الممرضة النحيلة التي تطفلت على
كابوسك فأيقظتك .. تتطلعين إليها باستغراب حقيقي
.
أيقظتكِ المسكينة كما
تحتمه عليها أصول المهنة : افتعال حنان لا تخفي برودته ، حين التقت نظراتكما
ابتسمت
هي ، فانكشفت أسنانها الصفراء المتماشية كثيراً مع شحوب بشرتها
.
قالت ، وهي
تجسُّ بطنك المنتفخ
:
"
الحمد لله على السلامة ، كانت ليلة البارحة متعبة حقاً
، نزفت كثيراً ، فأنت لم تساعدينا لتخففي عن نفسك آلام المخاض
" .
كنت
تقولين لها إنك تتألمين ، حين لمحتِ خلفها سلة مبطنة بقماش لمّاع أزرق ، مزينة
بأشرطة ملونة كثيرة تشبه سلال الهدايا التي تنسق فيها حبات الحلوى، وإن كانت
أكبر
منها قليلاً
..
ساعدتكِ كي تنهضي من استلقائكِ ، ثم حملت إليك لفة قماش
كانت مختفية داخل السلة المزركشة ، ووضعتها في حجرك
.
رفعت يدك المتكلسة كي
تسندي رأساً صغيراً ظهر من فوهة اللفة ، فأصابتك من ملامسة الجمجمة الصلعاء
برودةٌ
مفاجئةٌ
.
قالت الممرضة وهي تبتعد
:
"
حاولي أن ترضعيه .. هو أيضاً متعب ،
وربما جائع
" .
انسلت منسحبة ، وأغلقت الباب خلفها
.
ها أنتما معاً
..
في غرفة بالكاد اتسعت لكما وحدكما ، إن له لون اللفت الذي تحتفظ به أمك خلف
المدفأة
قبل أن يتحول إلى مخلل ، كان ضائعاً داخل ثوب طويل ، كفاه مطبقتان ، وعيناه
كذلك
.
لإطعامه توجب عليك أن تفكي أربعة أزرار من منامتكِ وتقربيه إلى صدرك ،
لكنك لازلت تحدقين في تفاصيل وجهه الآسرة
.
ملامحه تذكرك بوسامة سعد الممضة
.
تسللت إليه برودتكِ التي ازدادت صقيعاً . فتح عينيه وشرع في البكاء . أيقنت أنه
يشبهه تماماً ، حتى مسام جلده بدأ ينز الرائحة نفسها : رائحة زهور
.
تابعتِ
حلَّ كل الأزرار التي تبقي ثوب نومك عالقاً بك .. انزلق بسهولة عن كتفيك ..
لمعت
الفكرة في حمى رأسك ، دون أن تقاوميها .. تخلعين منامتك ، وترتدين ثياب الخروج
الواسعة المعلقة فوق المشجب
.
استجمعتِ كل ما يلزمك من جبن كي تصمي أذنيك عن
صراخ الصغير الذي يزداد ارتفاعاً وحدة
.
يا لتلك الحنجرة ! لعله اكتشف خططكِ
للرحيل . كان ذهنك مشتتاً ، وأفكارك فالتة
..
أنتِ أيضاً كنت تبكين ، و
تستحين من ذرف دموعكِ أمامهم . لم تطيقي آلامك التي تتعرضين لها ، في كل مرة
تتمددين فيها أمام مجموعة الأطباء على اختلاف أسمائهم ، تنكشفين أمامهم والخجل
يقتلك ، ودون أي كبرياء تصرحين بأدق أمورك السرية ، يحاولون جهدهم لجعل رحمك
اليابس
يتقبل زرع البويضات المُخصبة
.
حُشرتِ بين المطرقة والسندان
..
أفظع
الأوقات حين يرن المنبه ليعلن عن مواعيد الحب .. طفلُ الأنبوب أشد عناداً من
ثور ،
ثم لابد من دفع الفواتير الكثيرة كيفما كانت النتيجة
.
كانت أمك تهمس في
أذنكِ مواسية
:
"
لا تكوني حمقاء يا ابنتي ، عليك أن تحاولي ولو مئة مرة ،
فالأطفال بالنسبة إلى الرجل أكثر أهمية من الزوجة ، ألا تحبين سعداً ! إنها
الطريقة
الوحيدة للاحتفاظ به
" .
انتظاركِ دون فائدة ، يسيل الزئبق رغماً عنك ،
مادامت الصّدفة فارغة إذن لا قيمة لك ، سعد ينأى بوجهه ، تنطفئ عيناه ، ويؤكد
لك
الإحباط الذي تتصيدينه في ملامحه الواجمة إن ما تقوله أمك وأمه وجارتك هادية
وحتى
صديقتك رغد صحيح ، هم يمثلون مجتمعك فمن أنت حتى تشذين عن قوانينهم المقررة
سلفاً
.
الرجال في العادة لا يشرحون وجهة نظرهم ، إنهم فقط يقطبون ، ذاك بالضبط ما واظب
سعد
عليه كل ليلة ، وكأنه يحملكِ ذنب القحط
.
إنها الهزيمة التي لن يقبلها أحد
..
بمن فيهم أنتِ أيضاً ، كنت تهزين رأسك مؤكدة أنك ستحاولين تكراراً
.
يحاصركِ
الهدف : هدفهم ، لماذا يصير عليك أن تؤكدي رغباتهم دون احتجاج ولو مهذب بأنك
تتوجعين ، وبأن الأمومة لا تعني لك أكثر من المعاناة
..
مرغمة تدورين في
تلك الدائرة المغلقة ما بين المنزل وتلك العيادة أو أخرى .. لا فرق ، وما بين
عناوين ومواعيد الإخصاب المسجلة في دفتر قرب رأسك
.
تقطبين .. فما الذي استطعتِ
عمله ؟ وهل كان ثمة حلول بديلة ؟
تجرين قدميك المتعبتين ، لم ينتبه إليكِ
أحد ، حتى الممرضة التي كانت تنتزع الصغير الذي سيشبه أباه عن صدرك وتعيده إلى
سلته
، كأنك تمشين فوق الهواء وتلبسين طاقية الإخفاء ، وفيما أنت تخلفين باب
المستشفى
وراءك ، وتشيرين إلى سيارة الأجرة كنت تحصين في ذهنك ما مر بك : المرات الست
الأولى
خجل .. كل مرة ألم .. و عشر خيبات
.
كانت نظرات السائق المتعجل المتصبب
نزقاً تتسلط فوق تفاصيلك النائية ، فقد استغرقتِ من الوقت ما لا يطيقه صبره
النافد
، حبيبك سعد لم يتسع صدره ، فما بالك بالغريب ؟
يسطع النسيان ، تسبحين في
عرقكِ ، كنت تبحثين في ذاكرتك المحمومة عن عنوان لا يسعفك تذكره ، لكنه الطريق
الذي
لا يضل عنه أحد
.
يعود صوت البكاء إلى أذنيك الخدرتين .. يد باردة تتلمس
جبينك المشتعل .. ترينها من بين أهدابك المتقاطعة مقطبة وشاحبة
.
تقولين لها
بأنك لازلت تتألمين
.