استراحة من التفكير
مقال

عبد الهادي شلا*

وسط
ضجيج الأيام و اللهث وراء الأحلام وتحقيق الأمنيات قررت وبلا مقدمات أن آخذ
قسطا من الراحة بعيدا عن إدمان القراءة والكتابة والرسم التي تلازمني
طول اليوم وتلاحقني إلى سريري عند النوم .
و في بعض الأحيان أراها تتجلى في منامي فتلتقي الأحلام مع الواقع، لذلك
خطرت لي فكرة أن أعطي نفسي يوما واحدا إجازة من التفكير في أي شيء.
جلست على الأريكة في صالون بيتي ووجهتها نحو باب زجاجي يطل على الحديقة و
أغمضت عيناي كي لا تثيرني أي مشاهد عابرة أو متحركة تجعلني أفكر فيها
أو تثير في نفسي موضوعا للكتابة أو الرسم ...
أول مشكلة قابلتني وأنا علي هذا الوضع و في هذه الحالة التي أريد لها أن
تكون حقيقية وواقعية و..مقنعة أيضا، هي أنني يجب أن أجد شيئا يبعدني عن
الانشغال في أي شيء،وهذا في حد ذاته ( شغل) أو( تفكير )..!!
إذا فأنا في ورطة حقيقية مع شيء في جوهره صعب رغم أنني استسهلت الفكرة
معتقدا أن ما أريده هو ملك يميني و قادر على التحكم فيه.
إلا أنني وجدت نفسي و قبل أن ابدأ تنفيذ فكرتي بأنني ( أفكر) في طريقة
لتحقيق رغبتي في إجازة من ( التفكير )..!!
إذا..المسألة ليست بسيطة إلا في تخيلها،و الواقع يجعلها مستحيلة التطبيق
..إذ كيف يمكنني أن أتوقف عن التفكير في أي شيء دون أن ( أفكر ) في طريقة
تساعدني على عدم ( التفكير ) ؟؟!!
بعد أن أغمضت عيناي وبدأت في تطبيق فكرة أنني لا أرغب في ( التفكير
)..الأمر على بساطة تصوره أخذني إلى اتجاه آخر ..إلى حيرة من نوع مختلف فهو
طلب صغير من النفس أن تهدأ وتتحول في سلوكياتها دروة كاملة حول نفسها،ولكن
الغريب في الأمر كله أنني كلما قلبت الأمر وجدتني أعود إلى ذات النقطة التي
بدأت منها وهي أنني في بحثي عن منفذ أجده منفذا يؤدي إلى نفس الحيرة،و .. (
التفكير ) ..!!
أوصلتني حيرتي وهي حالة من ( التفكير ) إلى أن الخروج من عالم الطبيعة
الحقيقي الذي نعيشه ربما يكون فيه تحقيق ما أريد ( أي أن أكون في حالة
ميتافيزيقية )
حيث هناك يمكنني تصور وتنفيذ كل ما أريد دون قيود محددة لأن كل شيء قابل
للتطبيق ويخضع للمنطق حيث اللامعقول خاصة أن التفكير في جوها يدور
في فلكها وهو ( تفكير) مختلف في كل صوره وجوانبه عن ( التفكير) التقليدي في
عالم الطبيعة التي نحياها لحظة بلحظة ونتابع تقويمها وتوجيه مساراتها
بوعينا !!
قلت في نفسي: لربما لو نظرت إلى السماء الصافية إلا من بعض غيمات خفيفة
تداخل فيها اللون الأبيض مع الرمادي وتغلفت بأشعة الشمس تخترقها من أطرافها
في لوحة رائعة..لربما أستطيع التحكم في نفسي وألا ( أفكر )!! وأكون قد حققت
لحظات من التوقف عن ( التفكير )..ولكن ضحكة مني انفجرت وحمدت
الله أن أحدا ما سمعني..إذ اكتشفت أنني (فكرت) في هذه الصورة الرائعة
للغيمة التي جئت على وصفها ،وهذا مالا أريده!!
ماذا أفعل؟ فقد امتلكتني الفكرة في أنني أريد استراحة من التفكير !!
لربما لو وجهت وجههي نحو الجدار حيث لا شيء معلق عليه.. لربما حققت بعضا من
هدفي..ففعلت وأخذت أنظر إليه وأنا أجاهد في إيقاف عقلي عن التمعن
بوعي كامل فيه حتى لاأجد نفسي أحدق في شقوق خفيفة أو جرات قلم رصاص لأحد
أبنائي أو حتى خربشة من أثر قماشة تنظيف،ولكنني صحوت من هواجسي
وأنا أمد يدي أتحسس فيه أثر مسمار قديم كان يحمل لوحة عزيزة على نفسي،
فتصورتها معلقة وتخيلت ألوانها وخطوطها وتعبيرات الوجوه التي فيها
وأستوقفني
العام الذي رسمتها فيه،وعدت إلى جزئيات صغيرة من التفاصيل التي سبقت رسمها
وتجهيزها..
إلا أنني انتفضت كم لسعه عقرب ورفضت استسلامي لكل هذه الهواجس التي أمسكت
بتلابيب فكري ووضعتني في بوتقة ( التفكير) الذي أريد أن أنجو منه ولو ليوم
واحد..!!
نظرت إلى ساعة الحائط لأعرف كم استغرق كل هذا من الوقت دون أن أصل إلى
طريقة تحقق لي رغبة مجنونة جعلتني في هذه الدائرة الملعونة فوجدت أن الأمر
ما استغرق سوى دقائق قليلة..
فماذا أفعل كيف أصل إلى ما أريد وأمامي من اليوم ساعات طويلة ؟
إذا لابد من التحدي مع هذه النفس التي تطل علي كل فترة بفكرة غريبة وتضعني
في موقف صعب معها فلا أجد مفرا من الإستسلام..!!
إنني الآن استنتج شيئا جديدا..وهو أن كل ما نقوم به من أعمال أو أفكار و
تنفيذ أفكار إنما هو تلبية لإلحاح هذه النفس التي لا تهدأ ولا تمل وهي
تتفنن في رسم الخطط والتوجيهات بسلطات قوية بينما قليلون هم الذين ينتصرون
عليها في حالاتها حين تكون خارج الإيطار الطبيعي.
أما أؤلئك الذين يضعفون تحت سلطانها وسطوتها فهم الأقل قدرة على ( التفكير
)..وهذا يأخذني إلى أصل ما أريد الوصول إليه إذ يجب أن أضعف
وأستسلم بل و تنفيذ رغبات ومتطلبات النفس مهما كانت نتائجها ومضاعفاتها إذ
أن هذا لربما يمكن احتسابه حالة من ضعف ( التفكير) أي التقليل من تفعيله
وتفاعله
،ولكنه لا يكفي كي أستطيع التوقف تماما عن ( التفكير ) إنما هو حالة ضعيفة
أو قليلة قد تكون مساعدة في التوصل لما أريد..ولكنها حتى الآن غير مقنعة !!
يبدو أن الفكرة المجنونة ستقودني إلى أن أتخلى عن قدراتي الطبيعية وأستسلم
لهواجس غير منطقية هي في حد ذاتها درب من الجنون تحت السيطرة
والذي يجب أن اصنعه على عيني حتى أستعيد نفسي منه حين أستشعره يقودني إلى
الجنون الحقيقي ،و يمكنني ضبط نفسي وعقلي ضمن إيطار محكم
لا تتلاعب فيه الأفكار التي لا أريد لها التجلي والفعل في الحالة الجنونية
التي صنعتها لتكون مسرح الحدث المضني والشاق إلا أن هذه الحالة ليست إلا
سياجا
ضعيفا يحيط بــ ( فكري ) الذي ما توقف عن ترتيب الخروج من سيطرة ( التفكير
) الملازم لكل محاولة لتحقيق ما أريد..!!
وعندها أكون قد عدت إلى حالة ( التفكير ) الطبيعي والمأزرق الذي لازمني منذ
أن تلبستني فكرة الإستراحة من التفكير !!
واستكمالا لما أسعى إليه فقد يكون الموت هو الحدث الأقدر على الإقناع بأن
التفكير يتوقف معه..إلا أننا حين نعرج نحو ما جاء في حالة الموت من أحاديث
وروايات وآيات نعتقد أن الفترة التي تقع بين لحظة الموت وبين الدفن هي
الأقرب إلى توقف التفكير توقفا فعليا ومقنعا - بعض الشيء- إذا أن مما
يروى أن الميت يسمع خطوات المشيعين يجعلنا في نفس دائرة التفكير التي ما
برحت ذاته بل هو يسمع ما حوله وهو في عالم آخر لا طاقة لبشر
أن يعرف مكنونه لأنه خفي تماما وأسراره عميقة يصعب تفسيرها أو تصورها..
ولا يبقى بين أيدينا إلا حالة الدفن كمرحلة أخيرة لانفصال الذات عن الحياة
الدنيا إلى عالم آخر له غموضه ومواصفاته التي نعجز أيضا عن تصورها لأنها
أكبر من تصور المخلوقات،ولكنها لاتخلو من يقظة مؤقته وهي ساعة الحساب في
القبر وكما جاء في الأحاديث فهي مرعبة ولكننا هنا نبحث ونتابع تسلسل
فكرة نبعت في ذهني وهي (الاستراحة من التفكير) ونريد الوصول فيها إلى جواب
أو نتيجة، ولذلك فإن الحساب في القبر هو استيقاظ للذات التي ماتت لتجيب
عن أسئلة محددة ،ولنا أن تصور انبثاق أسئلة أخرى هنا..وهي تخص نوع الإجابة
على السؤال المحدد المعروف في هذا الموقف..من ربك ؟ ما هو دينك ؟...إلخ
والذي نعرفه هو أن المؤمن من يجيب الإجابة الصحيحة السليمة التي تكونت معه
طوال حياته، فتكون النتيجة هي نجاته من العذاب..وهذه ( حالة تفكير ) مسبق
وثابت ولا يمكن أن يتغير لأنه محكوم بقدرة إلهية وجهته بناءا على حيثيات
عمله الصالح في حياته، ولكنها حالة تفكير مختلفة أيضا في كل شيء إذ أن
ما يليها هو.. الصمت التام والسكون الأبدي.!!
عند هذه النقطة فقط نستطيع التوقف لأننا نعجز عن تتبع الخطوات التالية
لها،حيث أن قدراتنا البشرية محدودة أمام ما خفي علينا رحمة بنا وخوفا علينا
من
أهواله أو حتى من الفرح الأكبر من استيعابنا والذي لو تعرفنا عليه لصعقنا
ووقعنا جثثا هامدة .!!
إذا لا توقف عن التفكير ولا إستراحة إلا..بعد الموت..إن كان هذا سيحدث !!

*عبد
الهادي شلا