|

قصة بقلم : ثورة الرزوق
عن فضاءات
رأيت
النور في بلدة صغيرة. كانت خصبة و خضراء ، مثل
غوطة دمشق ، لأن نهر الذهب يمر من منتصفها. و كانت العجائز و الصغيرات يجلسن
على
ضفتيه ليغسلن بمائه الثياب التي اتسخت.
لا أعلم أين كان العرق و التراب و الغبار
يذهب بعد أن ينحل في مياه النهر. هل يختلط مع التيار أم أنه يرسب في القاع.
على
كل حال. لقد جفت مياه النهر الآن. و أصبحت ترى القاع المترب و المتحجر ، و بين
هذه
البقايا الجلمودية القاسية تستوطن الضفادع الصغيرة المرقطة ، لتنق في
الليالي.
أغنيات بريئة و لكنهاغير مطربة..
في تلك الأيام القديمة ، كان جدي
من الأعيان . ليس بمقدار ما يملك من أموال ، و لكن بمقدار العلاقات الاجتماعية
التي
يتمتع بها، و الأراضي الشاسعة التي هي بحوزته.
لم يكن بوسع أحد أن يعيش في تلك
البلدة من غير المرور فوق تراب أراضي جدي. لأنها موجودة في كل مكان، و منتشرة
في كل
مكان . جرداء أو مزروعة ، غير أنها هناك ، إلى أن جرده منها الإصلاح الزراعي
بعد
عام 1964
.
ليست تلك هي ميزته الوحيدة. فقد كان لديه اصطبل ، و فيه دواب مطهمة
للركوب. جياد أصيلة ، ذكية تعرف كيف تقفز من فوق الأنفاق و الأشواك و الأماكن
الخطرة . و كانت تلك هي وسيلة في التنقل ، و معه على ظهره بارودة و أجندة
رصاص.لا
يحمل الرجل سلاحا إلا ليقتل به أو ليصطاد ، و كان جدي يمارس كلاهما.
القتل و
الصيد.
و قد تحصن في إحدى المناسبات غير السارة فوق سطح المنزل الذي كان يسكن
فيه ، وحده ، ليدافع عن شرف بيته من جنود فرنسا و الدرك الذين معهم. كانوا
يرغبون
بتفتيش البيت عن الثوار. غير أنه رفض . و لم يرد بالكلام ، إنما بالرصاص.
و
انتهت الأزمة بالتفاوض.
الذي لم يتم عنوة تم بالاتفاق ، و أعقب ذلك عشاء
للضيوف.
لم يدخل عسكري بيت جدي إلا ضيفا ، و للضيف حقوق علينا.
هذا الرجل
يرقد الآن تحت الأرض
في مقبرة قريبة من البلدة. و عند ضريحه عدة درجات تصعد بها
إليه، و فوقها شاهدة مرتفعة ، منقوش عليها كلمات الفاتحة . قبسات من القرآن
الكريم.
و من حوله أموات العائلة الآخرون...
ما زالت تهب على ذلك الضريح غبار الطرقات و
أمطار السماء ، و ما زالت تنمو على أطرافه الأعشاب الغريبة.
و لم يتبق منه غير
صورة بالأسود و الأبيض ، كالحة و مصفرة، هي الشاهد الوحيد على بدايات حرفة
الفوتوغرافيا.
و لكن ليس بمقدورنا أن نختزل مصير رجل في صورة... |