www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 عشر خيبات لمولود
قصة بقلم : سوزان خواتمي
عن الواحة

أطرافكِ مقيدة ، وأضلاعكِ تؤلمك ، كنتِ محشورة بين الغضب والذل دون مساحة إضافية ولو بسيطة للتحرك .
ها أنتِ تصرخين ، وتكزين على أسنانك غيظاً ، وتعاودين الصراخ بعلو صوتك لكن لا حظ لحنجرتك الناشجة .. لن يغيثوك .
تصلك ضحكة أمك المجلجلة فتتميزين قهراً .. لماذا لا تشعر بآلامك ؟.. ألا تملك قلب أم ؟ .
لو أنها ربتت على أوجاعك يوماً ..
لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض احتجاجاً وصفق الأبواب غضباً ، لهربت من فخ التهذيب المزيف إلى فضاء المشاكسة المغري ، لكنها لم تتقن شيئاً إتقانها للوعظ وإسداء النصح الخرقاء .
لطالما سمعتها تقول :
"
في مجتمع أصم لا فائدة من لسان بليغ ، إياكِ أن تجعلي من نفسك النعجة السوداء " .
تفوح تلك الرائحة النتنة التي ترافق الموت عادة ، لتثير في رئتيكِ زوبعة لا تستطيعين لها منعاً .. كنت قد شرعتِ في البكاء حقاً حين هزتك اليد النحيلة لتوقظكِ .
جاهدتِ كي تنفصلي عن ذاك العالم وتستجيبي لتربيتها اللطيف .
زال الاختناق .. إذن كنت تهذين ، لكن مازالت تلك الرائحة الخانقة تنبعث من مكان ما وتحاصرك . تفتحين عينيك ببطء شديد ، الغرفة واسعة وبيضاء كغيمة صيفية تعبق بأنفاس الزهور ، حولك باقات عديدة موزعة هنا وهناك في مواجهتك أكبرها على الإطلاق تحمل اسم سعد " زوجكِِ " .
في يوم زفافك ، قبل خمس سنوات وأربع أشهر وأسبوع من الآن ، كانت هذه الزهور أو أخرى تشبهها تملأ المكان ، حتى ثوبك كان موشى بزهر الأقحوان ، هاأنت تتذكرين التفاصيل الرقمية دون أدنى خطأ ، تستعيدين صوته : " إنني أحب الورود وأنت أجملها "
ذاك ما قاله لك سعد يوم كان يغازلك لوجه الحب وحده .
إلى اليسار الممرضة النحيلة التي تطفلت على كابوسك فأيقظتك .. تتطلعين إليها باستغراب حقيقي . أيقظتكِ المسكينة كما تحتمه عليها أصول المهنة : افتعال حنان لا تخفي برودته ، حين التقت نظراتكما ابتسمت هي ، فانكشفت أسنانها الصفراء المتماشية كثيراً مع شحوب بشرتها .
قالت ، وهي تجسُّ بطنك المنتفخ :
"
الحمد لله على السلامة ، كانت ليلة البارحة متعبة حقاً ، نزفت كثيراً ، فأنت لم تساعدينا لتخففي عن نفسك آلام المخاض " .
كنت تقولين لها إنك تتألمين ، حين لمحتِ خلفها سلة مبطنة بقماش لمّاع أزرق ، مزينة بأشرطة ملونة كثيرة تشبه سلال الهدايا التي تنسق فيها حبات الحلوى، وإن كانت أكبر منها قليلاً ..
ساعدتكِ كي تنهضي من استلقائكِ ، ثم حملت إليك لفة قماش كانت مختفية داخل السلة المزركشة ، ووضعتها في حجرك .
رفعت يدك المتكلسة كي تسندي رأساً صغيراً ظهر من فوهة اللفة ، فأصابتك من ملامسة الجمجمة الصلعاء برودةٌ مفاجئةٌ .
قالت الممرضة وهي تبتعد :
"
حاولي أن ترضعيه .. هو أيضاً متعب ، وربما جائع " .
انسلت منسحبة ، وأغلقت الباب خلفها .
ها أنتما معاً .. في غرفة بالكاد اتسعت لكما وحدكما ، إن له لون اللفت الذي تحتفظ به أمك خلف المدفأة قبل أن يتحول إلى مخلل ، كان ضائعاً داخل ثوب طويل ، كفاه مطبقتان ، وعيناه كذلك .
لإطعامه توجب عليك أن تفكي أربعة أزرار من منامتكِ وتقربيه إلى صدرك ، لكنك لازلت تحدقين في تفاصيل وجهه الآسرة .
ملامحه تذكرك بوسامة سعد الممضة . تسللت إليه برودتكِ التي ازدادت صقيعاً . فتح عينيه وشرع في البكاء . أيقنت أنه يشبهه تماماً ، حتى مسام جلده بدأ ينز الرائحة نفسها : رائحة زهور .
تابعتِ حلَّ كل الأزرار التي تبقي ثوب نومك عالقاً بك .. انزلق بسهولة عن كتفيك .. لمعت الفكرة في حمى رأسك ، دون أن تقاوميها .. تخلعين منامتك ، وترتدين ثياب الخروج الواسعة المعلقة فوق المشجب .
استجمعتِ كل ما يلزمك من جبن كي تصمي أذنيك عن صراخ الصغير الذي يزداد ارتفاعاً وحدة . يا لتلك الحنجرة ! لعله اكتشف خططكِ للرحيل . كان ذهنك مشتتاً ، وأفكارك فالتة ..
أنتِ أيضاً كنت تبكين ، و تستحين من ذرف دموعكِ أمامهم . لم تطيقي آلامك التي تتعرضين لها ، في كل مرة تتمددين فيها أمام مجموعة الأطباء على اختلاف أسمائهم ، تنكشفين أمامهم والخجل يقتلك ، ودون أي كبرياء تصرحين بأدق أمورك السرية ، يحاولون جهدهم لجعل رحمك اليابس يتقبل زرع البويضات المُخصبة .
حُشرتِ بين المطرقة والسندان ..
أفظع الأوقات حين يرن المنبه ليعلن عن مواعيد الحب .. طفلُ الأنبوب أشد عناداً من ثور ، ثم لابد من دفع الفواتير الكثيرة كيفما كانت النتيجة .
كانت أمك تهمس في أذنكِ مواسية :
"
لا تكوني حمقاء يا ابنتي ، عليك أن تحاولي ولو مئة مرة ، فالأطفال بالنسبة إلى الرجل أكثر أهمية من الزوجة ، ألا تحبين سعداً ! إنها الطريقة الوحيدة للاحتفاظ به " .
انتظاركِ دون فائدة ، يسيل الزئبق رغماً عنك ، مادامت الصّدفة فارغة إذن لا قيمة لك ، سعد ينأى بوجهه ، تنطفئ عيناه ، ويؤكد لك الإحباط الذي تتصيدينه في ملامحه الواجمة إن ما تقوله أمك وأمه وجارتك هادية وحتى صديقتك رغد صحيح ، هم يمثلون مجتمعك فمن أنت حتى تشذين عن قوانينهم المقررة سلفاً . الرجال في العادة لا يشرحون وجهة نظرهم ، إنهم فقط يقطبون ، ذاك بالضبط ما واظب سعد عليه كل ليلة ، وكأنه يحملكِ ذنب القحط .
إنها الهزيمة التي لن يقبلها أحد .. بمن فيهم أنتِ أيضاً ، كنت تهزين رأسك مؤكدة أنك ستحاولين تكراراً .
يحاصركِ الهدف : هدفهم ، لماذا يصير عليك أن تؤكدي رغباتهم دون احتجاج ولو مهذب بأنك تتوجعين ، وبأن الأمومة لا تعني لك أكثر من المعاناة ..
مرغمة تدورين في تلك الدائرة المغلقة ما بين المنزل وتلك العيادة أو أخرى .. لا فرق ، وما بين عناوين ومواعيد الإخصاب المسجلة في دفتر قرب رأسك .
تقطبين .. فما الذي استطعتِ عمله ؟ وهل كان ثمة حلول بديلة ؟
تجرين قدميك المتعبتين ، لم ينتبه إليكِ أحد ، حتى الممرضة التي كانت تنتزع الصغير الذي سيشبه أباه عن صدرك وتعيده إلى سلته ، كأنك تمشين فوق الهواء وتلبسين طاقية الإخفاء ، وفيما أنت تخلفين باب المستشفى وراءك ، وتشيرين إلى سيارة الأجرة كنت تحصين في ذهنك ما مر بك : المرات الست الأولى خجل .. كل مرة ألم .. و عشر خيبات .
كانت نظرات السائق المتعجل المتصبب نزقاً تتسلط فوق تفاصيلك النائية ، فقد استغرقتِ من الوقت ما لا يطيقه صبره النافد ، حبيبك سعد لم يتسع صدره ، فما بالك بالغريب ؟
يسطع النسيان ، تسبحين في عرقكِ ، كنت تبحثين في ذاكرتك المحمومة عن عنوان لا يسعفك تذكره ، لكنه الطريق الذي لا يضل عنه أحد .
يعود صوت البكاء إلى أذنيك الخدرتين .. يد باردة تتلمس جبينك المشتعل .. ترينها من بين أهدابك المتقاطعة مقطبة وشاحبة .
تقولين لها بأنك لازلت تتألمين .