دخان على
الطريق
خالد نايف
صافي - فلسطين
من موقع : إسلام على الشبكة
http://www.islamonline.net
انطلق مسرعاً بين أزقة المخيم
لا يلوي إلا على المغادرة، وبأقصى سرعة، فالوضع مشتعل هذه الأيام، والأجواء
متوترة بشكل كبير، وكل هذا لا يعنيه في شيء، إنه ذاهب إلى بيته الآن، لينعم
ببعض الراحة، وليذهب أي شيء آخر إلى الجحيم، لقد أنهى عمله الإداري مبكراً
اليوم على غير المعتاد، فأخذ يسرع الخطى، وهو يمني نفسه بوجبة ساخنة وجلسة
هادئة مع عائلته الصغيرة.. التي قلما يجتمع بها، فأوقات عمله المتشابكة
تنهش وقته نهشاً، فلا تعطيه فرصة يتنفس فيها الصعداء، ويجمع فلذات كبده
لتعانق نياط قلبه الملهوف عليها بقوة.
كم شعر بالسخط على هذا العمل
الذي يحول بينه وبين انطلاق شلال مشاعره، كم شعر بالحنق تجاه تجاهل
المسئولين لطلبه بتقليل عدد ساعات عمله، إلا أنه في كل مرة لا يملك غير
السخط والحنق، فعمله هذا هو الذي يحفظ له الكرامة بين الناس، فرغم أنه
يتقاضى راتباً محترماً إلا أنه لا يكاد يكفي لمتطلبات البيت واحتياجاته، لا
يكاد يكفي فاتورة المياه والهاتف والكهرباء ومصروف أولاده المدرسي والمواد
التموينية والسلع المنزلية، فكان كمن يغرف من بحر ليصب في محيط، فلا يناله
سوى التعب.. والبقاء على قيد الحياة.
حاول جاهداً إقناع من حوله
بأنه راضٍ وسعيد، وقد نجح إلى حد بعيد، ولكن هيهات أن يخدع نفسه، فها هو
يتحرق شوقاً لرؤية ابنه الوحيد وبناته الخمس، ويذوب في لحظات قلائل يجمعنه
وأهله فيبثهم جرعات من حنانه.. وحبه.. وعطفه.. يضمهم تحت جناحيه كنسر أشم
فيمنحهم الأمان والطمأنينة التي حرم منها صغيراً..
كم شعر أنه محروم من ممارسة
عاطفة الأبوة، وما أصعبه من شعور..
كم مرة صرخ قلبه ألماً حين
يرجع فيجد أبناءه في سبات عميق بعدما يئسوا قدومه..
كل هذه الأفكار دارت بتلافيف
ذهنه وهو يهرول مسرعاً إلى بيته، لم يوقظه منها إلا رائحة الغاز.. غاز مسيل
الدموع الذي يطلقه جنود الاحتلال بغزارة على أبناء شعبه المتظاهرين في هذه
الأثناء، بالإضافة إلا الرصاص والمطاط المتفجر..
نعم.. إنه يعرفه جيداً.. وقد
ميز رائحته منذ الوهلة الأولى بالرغم من قلة الكمية التي استنشقها.. إنه
يألفه منذ شبابه أيام الانتفاضة المباركة في أواخر الثمانينيات..
أعادته هذه الرائحة مرة أخرى
لذكرياته.. لذكريات الشباب
حين استشهد أخوه أمام ناظريه
في إحدى المظاهرات، وكاد الغاز يخنقه حين حاول إسعافه..
وقتها خاف على نفسه.. إنه
يريد أن يعيش. يتمتع بالدنيا.. إنه ما زال شاباً صغيراً.. وطموحاً أيضاً..
لديه الكثير ليتعلمه وينجزه.. لا يريد أن يموت الآن.. وحتى إن كان الموت
حتماً عليه الآن.. فليس بهذه الطريقة.. لن يموت خنقاً كجرذ المجاري.. هكذا
حدثته نفسه فرادوها بالعدول عن هذا الجبن والمسارعة بإسعاف أخيه، وإنقاذ ما
يمكن إنقاذه..
إلا أنها ردعته وبقوة هذه
المرة.. إن أخاه هو من ألقى بنفسه إلى التهلكة، فليتحمل نتيجة خطئه، فإن لم
يكن على قدر المخاطرة فلِم يجازف؟ أيرتمي في أحضان الردى ثم يستنجد بآخرين
سالمين مسالمين؟..
اهرب.. وبأقصى سرعة.. على
الأقل يعود أحدكما إلى والديه سالماً..
أعادته رائحة الغاز القوية
إلى الواقع من جديد، فنفض رأسه بقوة كمن يستفيق من نوم عميق، وأخذ يحدق
فيما حوله ومن حوله، فشعر أن الكل يشد الخطى مسرعاً، وشعر بالرائحة تتصاعد
في منخريه..
لاحظ طفل يتبعه ويسرع من
خطواته الصغيرة ليواكب خطوته الواسعة، وكأنه يحتمي به، وهو يحمل بين يديه
الصغيرتين طبق فول ويتدلى منهما كيس بلاستيكي به لفافة ورقية، فارتبك
الصغير عندما نظر إليه شذراً، فأجابه عن سؤال دار بخلده، وعبرت عنه تقاطيع
وجهه، ولم يلفظه لسانه بكلمة واحدة هي أبلغ ما سمعه في حياته، كلمة لخصت
الموقف الذي اضطر الصغير لأن يحتمي برفقة رجل كبير لا تجمع بينهما صلة
قرابة، أجاب بسؤال يعرف إجابته ويخشى أن يصرح بها قائلاً:
- "غـاز؟!"
انتابت الرجل رجفة شديدة وهو
ينظر لعيني الصغير الخائفتين، ووجهه الكلثومي المستدير الذي يعطيك شعوراً
بالبراءة والطهارة، وجسده الضئيل الذي يغريك بأن تضمه إلى صدرك بقوة لتحميه
حتى من غبار الطريق.. كيف تشوّه أفكار هذه الطفولة السمحة وتعربد محلها
معالم الخوف والقلق والاضطراب؟ أي أخلاق تلك التي تسمح لنفسها بأن تسلب من
إنسان أحلى فترات عمره ليقضيها ضائعاً تائهاً حائراً؟، إلا أنه حمّل الصغير
الخطأ كله، كمن يلوم دجاجة وقعت في يد بائعها ليذبحها، لِمَ لم تفر من وجهه
كمثيلاتها حين مد ذراعيه في قفصهن..
موجة غضب عارمة اجتاحته من
قمة رأسه حتى أخمص قدميه وهو يحدق في الطفل الذي ارتعدت فرائصه لمرأى الحمم
المتدفقة من عينيه، أردفها بسؤاله مستنكراً:
- " ما الذي يفعله طفل صغير
مثلك في الشارع حتى هذه الأثناء؟! اذهب إلى بيتك.. هيا"
كان سؤال الطفل بمثابة طلب
غير مباشر بأن يظل بحمايته حتى تفترق بهما الطريق، ويذهب كلٌ حيث بغيته،
إلا أن إجابته جاءت صارمة مانعة، جفل الطفل إزاءها وأجمح عن فكرته وفر
هارباً يتفيأ ظلال رفيق آخر أكثر رحمة وألين جانباً.
شعر الرجل بندم لمرأى ذعر
الطفل متجسداً في هرولته مبتعداً، وشعر بخفقات قلبه المتدافعة تدق في أذنيه
بقوة، لم يفارقه إلا عندما ازدادت حدة الغاز، فقد تدفق المتظاهرون من كل
صوب في هذه الساعة المتأخرة من النهار، وفتح الجحيم بعدها أبوابه، وتعالت
أصوات طلقات الرصاص وقنابل الغاز بغزارة، أخذ يلهث وهو يهرول مسرعاً ضد
التيار.. أخذ يستنشق أكثر فأكثر.. والغاز يصيب عينيه بدموع غزيرة..
فتجربة واحدة مع هذا الغاز
تكفي لأن تذكرها دائماً.. فأول رشفة تستنشقها تشعر بلذة عجيبة وتطلب شعيرات
أنفك المزيد منه، وكأنها مدمن يلهث وراء جرعة من نشوق مخدر، رائحتها تشبه
إلى حد كبير احتراق ورق الكرتون، إلا أنها أقرب لدخان السجائر، تشعر بعدها
باختناق في حلقك يرغمك على السعال بقوة، فتتنفس من فمك بنهم شديد طلباً
للمزيد من الهواء النظيف، إلا أن الغاز لك بالمرصاد، فيسيل اللعاب جراراً
من فمك، وهو لعاب من نوع ممل لا ينقطع إلا بأن تسحبه بأصابعك وتبعده عنك
بقرف واشمئزاز، وأصعب ما في الأمر يأتي بعد هذا كله، تشعر وكأن آلاف الإبر
تنغرس في مسمات وجهك كلها بلا استثناء، وتزداد وطأتها عندما ينزل العرق من
وجهك غزيراً، كالأطفال تحاول عبثاً مسح وجهك بكمك أو بذراعيك، ولكنها لا
تغني ولا تسمن من جوع إذ تتكفل عينيك بالمزيد من الدموع التي تجعل حولها
هالات من النار تحرق باقي وجهك، فيصيبك شعور بالعصبية من كل شيء حتى من
نفسك، لا يبقيك على قيد الحياة بعدها إلا استنشاق كميات مهولة من البصل..
تذكر في هذه الأثناء ذلك
الطفل الصغير، إنه لم يصبر وهو الرجل البالغ على التحمل فكيف يتحمل برعم
صغير هذا السلاح الرهيب الذي سيظل وصمة عار أبد الدهر على جبين كلٍ من
مخترعه ومستخدمه..
حاول أن يهوّن على نفسه وينسى
الأمر برمته، ويلوم الصغير ثانية فهو من وضع نفسه في هذا المأزق؛ لذا عليه
أن يتحمل نتيجة خطئه، وأطلق ساقيه للريح وأخذ يجري بكل ما أوتي من قوة حتى
اتجه إلى شارع جانبي فأحس بتغير اتجاه الهواء فأخذ يستنشقه بقوة.. ليعوض
رئتيه عن ذلك الغاز الخانق، ثم واصل سيره ثانية..
ساوره شك غريب أثناء سيره،
فهو يحس سكون غير مألوف في الحي الذي يقطنه.. حاول أن يقنع نفسه بأن كل
الشباب قد انتفضوا وانطلقوا إلى المظاهرات.. إلا أنه شعر بوجود شيء آخر جعل
الكل يمشي بهدوء ووقار..
إن هذه الحالة تنتاب الناس
فقط يوم أن يزورهم ملك الموت، فيعيد روحاً إلى بارئها، فيستكين الآخرون
كتلاميذ شاهدوا عقاب أحدهم أمام أعينهم.
أيقن صدق حدسه عندما ولج
الشارع الذي يسكنه، فقد كان الشارع يعج بجماهير غفيرة صامتة، وحشود بأعداد
كبيرة لفها الوقار بعباءته، وقد تركزت هذه الجموع هناك.. أمام بيته.. بيته
هو بالذات..
بادرته زوجته بوجه غرق في
الدموع والألم، وأخذ منه النحيب والأنين مأخذه:
- "لقد قتلوه.. قتلوا ضناي
الوحيد.. ضناي الوحيد يا أبو أسامه.. قتلوه ولم يرحموا طفولته، خنقوا
بالغاز.. ابني لم يجد من ينقذه من بين أيد الموت يا أبو أسامه".
لقد وضع نفسه في هذا الموقف،
ولم يجد من يمد له يد العون..
ولولا أن أمر قد الله نفذ
لكان هناك أمل في إسعافه..
أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه..
من براثنه..
من براثن الغاز..