منذ زمن بعيد يجري بين العلماء جدل حول المنشأ "العضوي" أو
"غير العضوي" للنفط وغيره من الهيدروكربونات.
و في مركز صدارة هذا الجدل في نظريتان لمنشأ النفط. تنص
أولاهما (العضوية) على أن النفط قد نشأ في الماضي الساحق نتيجة
لتحول طرأ على الأجسام العضوية الميتة التي تراكمت فيما بعد في
الصخور الرسوبية وتجمعت في التكوينات الجيولوجية المسامية
المغطاة بطبقات مانعة لهروب النفط المخزن. وبالتالي تطلب نشوء
النفط فترات طويلة جدا من الزمن تقدر بعشرات آلاف السنين
وظروفا جيولوجية خاصة تتيح للنفط التسرب الى الصخور الرسوبية
كالرمل والحجر الجيري الحبيبي والتجمع تحت الطبقات العازلة في
ما يسمى بمصايد.
أما النظرية الثانية فترى مصدر نشوء خام الهيدروكربون في
تفاعلات تركيب بين الكربون والهيدروجين كانت ولا تزال تجري في
أعماق الأرض. والنفط الناشئ نتيجة لعملية التركيب هذه التي
تجري في ظل درجات حرارة عالية جدا وضغط بالغ في قشر الأرض
وغلافها يتسرب أيضا الى الصخور الرسوبية ويتجمع في نفس المصايد
المذكورة.
وطبقا
للنظرية الثانية التي تعرف أيضا كنظرية المنشأ العميق لخام
الهيدروكربون يتولد النفط بصورة متواصلة في أعماق قشر الأرض
ويتسرب الى طبقات أعلى ويرفد المكامن الموجودة. وإذا راعينا أن
موارد الكربون والهيدروجين اللازمة لتركيب النفط غير محدودة
عمليا على الأرض وفي غلافها الجوي فأن الفرضيات القائلة بزوال
احتياطات النفط في المستقبل القريب والتي تثير مناقشات واسعة
في الآونة الأخيرة تبدو واهية في ظل هذه النظرية.
ومما يؤكد نظرية المنشأ غير العضوي للنفط واقع أن العديد من
مكامن النفط المعروفة قد استخرجت منها كميات من النفط كانت في
السابق تعتبر كميات قصوى بالنسبة لها ولكن الاستخراج لا يزال
مستمرا. ويمكن، طبعا، تفسير هذا الواقع بأخطاء في التقييم
الأولي لحجم احتياطي المكمن أو حتى بالتقليل المتعمد منه وكذلك
بنظرية هجرة النفط من طبقات أعماق. بيد أن الحقائق الدالة على
تكملة احتياطات النفط الأولية في المكامن الجاري استثمارها
نتيجة لهجرة النفط العمودية من أجزاء قشر الأرض العميقة تبقي
غالبة مع ذلك.
ونظرا
لتنامي الطلب على النفط والارتفاع السريع لأسعاره يكتسب
التفسير التطبيقي لهذين النظريتين أهمية الخاصة في أيامنا هذه.
فإذا نشأ النفط من جراء عمليات تحول المواد العضوية وحدها فقد
تنضب احتياطاته مما يتطلب من البشرية أن تمعن التفكير في مصادر
الطاقة البديلة. ولكن إذا كان النفط ثمرة لتركيب الهيدروجين
والكربون الجاري في أعماق الكرة الأرضية فيمكننا أن نعتبره
طاقة لا تنضب. وحينئذ يتعين تكليف علم الجيولوجيا وصناعة
استخراج النفط بمهمة تحديد احتياطات النفط الفعلية بقدر أكبر
من الدقة وتطوير أساليب استثمار المكامن القديمة والجديدة مع
الأخذ بالحسبان تكملتها بكميات جديدة من النفط.