المنوعات

الأبواب الرئيسية  
 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات






 






 


 

 

 

 

 

 

الإسكافي المثقف
لا يخجل من مهنته ويقضي وقت فراغه في القراءة
 عن مجموعة السوق العربية المشتركة

كان يجلس في صدر دكانه منحنياً فوق طاولة تحمل أشكالاً من المسامير والأشياء التي لا أعرف أسماءها، لكن قلبه يعرفها جيداً، كان يعبث بقطعة جلد او هكذا تصورته، عندما دخلت عليه، رفع ناظريه ليرد على تحيتي بابتسامة لطيفة، وراقتني ألفة في عينيه وسماحة في تقاطيع وجهه، سألته إن كان يصلح حذاء أحمله في كيس، فرد بايماءة من رأسه وكلمات رقيقة، نعم يا أختي هذا عملي.
لا أدري لماذا ارتبكت حينما ناولته ما أحمل، فقد حانت مني التفاتة وأنا أنظر نحو رفوف تقع على يمينه وتحمل بعض الكتب الموضوعة بترتيب وعناية وعندما دققت في أسماء الكتب تلك وجدت بينها “الموسوعة العربية وابن منظور والمتنبي وابن عربي” وكتباً أخرى لم أكمل قراءة أسمائها.
كان ارتباكي ناجماً عن شعور انتابني بأنني لست أمام اسكافي بسيط وإنما أنا في حضرة مثقف واسع المعرفة وأخاله يفوقني في أشياء كثيرة، وببساطة مهذبة تناول مني ما أعطيته وهو يقول: مري غداً انشاء الله فتجدينه جاهزاً، فشكرته وخرجت متجهة الى عملي.
في اليوم التالي قررت ان أجاذبه الحديث لأرى كيف بقي هذا الاسكافي في زمننا.
دخلت دكانه محيية وبادرته لمن هذه الكتب؟
فضحك عالياً وقال: لا تتفق هذه المهنة معها أليس كذلك؟
احترت بم أجيب فسارع لإنقاذي من خجلي مستطرداً: يا ابنتي ما ترينه هو عملي الذي اعتاش منه فعندما انتهي من كسب رزق يومي او عندما لا يكون لدي ما أصنعه او أشتغل فيه فهذه الكتب ولدي الكثير منها هنا وفي بيتي أنهل منها قارئاً ومتعرفاً ففيها كل ما جعل لحياتنا قيمة. من هذه الكتب تعلمت ان أتقن عملي وأخدم زبائني ولا أخجل من ممارسة مهنتي رغم ما يبديه البعض من استخفاف وأحياناً من تقزز، هؤلاء الناس يجب ان يتعلموا تاريخ المهن وقيمة الانسان، فمهنة الاسكافي وجدت منذ وجد الانسان على هذه البسيطة واستنار عقله ففكر أولاً بطعامه ثم التفت الى راحته فوجدها في ملبسه وحماية جسده، وفي هذا الأمر يستوي الرجل والمرأة فكلاهما يسعى الى راحته، وتابع حديثه وهو يرسم علامات الارتقاء بيديه تطور هذه المهنة حتى أصبح لها دور ومصانع وعارضون وواجهات كبيرة مترفة، ومع ذلك بقينا نحن الاسكافيون لزوماً للمجتمع وضرورة له، لذلك أنا أقول ان زماننا لم ينته.
أعجبت بثقافته فعمدت للاستزادة وسألته: معنى ذلك ان لمهنتك تاريخاً ووقفات؟
ابتسم الاسكافي وأطرق قليلاً ثم نظر في وجهي وأجابني بصوت هادئ: هل تعلمين ان الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي كان اسكافياً يعتاش من مهنته في النهار ويتفرغ لعلومه وكتاباته آناء الليل ثم هل تعلمين ان النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم كان يرقع حذاءه بيديه الشريفتين وحذا حذوه كثير من الصحابة والتابعين وأخيراً وليس بآخر يجب ان تعلمي ان الرجل الذي حكم الاتحاد السوفييتي فترة طويلة وهو ستالين كان اسكافياً.
وهذه يا ابنتي أمثلة على ان المهن جميعها يجب ان تتساوى ولكن نحن اليوم نعيش في زمن قضت على الكثير من ألقه وقيمه مظاهر الترف والنفاق فالقيمة في صدق الانسان مع نفسه ومع الناس ولا تنسي الحديث الشريف الذي يقول “إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه” وأنا أتقن عملي والحمد لله وأحسن التعامل مع الناس، وأضيف أنا والحمد لله لدي أبناء مهندسون في علوم الكمبيوتر والكهرباء وأحدهم خريج كلية التجارة ومع ذلك فهم يجدون في أبيهم مثلهم الأعلى.
أنهى جملته الأخيرة وناولني الكيس الذي أعطيته إياه البارحة وهو يقول: مع السلامة يا ابنتي وحاولي ان تنقلي عني ما سمعتيه وحاولي ان تسهمي في ترسيخ القيم الصحيحة الصادقة من خلال أوراقك وكتاباتك.
خرجت من دكان أبومحمد الاسكافي مبهورة من هدوئه وثقته بنفسه واعتداده بعمله والتزامه بقيم تكاد المظاهر الفارغة كما قال ان تمحوها وتذكرت انني لم أودعه فعدت لأقول له شكراً.
كانت هذه “الشكراً” تحمل كل ما فكرت فيه ولكنه لم يجبني سوى بانحناءة من رأسه وابتسامة لطيفة.

تعقيب على موضوع الإسكافي المثقف / التحرير

ليس هو الأول و لا هو الآخير فقد صادفت ، إسكافيا سوريا شاعرا أذكر أنه كان يدعى ، أبو تيسير ، و قد ألقى من شعره مرارا في الإذاعة و التلفزة السورية ، كما صادفت بائع زهور ( زهوراتي ) ، كان يدرس في أوقات فراغه حتى حصل على الشهادة الثانوية  ثم التحق بالجامعة السورية كمنتسب ، و لكن عاجلته الوفاة قبل أن يكمل مسيرته العلمية ، فكثيرون هم الأذكياء الذين تضطرهم ظروفهم المادية للعمل بالمهن الصغيرة ، فالذكاء لا  يهتم بالطبقية أو بالمستوى الإقتصادي.