www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

 

ما زالوا يغادرون ..

. بقلم سوزان خواتمي

كاتبة من سوريا

http://www.susankhwatmi.wtcsites.com

        قبل أن تستيقظ حواسي بالكامل ،  يبدأ يومي برائحة القهوة ، تصل أنفي الغافي فتنبهه .. ويصل إلى مسمعي حفيف خفيه فوق البلاط ، يجر قدميه فقد اعتاد ألا يحمل نفسه عناء رفعهما ، ثم تهل رائحة دخان مكتومة تأتيني خفيفة من خلال فتحة الباب الموارب ..

  تلك طقوس ونيس عمري الصباحية .

 أفتح عيني المثقلتين بالنعاس على خصلة من ضياء الشمس ، تشق عنفوان الستارة السميكة ، وتتسلل رقيقة مستقيمة حتى حافة السرير ،  تفضح حبات الغبار المتراقصة أمامها .

 ارحمني يا الله من تلك الجلبة المبكرة .. أنا التي أعشق المكوث في حضن السرير الدافئ تزورني خيالات أطياف أحبتي .. لا أذكر تفاصيلها لكنها تسعدني .

 منذ ثلاثين عاماً يغزو صباحي بوقع خطاه ، وأثر إدمانه الأزلي على ارتشاف القهوة ،  وامتصاص دخان لفافة قبل أن تعلن الساعة السادسة صباحاً مهما طال السهر ، يعقبها صفير متقطع يداعب به عصافير الحب ، تلك التي تحتل موقعها في الصالة ، وتستجيب له .

 ونيس عمري يحمل في صدره ألف علة وعلة ، وعليه فالقهوة ممنوعة .. والدخان .. وكذلك العصافير بزغبها المؤذي يزيد من الحساسية التي يعانيها ، ولكن !

" الأعمار بيد الله "

  هكذا يصدني كلما فتحت له موشح النصائح الطبية ، ويزيد :

" ماطعم الحياة دون رشفة مرار تعيننا على الذي أمر منها "

منزلنا الكبير بحجراته القديمة المرتفعة الأسقف ، كان يضيق بنا يوماً ، حين كان الصغار يملؤون أسرته ، ويتبرمون ضيقاً كلما اضطروا لانتظار دورهم أمام باب الحمام .

 القياس الأكبر لأوعية الطهي التي تناسبنا ، أين منها الآن ( تيفال ) صغيرة تتسع لطبخ كأس واحدة من الأرز .

 الغرف الكبيرة المسكونة بالصمت الموحش ، صارت تفتح كل شهر مرة للتنظيف ،  حتى غرفة الطعام صرنا نؤجل الأكل فيها إلى أيام المناسبات ، لأن الصدى يرجع فيها حين نتحدث ..هكذا خيل لنا ، أو أننا خفنا منظر الكراسي الفارغة من أصحابها .

 انحصرت تنقلاتنا بين غرفة نومنا الصغيرة وصالة الجلوس الودودة بنباتاتها وعصافيرها .

 لم يبق الصغار صغاراً .. كبروا .. أحبوا ..  تزوجوا .. سافروا .. و غادرونا .

 غادرنا الجميع ، ولم يبق من آثارهم سوى وسائد فارغة وهاتف يرن أيام الأعياد وأول كل شهر .

 هذا يحدثنا من فنزويلا .. وتلك من أميركا .. و الوسطى من الكويت .. والصغير استقطبته فرنسا ، كأن عائلتنا مكوك انفجر ليتناثر في قارات العالم المختلفة .

 استهوتهم أحلام شدتهم بعيداً .  خفنا الوحدة ، فأكثرنا من الإنجاب . تسخر منا الأيام ، فقد عدنا كما بدأنا ، اثنين يحملان هموم المجموعة ، و يكابدان ألم  الشوق ، ووحشة الوحدة .

ونيس عمري وأنا تلمنا الليالي في حديث الذكريات ، فنذكر يوم بال سمير في سرواله خوفاً من عتمة الحمام .. ونذكر روعة حفل تخرج هدى حين كانت عيناها تكتحلان بزهو الفوز .. و.. وكم كان متعباً يوم ولادة زاهي .. ضفائر هدى كانت مثار استحسان الجيران ، وكذلك أشعارها اليوم .. وخط أحمد أجمل من خط سمير ونحشر أيدينا في جارور الرسائل لنقارن .

فإن ضرنا صفحاً عن الماضي ، تحدثنا عن شهوة لقائهم ، متسائلين عن موعد الإجازة المحتمل ، وعندما تفر من عيني دمعة شوق يمسحها بيد أرعشها الكبر والوجد قائلا :

 " افرحي لأنهم بخير حال "

 قوارير الأدوية بجانب السرير على الطرف الأيمن تخص ونيس عمري ، وتلك التي بالطرف الأيسر لي ، يذكرني بتوقيت الجرعات وأحثه كي لا ينسى خاصته .

 البارحة كان الإعياء يأخذ مني بقايا النشاط المناسب لمن هن في عمري ، ناولني الحبوب المسكنة وكأس الماء . نمت مبكرة عن موعد الإبكار المعتاد .

 مازال هذا الدواء يسكن الطنين في رأسي ، لكنه يخفف آلام انتفاخ " الكولون " ،  ورغم بقايا الطنين المزعج ، تنبهت إلى تأخر الوقت ، فشعاع الضوء وصل الحائط المقابل ، أي أنه مر فوق السرير منذ فترة ولكن !

 لم لم توقظني رائحة القهوة .. بل أني لم أسمع حفيف الخفين .. حتى العصافير صامتة هذا الصباح .

 فتحت عينين أفزعهما الصمت الموحش ، إلى جانبي ونيس عمري يلتحف الأغطية ،  يسكنه هدوء مرعب .