

-2-

بقلم : عبد الهادي شلا
shala14@hotmail.com
مجموعة من الأصدقاء.. نسير بين
العتمة ونور خافت يتسلل من بين أشجار سور حديقة" الميريلاند " نستمع إلى نوادر
أكبرنا سنا التي لا تخلو من الفكاهة والتعليقات الساخرة المحببة .. ضحكاتنا
تخترق سكون ليل القاهرة الصيفي الساحر .. يقطعها .. صوت سيارة مسرعة ..و شاب
يرمي تعليقا ساخرا..
رباه..من أين انشقت الأرض عنها
وانبعثت ؟
..فجأة ..تخترقنا.. طفلة ما
تجاوزت السادسة...
تتجه نحوي دون الجميع..تصوب
نظراتها بثقة..
تعترض طريقي.. ابتعدت عنها يمنة
تبعتني.... حاولت يسرة تبعتني ..
أفزعتني..لكنني أحببت إصرارها..
سايرتها و وقفت أمامها وجها لوجه ..
أنا وحدي مجردا إلا من قلب محب..
وهي بوجهها المتحدي .. البريء .. حدَّقتُ في عينيها ..
قرأت كلماتها التي ما نطقت..
كديجور الليل عيونها .. سوداء ..
لامعة ، واثقة مثل جندي مقاتل وهو يرى علامات النصر..
حزن .. شقاء .. انكسار
قرأته قبل أن يرتد إلي طرفي ..
الأصدقاء يسبقونني وهم يتسامرون
.. أخيرا انتبهوا أني لست معهم .. من بعيد يستعجلني صوت..
مازالت مصرة على اعتراض طريقي..
غريب أمرها..
ماذا تريد؟
بل ماذا أريد ؟
يلوح في داخلي شعور غريب..
يستفزني .. يدفعني إلى الحوار الذي ما أعددت..
فاجأتني..
مدت يدها الصغيرة ..
بثقة وثبات..أعطني قرشا.. قالت
جلبابها القصير الممزق يغطيه
قميص عسكري ( كاكي ) أخفى معظم جسدها الصغير..
أخذني الفضول وأنا أتجه نحو عمود
النور.. استدرجها
أريد أن أرى وجهها كاملا ..
حزنها وشقاؤها ..
بريق عينيها..
سمراء دقيقة الملامح .. منكوش
شعرها .. كمطربات الغرب في أغنيات البوب ..
واجَهتُها مباشرة وبسرعة ما
تَوَقعَتها..
قلت لها: ما اسمك؟
عيناها تخترقاني كالسهم .
لا ترد..
أحاول الفكاك منها..
تتبعني .. أعطني قرشا..
أتمهل في السير.. أستدرجها..
أضغط على مشاعرها الرقيقة المنكسرة ..
أعيد .. سأعطيك لو أخبرتني ما
اسمك..
تزرع نظرتها المتحدية في رصيف
الشارع .. اهتزت الأرض تحت قدماي..
..أزداد فضولا وإصرارا على معرفة
اسمها..
هيا ..عجل .. صوت الأصدقاء يشق
هدوء الليل القاهري الصيفي الساحر..
وأنا في حالة تحد لا يعرف عنها
شيئا..
أسمعتها.. سأعطيك خمسة قروش لو
أخبرتني ما اسمك..
بسهم عينيها الحزينتين صوبت
نظراتها الجارحة.. رمقتني..
قَـَرأتُ..
أتساومني على قرش ؟!
اخترتك من دونهم.. أصدقائك..
نظراتها قالت..
ما احتواني حزن كهذا.. ما صادفت
، وما أثارني مثلها أبدا..
سأعطيك عشرة قروش لو أخبرتني..
أردفتُ ..
في سري كنت سأعطيها جنيها كاملا
لو بقيت على عنادها كي أعرف اسمها....
أموت دون أن أعرف !!
نظراتها تنتقل بين عيني اللتان
بالكاد تراهما في عتمة الشارع وبين موطئ قدميها..
تنظر في وجهي تارة وتنكسر عائدة
إلى الأرض تارة أخرى..
اسمي.. اسمي..
هيا لقد أخرتنا.. صوت الأصدقاء
من بعيد يستعجلونني .. الوقت يمشي بطيئا.. قاتلا .. إنها ستنطق..
اسمي ..
قنبلة انفجرت في رأسي حين..
قالت : اسمي ..أمل
آه كبيرة مزقت أحشائي وحطمت
ضلوعي و بركان ألقى بحممه إليَّ في الليل الصيفي ليصهرني بين النور وبين
الظلمة..
أمل..
اسمي .. أمل
أهكذا الأمل في مدينة المعز..
الأمل في أرض العرب.. جرح فوق جرح ما جف .. مازال ينزف..
بالأمس كانت النكسة.. وكان
حزيران حزينا مهزوماً، واليوم الأمل .. يتسول على رصيف "الميريلاند ".
الأمل..هو الذي حقق للإنسانية
أعمالها الرفيعة.. يتسول!!
في يدها الصغيرة الممتدة ..
أفرغت كل ما في جيبي .. ونظراتي المتعبة تتبعها..وهي تختفي بين أشجار سور
الحديقة لتلقي بجسدها الصغير في سواد ثوب أمها..
الأصدقاء في انتظاري ..
لحقت بهم بخطوات سريعة و.. جسد
مثقل .
***
ألقيت بنفسي على السرير..الساعة
تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل.. عيناي تبحلقان في السقف الأبيض..
وصوت عبد الحليم حافظ الحزين
يغشى هدأة الليل وسكونه.." موعود معايا بالعذاب ..موعود يا قلبي...،.....كل مرة
ترجع المشوار بجرح ، يشكل خلفية اللوحة التي بدأت اشراقتها الأولى..
مستطيل تتوسطه .. فتاة صغيرة في
عمر الزهور.. قميص الجندي الذي استشهد في حزيران .. ممزق.. يستر جسدها الأسمر
النحيل.. ويد تخترقني وتنتزع من أحشائي متعة السهرة ..
قطعة اللحم التي تناولتها في "
الميريلاند" والخضار"السوتيه" وكوب الشاي.. وطبق المهلبية.. علقم طعمها..
الألوان أمامي على الطاولة
واللوحة مسندة على حاملها .. تلح
أرسُمْهَا..
أرسُمْهَا
هي مشروعك القادم !!
الأمل في بلادنا يتسول !!؟
في الصباح سألني أستاذي هل اخترت
اسما لمشروع التخرج
: صور من الحياة!!
و هواجسي.. تركني
ما أطيق جبلا كهذا على كاهلي ..
وجه أمل يطاردني .. يزيدني إحباطا .. حزنا
في الركن المعتم من المرسم
الكبير أخفت نصف جسدها الصغير خلف أمها.. فتاة صغيرة.. اقتربت .. مسحت بيدي
شعرها الناعم المنكوش .. ومشيت إلى اللوحة التي ما رسمت..
عدت إليها..وليتني ما عدت!!
ما اسمك؟
ترددت.. شجعتها أمها.. الأستاذ
مش غريب..
اسمي ..أمل
أكبر آه تحطم ما تبقى من قلبي
المحب ..انبعثت
تقتلني .. تمزقني .. تخترقني ..
اللوحة التي ما رسمت على الحامل
تشدني .. تجذبني .. هنا مشروعك القادم!
هي المستطيل الذي رسمه خيالي
ليلة ألأمس ..
فتاة صغيرة في عمر الزهور.. قميص
الجندي الذي استشهد في حزيران.. ممزق.. يستر جسدها الأسمر النحيل .. ويد
تخترقني وتنزع من أحشائي متعة السهرة..
ما وَقَفَتْ أمام فنان قبل الآن
يا أستاذ ..أمها قالت وهي تأمرها بالوقوف أمامي .
إنه مشروع البكالوريوس .. أنه
مشروعي القادم إلى المستقبل .
دخان سيجارتي الرابعة يحجب وجهها
للحظات .. الفرشاة في يدي تتنقل في أجزاء اللوحة كأنها عصا سحرية ..تنشر
الحزن.. لمسة هنا وأخرى هناك .. ما أستطيع السيطرة على مشاعري . .. بركان
يتفجر..
أمل..أمامي .. وجها لوجه بكل
قسماتها.. حزنها.. و تبعثرها .
ألملمها..
أعيد ترتيبها كما أريد..
أضبطها لقوانين الإبداع .
إلى الخلف خطوتين..
عودة إلى اللوحة.. لمسة هنا
وأخرى هناك
أرى اللوحة تكاد تكتمل..
هذه أمل ..
ليست التي أرسم !!
إنها أمل التي عرفتها بالأمس ..
حين كان نسيم الليل الصيفي يهدي النعاس لأهداب القاهرة .
أمل .. أول لوحة في مشروعي
القادم إلى المستقبل ..
فتاة صغيرة في عمر الزهور.. قميص
الجندي ( الكاكي ) الذي استشهد في حزيران.. ممزق.. يستر جسدها النحيل .. ويد
تخترقني وتنزع من أحشائي متعة السهرة..