مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سيرك ومدينة
قصة بقلم : برهان المفتي
عن موقع : الشرق الأوسط على الشبكة

http://www.middle-east-online.com/

 

بمرور الزمن صار الناس جميعا في تلك المدينة لهم صلة بالفرقة.. فأما أن يكونوا أعضاء أو حيوانات ولا خيار ثالث.

في مكان من الذاكرة .. هناك مشهد لسيرك صاخب.. مهرجون.. كلاب مدربة.. ثم يدخل دب عجوز لا أدري أيلهث أم يضحك ويركض حول ملعب السيرك.. ثم يبول على المتفرجين.

أسترجع هذا المشهد كلما شاهدت- من بعيد- تلك البناية التي انشئت في مكان ملعب السيرك. وكنت قريبا منها في صدفة من الزمن وصدمة مني.. فلعنت براءة الطفولة حين رأيت شخصا يمشي كذلك الدب العجوز – في ذلك المشهد القصي – حاملا كرشه الذي أثقله.. ثم يدخل تلك البناية ومن ورائه أفراد ينبحون.. ينبحون بنبرات عالية ومنفرة.. لقد كان ذلك هو الدب العجوز بعينه، وما ذاك المشهد الطفولي الا مغلفا بسذاجتي.. فلم يكن هناك دب الا هذا الشخص.

انتشرت اعلانات وملصقات في كل مكان من المدينة مبشرة بان هذه البناية هي الملاذ.. وفي الملصقات عينها، دعوة الى الناس للحضور الى البناية منتصف كل اسبوع حتى صارت تلك الدعوة أمرا ملزما.. وصار اسم البناية "الفرقة" استذكارا لفرقة السيرك تلك.. أما اولئك الذين يحضرون البناية – الفرقة – فيسمون بالأعضاء.. لانهم اعضاء في الفرقة.

ثم استملكت الفرقة محطة التلفزيون والاذاعة.. وصارت لها جرائد تُسبح بأسمها، ومطابع سرقت من أصحابها بخفة اهل السيرك، فأخذت الفرقة تطبع طقوسها وممارساتها في سلسلة كتب سميت "في سبيل السعادة" ويظهر علينا كل مساء مهرج بشع الماكياج وهو يتلو صحائف من تلك السلسلة.. ومن ليس لديه تلفزيون فالنشرة نفسها في الاذاعة.. وفي جرائد يوم غد كلها.. بل ربما تفتح نافذة في الصباح فتنسمع بلبلا حزينا وقد دربوه بكل مهارة السيرك فحولوه الى ببغاء يردد تلك الصحائف دون توقف!

وصارت تلك المدينة مدينة سيرك بكل ما في السيرك من حزن وكذب وضحك من الناس.

لكن شيئا عجيبا فعلته تلك الفرقة، ذلك انها عكست احدى الركائز المعروفة عن السيرك.. وقامت بتلقين الناس ممارسات الحيوانات.. بل اجبارهم عليها.. فترى كلابا بشرية.. وقرودا .. ببغاوات.. وكل ما في السيرك.. حتى انها نجحت في ان تجعل شخصا واحدا – احيانا – يحمل تلك الصفات جميعها.

وكان ايضا من عادة الفرقة أن توزع على اعضائها نهاية كل شهر مساحيق مهرجين يستخدموها كلما زاد الحزن في المدينة.. وكان ذلك التوقيت جيدا.. فالناس غير الاعضاء يملون ممارسات الفرقة.. ولا بد من مهرج يضحكون منه.. وفي الحقيقة كان يضحك منهم.

وبمرور الزمن صار الناس جميعا- في تلك المدينة – لهم صلة بالفرقة.. فأما أن يكونوا أعضاء أو حيوانات ولا خيار ثالث.. وقام الدب العجوز بتوزيع المهام في الغرفة الى مجموعات تربطها به دببة صغار لا يعصون له أمرا ويفعلون ما يؤمرون.

وكان الصيف في تلك المدينة جهنمي.. وهو دب بكل ما أوتي من صفات الدب.. فقد شاط الدم في رأسه.. وشطط هو وزاغ كثيرا.. حين طل على الناس – اعضاء وحيوانات – معلنا أنه هو الواحد الشامل.. حتى المهرج. فكان يظهر للناس في المدينة في مناسبات مصطنعة وكلاب يحيطون به وهو يقوم بالتهريج وسط الجموع الحاشدة.. وبحركة الوجه نفسها.. لا يعرف الناس أيضحك ام يلهث.. وكان مؤشر رضاه أن كرشه يصعد وينزل بحركة تعلمها من المهرجين وأتقنها.

وفي المشهد الأخير له.. وقف على اكتاف أعضائه الدببة الصغار.. اولئك الذين صنعهم فصنعوه.. وأسفل منهم كلابه.. يقينا أنهم يلهثون.. وقف في المركز والجموع من حوله.. تذكر حلقة السيرك تلك في ذلك الزمن البعيد.. دار حول نفسه.. يضحك.. يلهث.. يلهث.. ثم بال على نفسه.