مدينة صور اللبنانية
ورشة تراثية وسياحية
تمهيداً لإدراجها على لائحة التراث العالمي
عن : دار الخليج
شهدت مدينة صور في الجنوب اللبناني في الأشهر الماضية ورشة عمل لإعادة احياء
التراث المعماري العربي الاسلامي والبيزنطي في واجهات المباني القديمة، وهي
مقدمة لمشروع أوسع وأشمل تزمع بلدية المدينة اطلاقه في شهر فبراير/شباط المقبل.
ويهدف الى ترميم محيط المرفأ الفينيقي وعدد من الساحات من ضمن مشروع “اعادة
احياء المدن الأثرية”.يهدف المشروع الى اعادة الطابع التراثي للمدينة واستعادة
دورها التاريخي في خطوة لإدراجها على لائحة التراث العالمي. ويجري بالتعاون مع
مجلس الانماء والاعمار وبتمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية.
بدأ العمل في الورشة التراثية انطلاقاً من الساحات المطلة على الميناء حيث تم
ابراز جمالية الحجر المجدّد في واجهات 22 عقاراً لتعود كما كانت في الماضي تحفاً
فنية. تم الانتقال بعدها الى أسواق صور القديمة التي استعادت حلتها التراثية
ببناء واجهاتها بالحجارة الرملية، وأرصفتها بمواد بحرية، لتحط الورشة رحالها في
عمق الحارات القديمة وبيوتها البيضاء المسترخية على شاطئ البحر المتوسط.
ويتسع المشهد خلف هذه الحارات، عندما يطل على الشاطئ الرملي الجنوبي بكامله،
طارحاً أسئلة كثيرة عن امكانيات سياحية كامنة. فيما الوضع الاقتصادي للمدينة
يعيش حالة جمود مؤلمة، وتحاول البلدية انعاشه وتحريك عجلته بسلسلة نشاطات وورش
أطلقتها. بعضها انتهى العمل فيه كأعمال البنى التحتية، وبعضها الآخر يشق طريقه
كأعمال الترميم والتجديد.
خطوة مهمة لدخول الخريطة السياحية
يوضح رئيس لجنة الاعلام والتوجيه في بلدية صور الدكتور غسان فران أهمية هذه
الورشة بالاشارة الى ان الأبنية التراثية تجمع في هندستها المعمارية ما بين فن
العمارة الاسلامية والبيزنطية. وهذا التراث موجود في معظم أبنية الحارات
القديمة التي بُنيت على أرض أثرية بدليل ان كل الحفريات التي جرت كشفت وجود
كهوف ومغاور ودهاليز وممرات، ويقول ان ورشة ترميم الواجهات جاءت استكمالاً لما
بدأته البلدية من تأهيل الأسواق الداخلية وإنجاز البنية التحتية وبناء الأرصفة
ببلاط تراثي من مكونات بحرية تناسب أرضية الأسواق التي هي مزيج من رمل وأصداف
صغيرة.
ويشير الدكتور فران الى أن أعمال الترميم في المرفأ بدأت قبل فترة طويلة، وأنجز
ترميم الحجر الرملي الخارجي لمعظم الأبنية التراثية المطلة عليه، كما انجزت
البلدية دراسة لاستكمال العمل في الأبنية المشادة حديثاً بعد ازالة المخالفات.
على أن يتم أيضاً ترميم الساحة وإعطائها الطابع التراثي باعتبار أن المرفأ هو
الميناء الأساسي لمدينة صور القديمة.
أما الواجهة الأمامية للميناء القديم فقد أنجز جزء منها، والجزء الآخر المطل
على البحر من الجهة الغربية، يجري حالياً اعداد دراسات له بالاشتراك مع مجلس
الانماء والاعمار، على أن يبدأ التنفيذ خلال شهر فبراير/شباط القادم بتمويل من
الوكالة الفرنسية للتنمية ضمن مشروع اعادة احياء الأثرية.
وما يخص مدينته صور من مشروع المدن الأثرية يتعلق بالحارات القديمة. حيث ان
المرحلة الأولى منه ستتناول القسم الغربي المعروف بالواجهات الشرقية. وسيتم
اعادة تأهيل هذه الواجهات وترميمها تراثياً، وتنظيم الساحات بما فيها ساحة
الميناء القديم، اضافة الى ربط آثار المدينة عبر استحداث مدخل جديد للآثار.
ويلفت الدكتور فران الى أن مدينة صور، ومن خلال وتيرة العمل القائم، بحاجة الى
سنوات عدة لتوضع على خريطة لبنان كمدينة سياحية. وان المدينة بحاجة الى هذه
السنوات لتنهي مشاريعها وتحضّر نفسها لسياحة حقيقية متكاملة من خلال تأمين
البنية الأساسية للسياحة من خدمات ومكاتب ومؤسسات وفنادق، اضافة الى توفير
الدعاية اللازمة.
سياحة ثقافية
رئيس بلدية صور عبد الحسن الحسيني يشير الى ان مشروع ترميم الأبنية التراثية في
الحارات القديمة يندرج تحت اطار السياحة الثقافية. ذلك ان مدينة صور يزيد عمرها
على 7 آلاف سنة. وهي أول مدينة تقوم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ومنها
انطلق الحرف الى العالم. وأن ورشة الترميم تشكل الخطوة الأولى على تجميل
المدينة واظهار وجهها الحضاري، والذي يشتمل على رد الاعتبار للمرافئ والآثار.
ويوضح الحسيني ان مدينة صور تضم مرفأين تاريخيين: المرفأ المصري لجهة الجنوب،
هو اليوم انقاض، والمرفأ الفينيقي. وأن البلدية تعمل على حماية واحياء الآثار
في هذين المرفأين، وقد كلّفت السنة الماضية فريقاً من الغطاسين بإجراء جردة
للآثار الموجودة في قعر البحر في محيط المرفأ المصري، وقد حدد هذا الفريق مواقع
الآثار وأنواعها على خرائط. لافتاً الى ضرورة تحرك وزارتي الثقافة والسياحة
للمساهمة في حماية هذه الآثار. وإلى أهمية الاسراع في تشكيل اللجنة التي سبق
الاتفاق على تشكيلها منذ سنة ،1998 للعمل مع منظمة الأونيسكو بهدف تفعيل
المواقع الأثرية وإحيائها.
وفي معرض الحديث عن مشاريع مدينة صور وإمكان عقد مؤتمر المدن المتوسطية فيها
على غرار ما يحصل في مدينتي صيدا وجبيل التي تتحضر لهذا المؤتمر، يقول
“الحسيني” ان مدينة صور يهمها عقد مثل هذا المؤتمرات، وأن البلدية ستشارك في كل
مؤتمر يُعقد ويخدم المدينة. وستشارك في مؤتمر جبيل لأنه مقدمة لمؤتمر سيعقد في
مدينة ليون الفرنسية تحت عنوان “المدن المتحدة والمدن الاثرية”.
دمج المواقع الأثرية بحياة الناس
من جهته يرى نائب رئيس بلدية صور محمد حلاوي ان كل المقومات التاريخية
والتراثية والطبيعية متوفرة في مدينة صور وأن السياسة العامة للمجلس البلدي
تتركز، في جانب مهم منها، على الموضوع السياحي، وفي سياق هذا التوجه أخذت
البلدية على عاتقها التركيز على انماء هذا الجزء من المدينة المعروف بالحارات
القديمة، لأنه يشكل قدرة اقتصادية مهمة للمدينة مستقبلاً.
ويلفت حلاوي الى أن هناك مشروعاً آخر سيموله البنك الدولي، وسيُنفذ في المدينة
القديمة بعدما ينتهي مجلس الانماء والاعمار من اعداد الدراسات التنفيذية لتأهيل
بعض المواقع والطرقات داخل المدينة القديمة، وبخاصة تلك التي تؤدي الى المواقع
الأثرية، وتدمج هذه المواقع بالحياة العادية كي لا تبقى معزولة، اضافة الى
تجميل الواجهة البحرية وتأهيل بعض المباني التراثية وتجهيزها بمكتبات عامة
ومتاحف.
ويوضح حلاوي ان مشروع ترميم المباني التراثية على النحو الذي تشهده حالياً، هو
نتيجة مباراة بين طلاب الهندسة المعمارية في الجامعة اللبنانية. وما يُنفذ
اليوم من ترميم الواجهات هو عبارة عن مشروع تخرّج لأحد المهندسين، وقد حاز
جائزة البلدية لأن تصميم واجهات المباني جاء مطابقاً للطابع الأساسي لهذه
المباني بحيث تعود كما كانت عليه في الماضي.
ويشير حلاوي الى الدور الذي تؤديه مهرجانات صور السياحية في المواقع الأثرية
لخدمة المدينة سياحياً، ويعتبره دعماً للمواقع ذاتها. ذلك ان اقامة المهرجانات
في موقع صور الأثري تعطي طابعاً حسناً للمهرجانات، وفي نفس الوقت تعطي مردوداً
لهذه المواقع. وهنا يأتي دور وزارتي الثقافة والسياحة لتعزيز النشاطات المماثلة
في المواقع الأثرية للابقاء على التدفق المتنوع للناس، وبحيث لا يبقى حكراً على
المتخصصين فقط.