

-1-

عبد الهادي شلا
shala14@hotmail.com
ما نجحت كل الحيل التي قام بها "
سعدي " لأخرجه من صمته.. فمنذ أن استأجر دكان الحاج " محمود " في الحارة ما
تحدث إلى أي زبون.. يلبي الطلبات بصمت .. حجر من صوان!
حاول مرة أن يخرجه من صمته.. ما
أفلح
تحدث عن ليلة الأمس الممطرة وكيف
أنه ساعد الحاج " محمود " صاحب الدكان طوال الليلة الماضية في فتح الممرات
للمياه التي غمرت ساحة بيته ..
رمقه بطرف عينيه .. ما علق!
تفضل.. يا أستاذ!! .. بنبرة حادة
.
أنقده ثمن الحاجيات ..انصرف "
سعدي " .
***
كلما رأيت وجهه العابس..هممت أن
أسأله لما كل هذا العبوس..وهذا الصمت والشرود ، لكن شيئا ما كان يمنعني ، حتى
أن أحدا في الحارة ما عرف اسمه سوى الحاج " محمود " صاحب الدكان... ما تحدث مع
أحد .. بصمته ونظراته القاسية... يلبي طلبات الزبائن
.يقتلني فضولي .." سعدي" حدث
نفسه.
بيتي لا يبعد عن دكانه سوى خطوات
..ألقي عليه السلام بسرعة خاطفة إذا ما التقيت عيناي بعينيه .
ما رأيته يوما جلس على كرسيه.
غريب أمره...بطرف عيني أرقب وجهه
العابس.. وأبقى مع السؤال الذي يكاد ينفجر في رأسي..
ما سر هذا الرجل بوجهه العابس ؟
لابد أن بداخله بركان..
يتمتم..يحدث نفسه" سعدي "
المشاكل اليومية كثيرة ..لا
تنتهي..هذه سنة الحياة
مرات كثيرة لا أكون في حاجة
لشراء شيء ، لكن فضولي يأخذني إليه .. وأقيم معه حوارا ..
من طرف واحد وبحرص شديد ..
أخشى أن ينفجر في وجهي .!!
..أبدا لا ينطق بل يرمقني بطرف
عينه بينما يجهز لي طلباتي..
إنه يسخر مني ومن فضولي المكشوف
مرة واحدة قال معلقا على حديثي
معه ..
الله يصلح الحال يا أستاذ!!
أقفل بخفي حنين.. مع هواجسه.. "
سعدي".
***
بباب الدكان طلب علبة سجائر.."
سعدي " مردفا
لماذا لا تريد الحديث معي؟. .
بانفعال حاد .. " سعدي "
أستاذ..؟؟؟
اسمي " سعدي" !
أستاذ " سعدي ".. لا تثقل عليّ
يرحم والديك !!" إللي عدني مكفيني " .
من أنت؟ ..من أين جئت ؟.. سأله
مردفا
أنا......أخرجها من واد سحيق
أنا.. " أبو الخير" ..!!
جئت من هناك .. من المخيم.. يسحب
كلماته " أبو الخير "
فقدت أعز ما أملك في هذه الدنيا
..زوجتي و..طفلتي " تغريد "..عندما سوت الدبابات بيتي بالأرض حين اجتاحت
المخيم..
ملاكي الصغير داسته جنازير
دباباتهم .. حطمت كل مشاعري الجميلة في الحياة..
ما طقت المخيم بعدها.. لن أعود
إليه... بصوت خافت.. حزين
سكت..
فجأة.. تغيرت ملامحه
نظر بعيدا..
انبعث من عينيه.. نور
تهلل وجهه.. كأنه البدر ، و
بسمةعريضة..أخفت عبوس وجهه
" سعدي " .. التفت إلى حيث ينظر
" ابو الخير "
ما رأى شيئا!!
بحركة رشيقة استدار " أبو الخير
" ، سحب كيسا من الورق.. ملاءه بأجود أنواع الحلوى، وهو يلتفت إلى باب الدكان
بينما يراقبه بذهول.." سعدي "
مد يده بالكيس " ابو الخير "
بينما يده الأخرى تحركت في
الفضاء كأنه يمسح بها على ظهر قطة " سيامي ".
يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف ..
قل أعوذ برب الفلق... قل أعوذ برب الناس.. بخوف ..على عجل.. تمتم " سعدي "
نسمة خفيفة ..مرت بجانبه ..شعر
بها .. تلفت حوله ..ما رأى شيئا .." سعدي " .
تفضل علبة السجاير يا أستاذ "
سعدي " .. قال" أبو الخير "
سامحني يا " ابا الخير " ..همس
في سره " سعدي ".