www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 الحديث عن الذات

قصة بقلم : ثورة الرزوق

عن فضاءات

 

      رأيت النور في بلدة صغيرة. كانت خصبة و خضراء ، مثل غوطة دمشق ، لأن نهر الذهب يمر من منتصفها. و كانت العجائز و الصغيرات يجلسن على ضفتيه ليغسلن بمائه الثياب التي اتسخت.
لا أعلم أين كان العرق و التراب و الغبار يذهب بعد أن ينحل في مياه النهر. هل يختلط مع التيار أم أنه يرسب في القاع.
على كل حال. لقد جفت مياه النهر الآن. و أصبحت ترى القاع المترب و المتحجر ، و بين هذه البقايا الجلمودية القاسية تستوطن الضفادع الصغيرة المرقطة ، لتنق في الليالي.
أغنيات بريئة و لكنهاغير مطربة..
في تلك الأيام القديمة ، كان جدي من الأعيان . ليس بمقدار ما يملك من أموال ، و لكن بمقدار العلاقات الاجتماعية التي يتمتع بها، و الأراضي الشاسعة التي هي بحوزته.
لم يكن بوسع أحد أن يعيش في تلك البلدة من غير المرور فوق تراب أراضي جدي. لأنها موجودة في كل مكان، و منتشرة في كل مكان . جرداء أو مزروعة ، غير أنها هناك ، إلى أن جرده منها الإصلاح الزراعي بعد عام 1964 .
ليست تلك هي ميزته الوحيدة. فقد كان لديه اصطبل ، و فيه دواب مطهمة للركوب. جياد أصيلة ، ذكية تعرف كيف تقفز من فوق الأنفاق و الأشواك و الأماكن الخطرة . و كانت تلك هي وسيلة في التنقل ، و معه على ظهره بارودة و أجندة رصاص.لا يحمل الرجل سلاحا إلا ليقتل به أو ليصطاد ، و كان جدي يمارس كلاهما.
القتل و الصيد.
و قد تحصن في إحدى المناسبات غير السارة فوق سطح المنزل الذي كان يسكن فيه ، وحده ، ليدافع عن شرف بيته من جنود فرنسا و الدرك الذين معهم. كانوا يرغبون بتفتيش البيت عن الثوار. غير أنه رفض . و لم يرد بالكلام ، إنما بالرصاص.
و انتهت الأزمة بالتفاوض.
الذي لم يتم عنوة تم بالاتفاق ، و أعقب ذلك عشاء للضيوف.
لم يدخل عسكري بيت جدي إلا ضيفا ، و للضيف حقوق علينا.
هذا الرجل يرقد الآن تحت الأرض في مقبرة قريبة من البلدة. و عند ضريحه عدة درجات تصعد بها إليه، و فوقها شاهدة مرتفعة ، منقوش عليها كلمات الفاتحة . قبسات من القرآن الكريم. و من حوله أموات العائلة الآخرون...
ما زالت تهب على ذلك الضريح غبار الطرقات و أمطار السماء ، و ما زالت تنمو على أطرافه الأعشاب الغريبة.
و لم يتبق منه غير صورة بالأسود و الأبيض ، كالحة و مصفرة، هي الشاهد الوحيد على بدايات حرفة الفوتوغرافيا.
و لكن ليس بمقدورنا أن نختزل مصير رجل في صورة...