العبقرية
موطنها
الخلايا النجمية
كشف
علمي يغير النظرة عن الدماغ
ما
الفرق بين دماغ ألبرت أينشتاين ودماغ أي شخص آخر؟
ترجمة:
محمد هاني عطوي
لقد
أسال هذا السؤال أقلام الكثيرين من العلماء والمفكرين. ولو
نظرنا الى الأمر من ناحية عدد الخلايا العصبية وشكلها، فإننا لن
نلحظ شيئاً جوهرياً بين الشخصين، لكن المثير حقاً انه عندما قامت
الباحثة في علم التشريح ماريان دياموند من جامعة بيركلي
بكاليفورنيا، باجراء اختبار دقيق على قطع من دماغ أينشتاين وذلك
للمرة الاولى في العام ،1985 لاحظت خصوصية غريبة في القشرة
الدماغية لأينشتاين تتمثل في وجود عدد كبير جداً من الخلايا غير
العصبية المعروفة بالاسم العلمي (Glie) أي مجموعة الخلايا غير العصبية للدماغ التي اكتشفت على يد
الألماني رودولف فيرشو في العام 1856. وقد اخترع لها هذا العالم
هذه التسمية (Glie)
والتي تعني المادة الموكلة بالحفاظ على تماسك الخلايا العصبية.
المعروف أن
منطقة القشرة الدماغية المعنية بهذا العدد الهائل من الخلايا يفترض
ان تكون مخصصة للملكات الإدراكية المعقدة، ولذا لم يلتفت اليها أحد
من الباحثين باعتبارها مجرد تفصيل تشريحي لا قيمة له، فمع بداية
القرن العشرين، تم اكتشاف ما يسمى بالخلايا الدبقية، وقد اعتبرها
العلماء لدى اكتشافها مجرد “خلايا تعبئة أي تقوم بالمحافظة على
الخلايا العصبية وتغذيتها لتقوم هذه الاخيرة بدورها في عملية
التفكير عند الانسان”.
ومنذ ثلاث سنوات
بدأت هذه الصورة الكلاسيكية للدماغ تتلاشى في الهواء لاسيما بعد ان
ضاعف عدد كبير من الباحثين من شتى انحاء العالم اكتشافاتهم
المتعلقة بالمزايا المخفية للخلايا الدبقية وبشكل خاص تلك المتعلقة
بالقدرات الاستثنائية لخلايا اخرى تسمى الخلايا النجمية.
ويقول الباحثون
ان هذا النوع من الخلايا يعتبر بمثابة المرشد السري بالنسبة
للخلايا العصبية فهي قادرة على التأثير على عملية نقل المعلومات
بشكل خفي اضافة الى انشاء شبكاتها الخاصة بها والمتعلقة بالاتصالات
المتوازية.
ويعترف خبراء
الأعصاب الذين يستندون على المعلومات المتراكمة منذ ثمانين عاماً،
أن المعطيات الحديثة المتوفرة عن الخلايا النجمية والدبقية لا يمكن
تجاهلها، فالمؤتمرات التي تعقد حول علوم الأعصاب لا تكاد تمر دون
ان يخصص لها جزءاً لا بأس به من المحاضرات على حد قول دونيس
لوبيهان الذي يعتبر أحد اكبر العلماء الذين تبحّروا في وظائف
الدماغ.
ويعتقد لوبيهان
ان العلم الجديد المتعلق الخلايا النجمية يوشك على المدى القريب ان
يقلب لدينا كافة المعلومات التي نعرفها عن الدماغ.
يذكر ان الصورة
المشهورة للدماغ في الكتب المدرسية والجامعية عبارة عن شبكة هائلة
من الخلايا العصبية المترابطة فيما بينها بواسطة روابط تسمى نقاط
التشابك العصبي، وتعتبر هذه النقاط بمثابة الأداة التي تسمح بمرور
المعلومات القادمة من الخلية العصبية الى جارتها.
واذا كانت هذه
الرؤية صحيحة فإنها ليست كاملة، بل تخفي وراءها نصف المعلومات عن
دماغنا لاسيما فيما يتعلق بالخلايا الدبقية والخلايا النجمية.
ويشير كريستيان
جيبوم من كلية فرنسا، الى أنه يجب علينا ان نعلم بأن الخلايا
العصبية محاطة بالخلايا النجمية وأن هذه الأخيرة تحيط بنقاط
التشابك العصبي.
ويضيف جيبوم أنه
يمكن تشبيه الخلايا العصبية والنجمية بشبكتين من السكك الحديدية
احداها تسير عليها قطارات سريعة جداً في حين تسير فوق الثانية
قطارات عادية السرعة.
وبنفس الطريقة
نجد ان بعض المعلومات يمكن ان تنتقل عبر الخلايا العصبية بشكل سريع
للغاية، بينما تنتقل سرعة انتقالها بواسطة الخلايا النجمية بمعدل
100 ألف مرة.
وفي هذا
النموذج، نلاحظ ان نقاط التشابك العصبي، عبارة عن محطات للفرز
(التبويب) حيث يتم تبادل المعلومات بين الخلايا العصبية والخلايا
النجمية.
ويعتقد بعض
الباحثين ان هذا المفهوم الثوري لدماغ مكون من شبكتين
عصبيتين متداخلتين احداهما في الاخرى، يعتبر مجرد فرضية لم تتبلور
بعد، لكن ثمة عدد من التجارب التي ساهمت في تعزيز الثقة بالرؤية
الجديدة للدماغ، فقد أكدت ثلاث دراسات جادة خلال السنوات الثلاث
الماضية على وجود تغيير في عملية نقل المعلومات (الاشارات العصبية)
عن طريق الخلايا النجمية.
ومنذ مدة طويلة،
يعلم الباحثتون انه عند وصول السيال العصبي الى مستوى نقاط التشابك
العصبي، فإنه يؤدي الى تحرير النواقل العصبية مثل “الفلوتامات،
GABA،
أستيل كولين، دوبامين..) وهذه النواقل عبارة عن رسائل كيميائية
تتثبت فوق مستقبلات نوعية موجودة على سطح الخلية العصبية الثانية
(المجاورة للخلية السابقة). وتساهم عملية التثبت تلك، في تنشيط
وتوسيع رقعة انتشار الاشارة العصبية لتصل الي نقطة تشابك عصبي
جديدة، وهكذا ولو نظرنا الى الخلية العصبية عن كثب، لتبين لنا بشكل
واضح ان عدد كبير من نقاط التشابك العصبي مغلفة بذراع خلوي نجمي،
وهنا يكمن بيت القصيد، فالشيء الذي كان العلماء يعتقدونه انه مجرد
غلاف عازل، كان في الواقع عبارة عن منطقة اتصال بامتياز تمارس
الخلية النجمية عبرها تأثيرها على الاتصالات ما بين الخلايا
العصبية وذلك كما أظهرت ذلك الدراسة التي قامت بها ستيفان أوليه
ومساعدوها في جامعة بوردو الفرنسية.
فمن خلال هذه
الدراسة، لاحظ الباحثون في نموذجهم الاختباري (غدة ما تحت المهاد
عند الجرد)، أن غياب الخلايا النجمية من حول نقاط التشابك العصبي
يؤدي الى التشبع غير العادي بالنواقل العصبية التي تعمل على الكبح
الكلي لهذه الغدة، وفي المقابل تبين للباحثين ان وجود الخلايا
النجمية يعمل على تنظيم كمية النواقل العصبية عن طريق تشغيل نظام
لاعادة التدوير.
من ناحية اخرى
اكتشفت مجموعة “أوجست سميث” من جامعة أمستردام ان الخلايا الدبقية
قادرة على تصنيع مصائد من النواقل العصبية الأمر الذي يؤدي الى
تضاؤل عملية نقل نقاط التشابك العصبي للاشارة العصبية، كما تبين
للمجموعة العلمية كذلك ان الخلايا النجمية قادرة على تنظيم كمية
المستقبلات الموجودة عند سطح الخلايا العصبية بارسالها اليها رسالة
على شكل مادة كيميائية سمى “السيتوكين”.
ومن الامور التي
أدهشت الباحث روبرت مالينكا من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، ان
التبادلات الكيميائية على مستوى نقاط التشابك العصبي لا تحدث تحت
تأثير الخلايا النجمية فحسب، بل ان هذه الخلايا قادرة ايضاً على
نقل المعلومات من نقطة تشابك عصبية الى اخرى باستخدام شبكاتها
الخاصة بها.
ويقول أندريا
فلوتيرا من جامعة لوزان وأحد اشهر الباحثين في علم الخلايا
الدبقية، بأنه اذا كان العلماء قد استمروا حتى فترة طويلة وهم
يتجاهلون دور الخلايا النجمية في نقل المعلومات، فإنما يعود ذلك
الى عدم تمكنهم من الاستماع جيداً الى رسائلها.
ومنذ ان تمكن
خبير طب الامراض النفسية والعصبية الألماني هانز بيرجيه من اختراع
جهاز التصوير الكهربائي للدماغ في عشرينات القرن الماضي، بدأ
العلماء يهتمون بالنشاط الكهربائي للدماغ من خلال مرور التيار
الكهربي على طول الألياف العصبية.
ورأى هؤلاء بزنه
اذا كانت الخلايا النجمية تنقل التيار، فهي تؤدي هذه الوظيفة
برطيقة مشابهة للخلايا العصبية لكنهم عندما دققوا بهذا الأمر،
وجدوا ان التدفقات الكهربية كانت تنبثق من الخلايا العصبية وليس من
أية خلايا اخرى، وأن النشاط الصادر عن الخلايا النجمية لم يكن
كهرباذياً وانما كيميائياً. وفي تلك الآونة اعتبر العلماء ان
الخلايا النجمية ليست سوى خلايا خرساء.
ومع بداية
تسعينات القرن العشرين، تمكن الباحثون من التقاط الاشارات الأولى
الدالة على وجود علاقة تبادل بين الخلايا العصبية وتلك النجمية
اضافة الى وجود تواصل بين الخلايا النجمية نفسها.
وقد لجأ
الباحثون الى استخدام مجسات استشعاعية (فلورسنت) لمتابعة تنقل أو
تحرك الجزيئات داخل الخلايا، وهذه المجسات عبارة عن أيونات
الكالسيوم.
ولاحظ الباحثون
ان زيادة تركيز هذه الأيونات بين خلية نجمية واخرى يشير الى انه من
الممكن ان تكون الخلايا النجمية بمثابة الركائز او الوسائط التي
تنقل المعلومات داخل الدماغ، وهو ما يؤدي الى احداث شرخ كبير في
النظرية القديمة المحصورة في دور الخلايا العصبية في نقل
المعلومات.
ويتحدث اخصائيو
الخلايا الدبقية عما يمكن تسميته الموجة الكلسية لايجاد تفسير
منطقي لهذه الزيادة الغامضة في أيونات الكالسيوم.
ويشير الباحث
كريستيان جيبوم الى ان غالبية الدراسات قد أظهرت، بأن سرعة انتشار
الموجات الكلسية تتراوح يبن 15 - 30 ميكرومتر في الثانية، الأمر
الذي يجعلها تمثل نموذجاً لبث الاشارات، الا انها بطيئة جداً
مقارنة مع سرعة انتشار السيال العصبي الذي تصل سرعته الى متر
واحد في الثانية.
من جهته،
لاحظ الباحث فيليب هايدون من جامعة بنسلفانيا، ان ثمة علاقة بين
الموجات الكلسية وبين تغير نشاط الخلايا العصبية، ورأى هايدون ان
الموجة الكلسية تؤدي الى دفع الخلايا النجمية كي تحرر الفلوتامات
عند نقاط التشابك العصبي، علماً بأن هذه المادة معروفة بأنها من
النواقل العصبية التي تطلق العنان في حالة افرازها، لتفاعلات تساهم
في اثارة الخلايا العصبية.
ويعتقد الباحث
أندريه فولتيرا انه من المحتمل ان يكون ثمة نوع ثانوي من الخلايا
النجمية تتميز بقدرتها على التغيير او التبدل وفقاً لمناطق الدماغ
المعنية أي انها تتصرف كما لو كانت خلايا عصبية “دوبامينية الفعل”
متخصصة في معالجة الدوبامين. ولكن حتى الآن لم يزل العلماء يجهلون
تماماً الميكانيكية العصبية التي تنطلق بعد تحرير الخلية النجمية
للرسالة الكيميائية.
آفاق جديدة
الواقع
ان كافة المشاهدات التي عاينها الباحثون، تمت في المختبر على
مستزرعات لخلايا او مقاطع مأخوذة من الدماغ لكن يجب ان يتم التأكد
منها داخل جسم الكائن الحي على حد قول جيل بونفنتو من مركز التصوير
الكهربي للدماغ في معهد مدام كوري في أورساي. ويعتقد بونفنتو بأنه
لابد من اختراع وسائل بحث وتقصي متطورة لاسيما فيما يتعلق بالتصوير
الكهربي للدماغ.
وطبقاً للابحاث
التي اجراها الباحث بونفنتو وفريق علمي ايطالي بقيادة جيورجوكا
رمينتو، فإن الخلايا النجمية ليست مجرد قنوات وظيفتها نقل العناصر
الضرورية الى الدماغ عن طريق الدم، بل هي سطوح فاصلة نشطة حقيقية
قادرة احياناً على تغيير نفسها وتغير مكية الطاقة الواردة الى
الدماغ.
ويؤكد الباحث
الفرنسي بونفنتو ان الدور النشط للخلايا النجمية هو السبب وراء
التغير الحادث في نسبة تدفق الدم في الشرايين الدماغية وفي نسبة
تركيز الجلوكوز، ولذا فإن التصوير الدماغي يمكن أن يرشدنا ليس فقط
الى نشاط الخلايا العصبية، بل الى معرفة نشاط الخلايا النجمية
كذلك.
ويرى بونفنتو ان
نتائج الدراسة تظهر ان ثمة طريق موازٍ للاتصالات يلعب دوراً مهماً
في بعض المسائل المتعلقة بالدماغ كالذاكرة او التدرب.
ويشير جون
لورنسو من مختبر العلوم العصبية والعلوم الادراكية في باريس الى ان
العلماء يعرفون ان ثمة اشكال لعملية التذكر التي تتفاوت في سرعتها
ويضيف الباحث، لماذا لا نتخيل وجود دعامة مختلفة للخلايا العصبية
او على الاقل مكمل يسا في معالجة بعض المعلومات؟!
ومن هذا
المنطلق، لابد لنا من الاهتمام بالخلايا النجمية لدورها الكبير في
ايجاد التناغم او السرعة التزامنية بين شبكات الخلايا العصبية
المتباعدة، فعلى سبيل المثال من الممكن ان نتخيل ان المناطق
الدماغية المختلفة المجندة لتحليل الاشارة المرئية (البصرية)
المعقدة، تكون قد أعلمت بأوضاعها المتتالية عن طريق الخلايا
النجمية، ولكن حتى الآن ليست هذه الفرضية الا مجرد فكرة ولابد من
تأكيد ها او دحضها.
وأخيراً، يبدو
من خلال الابحاث والدراسات ان عملية المقارنة بين الانواع الحية
تبقى مشوشة او غير واضحة، فالمعروف انه كلما كان دماغ الحيوان
متطوراً، كلما كانت نسبة الخلايا النجمية كبيرة مقارنة مع الخلايا
العصبية، فعلى سبيل المثال نلاحظ ان معدل الخلايا النجمية عند
العلقة (مصاصة الدماء) أقل بثلاث مرات مما هو عند الضفدعة كما ان
كمية الخلايا النجمية عند الضفادع أقل بمرتين مما هو عند الجرذان.
وفيما يتعلق
بالانسان، فنجد ان معدل الخلايا النجمية لديه أكبر من الجرذان ب1،4
مرة. ولكن ماذا لو كانت نسبة ارتفاع الخلايا الدبقية عند الانسان
تدل على نسبة ذكاء مرتفعة؟ وهل يعقل ان يكون الأمر كذلك. الواقع ان
ذلك من المستحيلات، وعند بحث ما كان يرده اينشتاين دوماً فإننا نصل
الى انه اذا كان دماغ أينشتاين قوياً الى حد العبقرية فربما ذلك
يعني انه كان غنياً بالخلايا النجمية.