الدماغ
كيف
يفكر؟
نبيل
حاجى نائف *
إن
أسس التفكير عنصران وهما: 1- التعريف، والتعرّف. والتعريف "أو
التسمية" هو: تشكيل مفاهيم أو هويات الثابتة المحددة، التى تمثل
الأشياء أو الأشخاص أو أى شيء، فالمفاهيم هى بنيات فكرية تمثل
الأشياء وما لها من خصائص وصفات محددة. أما التعرّف فهو: اعتماد
هذه المفاهيم، وكلما صادفنا ما يمثل مفهوم معين نتعرف عليه على أنه
هو هذا الشيء الذى يرمز له المفهوم.
2- تحريك المفاهيم أو الهويات الممثلة للأشياء، بواسطة المفاهيم
التحريكية التى يشكلها العقل، والتى تمثل تغيرات و صيرورة هذه
الأشياء. فبذلك يستطيع تمثيل أحداث الوجود فكرياً، وبناء التنبؤات
أو التوقعات لما سوف يحدث، أو لما حدث.
فالعقل يشكل نوعين من المفاهيم "أو البنيات الفكرية" مفاهيم تدل
على الأشياء وتحدد هويتها وخصائصها، ومفاهيم تدل على حركة أو
تغيرات أو صيرورة الأشياء أو الهويات "أى مفاهيم تحريكية". فالعقل
يمثل كيفيات، وتأثيرات الوجود، بهويّات و مفاهيم ثابتة محددة
معينة، يستطيع التعامل بها.
فهو بذلك يحول اختلافات تأثيرات الأشياء إلى اختلافات محددة معينة
بين الوحدات أو الهويات معرّفة لديه، عندما يشكل البنيات الفكرية
الممثلة للوجود وحوادثه. وتثبيت المفهوم "أو البنية الفكرية" هو
منعه من التغير والحركة، وهذا هو أساس مبدأ الهوية وعدم التناقض
الذى هو: "أ- تبقى هي- أ-".
وتحديد المفهوم "أو البنية الفكرية" هو فصله عن غيره من المفاهيم
وتحديده. وتعيين المفهوم هو تعيين صفاته وتأثيراته، فعدم تعيين
صفات "أو خصائص" و تأثيراته هو عدم تعيينه. مثال: فالإلكترون تعيّن
صفاته و تأثيره بالنسبة للبروتون أو بالنسبة لمجال كهربائى أو
مغناطيسى أو بالنسبة للجاذبية.
فلابد من تعيين صفات وتأثيرات الشيء إذا أردنا تعيينه، وصفات
وتأثيرات أى شيء لا يمكن أن تعين بشكل مطلق، وصفات وتأثيرات أى شيء
تابع للبنية أو البنيات التى يؤثر فيها. فالعقل يقوم بالتحريك
الفكرى "أى المعالجات الفكرية أو التفكير" لهذه البنيات الفكرية
التى شكلها، وذلك خطوة، خطوة. أى يقوم بالتحريك الفكرى للهويات
الشيئية أو الإسمية، بواسطة الهويات التحريكية. بذلك استطاع الدماغ
أو العقل تشكيل نموذج مختصر وبسيط للوجود وصيرورته، باستعمال
البنيات الفكرية، التى تمكنه من تحريك أو مفاعلة هذا النموذج إلى
الأمام إلى "المستقبل أو التركيب"، أو إلى الخلف "إلى الماضى أو
التحليل". وذلك بسرعة أكبر من سرعة تغيرات الواقع الفعلية..
فالعقل ثبت، وحدد، وعين الأشياء، بتشكيله المفاهيم أو الهويات
الشيئية التى تمثل هذه الأشياء، أى شكل البنيات الفكرية الإسمية
"بالنسبة لنا نحن البشر بعد أن ملكنا اللغة" مثل:
الأسماء الخاصة إن كانت خاصة مثل: زيد. عمر. دمشق. أو الأسماء
العامة مثل: شجرة. قطة. سيارة. أو أسماء عامة مركبة مثل: الأسرة.
الدولة. الاقتصاد. العلم. الفكر. وحددها بالكميات، المقدار والعدد.
وبالمكان، فوق، تحت.... وبالزمان. قبل، بعد. وبالصفات والخصائص
الكثيرة الأخرى . وكذلك ثبت وحدد وعيّن العقل التغيرات و الصيرورات
وحددها عندما شكل البنيات الفكرية التحريكية مثل: كبر، صغر، صار،
نما، أكل، ضرب، عمل، فرح.... والبنيات الفكرية التحريكية العامة
المعقدة، مثل: التعاون، الصداقة، الحرية، العدالة، الديمقراطية....
وباستعمال قواعد النحو، العطف والربط والجمع والاستثناء... واستخدم
الاشراط أو الربط المنطقى الذى يعتمد عليه مبدأ أو آلية السببية
"إذا كان "كذا" يكون "كذا""، واستعمل التصنيف والتعميم والقياس
والمقارنة والتقييم والحكم، والاختبار والتصحيح، لكى تتطابق أو
تقترب النتائج بين النموذج والأصل. وهذا ما أسميه التكميم الفكري.
فالتكميم الفكرى هو تمثيل الموجودات وصيرورتها ببنيات فكرية اسمية
و تحريكية ثابتة محددة معينة، أى مكممة. وبذلك فُتح الزمن فى هذا
النموذج الذى صنعه للوجود. فالعقل عندها يستطيع السير فكرياً عبر
الزمن إن كان إلى الماضى أو إلى المستقبل.
تكميم العقل للكثرة
هناك مثل يقول "لا يمكن حمل بطيختين بيد واحدة" هذا صحيح فى الوضع
العادي. ولكن يمكن حمل بطيختين أو أكثر بيد واحدة إذا ربطت معاً أو
وضعت فى وعاء لتصبح مجموعة واحدة.
وهذا ما يفعله العقل عند التعامل مع الكثرة، فهو لا يستطيع التعامل
إلا بالوحدات المحددة، لذلك هو يستعمل آلية تشكيل المجموعة "أى
الوحدة" بجمع عدة وحدات متماثلة أو متشابه فى بنية واحدة، فبذلك
يستطيع التعامل معها وتحريكها و مفاعلتها مع باقى البنيات. وطريقة
تشكيل المجموعات هى نفسها التعميم الذى يتضمن ضم أو جمع عدد من
البنيات الفكرية فى مجموعة واحدة، لأنها تتضمن بعض الصفات أو
الخصائص المتماثلة أو المتشابهة.
فالمجموعة أو الفئة هى طريقة تكميم استعملها عقلنا فى تعامله مع
الكثرة، وأعادها للوحدة الواحدة، ليستطيع التعامل معها. فهو لا
يستطيع التعامل مع الكثرة، إذا كانت غير معينة برقم أو كمية.
فالتعيين برقم أو بكمية أو بخاصية يزيل عدم التعيين.
إذاً استعمل عقلنا الفئات أو المجموعات أو الأسماء العامة وكذلك
الأعداد والصفات، لكى يتعامل مع الكثرة. فقد كمم العقل المقدار
بالعدد، وكمم المكان بالمسافات والاتجاهات والسطوح والحجوم، وكمم
الزمان بالوحدات الزمنية والاتجاه قبل وبعد أى الماضي، والحاضر،
والمستقبل. وكمم قوة المؤثر بمقدار شدتها أو درجتها، وكمم الأحاسيس
بتحديد نوعها، أو تصنيفها. والكم ليس بحاجة إلى تصنيف، فتعيين الكم
هو تصنيف له. والعقل عندما يشكل البنيات الفكرية يكون ذلك بناءً
على تكميم الكيف. إن الكيف بالنسبة لنا مرتبط بأحاسيسنا بشكل
أساسي، فهو تابع لأنواع أحاسيسنا وخصائصها، وهو مرتبط بالممتع
والمفيد والجميل وبكافة أنواع الأحاسيس. وتشكيل العقل للكم فقد أتى
لاحقاً نتيجة معالجة واردات الحواس بشكل متطور.
كيف تتشكل الأفكار فى الدماغ؟
إن البنيات الفكرية تتشكل فى أدمغة الكائنات الحية فى أول الأمر،
من واردات الحواس. فهى تتكون نتيجة ترابط كمية معينة من واردات
الحواس مع بعضها نتيجة تزامن حدوثها فى معاً بالإضافة إلى تكرار
هذا الحدوث، ونتيجة آليات وعوامل أخرى، فتتشكل بذلك البنيات
الفكرية الأولية أو الأساسية.
وهذا يتم بعدما أن تتوضع فى الذاكرة وتكون على شكل بنيوى أى حدوث
نمو لمشابك ومحاور الخلايا العصبية، التى تكرر مرور التيارات
العصبية فيها. وعندها يصبح بالا مكان إعادة إنشائها نتيجة وصول جزء
منها، وليس كلها.
فالبنيات الفكرية تتشكل نتيجة تثبيت وتحديد مجموعة معينة من واردات
الحواس التى دخلت معاً إلى الدماغ. والتثبيت، ينتج عن تنامى محاور
ومشابك الخلايا العصبية. وواردات الحواس تكون ذات كمية وشدة وخصائص
ثابتة محددة أثناء إرسالها إلى الدماغ، فهى بمثابة صورة ثابتة
محددة التقطت للواقع أثناء صيرورته.
هذا النوع من البنيات الفكرية الخام موجود لدى غالبية الكائنات
الحية، فأصول الدماغ واحدة، فالفرق بيننا وبينهم هو فى زيادة
التخصص والتعقيد، ونشوء اللغة المحكية ثم المكتوبة هو الذى أحدث
تلك الفروق الكبيرة بيننا وبينهم.
ويولد الأطفال ويبدؤوا فى أول الأمر بتشكيل بنياتهم الفكرية الخام،
وبعد فترة يبدؤون بتشكيل بنياتهم الفكرية اللغوية.
وكل موجود أو شيء ليس له واردات حسية يصعب على العقل تشكيل بنية
فكرية له، والأفكار التى تنتج عن معالجة البنيات الفكرية هى فقط
التى توجد بنيات فكرية ليس لها أصل واقعي. ولدى الإنسان الذى يعيش
فى مجتمع، تطورت هذه البنيات الفكرية العصبية، فترابطت سلسلة بنيات
فكرية لتشكل بنيات فكرية متطورة. وقد حدثت قفزة، عندما مثلت بعض
البنيات الفكرية بإشارات "أصوات وتعبيرات وحركات.." تدل عليها،
وهذا أدى لنشوء البنيات اللغوية الفكرية وتطورها لتصبح كما هى عليه
لدينا الآن.
فهذه البنيات اللغوية الفيزيائية تصبح هى أيضاً مدخلات حسية، وهى
تتحول من جديد لبنيات فكرية خام، وتصبح بنيات فكرية دلالية. فهى
ترمز أفكار تم إرسالها من إنسان لأخر. وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها
البنيات الفكرية الانتقال من عقل إلى آخر وذلك عن طريق ترميزها
ببنيات لغوية فيزيائية أصوات وإشارات تنتقل إلى المستقبلات الحسية
للعقل الآخر ويقوم هذا العقل بفك رموزها وإعادتها إلى بنبات فكرية.
أى نشأت وسيلة للتواصل بين الناس.
وهذا تم بعد أن تحولت البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية
لغوية "مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات". فإذا تلقتها حواس إنسان
آخر يمكن أن تتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية
ومعاني، إذا تم فك رموزها.
فبهذا تنتقل البنيات الفكرية من دماغ إنسان إلى أخر وتصبح مهيأة
لكى تتوضع فيه، أى يمكن أن تتحول هذه البنيات الفيزيائية اللغوية
إلى بنيات فكرية عصبية، و تتوضع فى دماغ المتلقي.
فاللغة لدينا هى تمثل البنيات الفكرية والحسية الكثيرة المتنوعة،
ببنيات فكرية لغوية فيزيائية محددة معينة وموحدة يتم التواصل بها
بين الأفراد. ولقد استعملها دماغنا أيضاً فى معالجته البنيات
الفكرية، فكل جملة هى بيان لعلاقات أى هى تصف أو تمثل صيرورة جزء
من الوجود. إن هذا هو الذى أدى لحدوث قفزة هائلة لقدراتنا على
معالجة الأفكار، عن باقى الكائنات الحية، وبناء التنبؤات أو
المعارف. فالفيل والحوت وبعض الدلافين يملكون خلايا دماغية أكثر
منا، ولديهم قدرات معالجة فكرية خام أكبر من قدراتنا، ولكن ليست
أنجع من طرق معالجتنا. فنظام التشغيل فى دماغنا أفضل وأنجع نتيجة
استعمال البنيات الفكرية اللغوية المتطورة جداً لدينا، وهذا ما حدٌ
كثيراً من فاعلية معالجتهم للبنيات الفكرية التى يتعاملون بها،
فذاكرتهم أفضل وأدق "والذاكرة من أسس قدرات التفكير"، ولكنهم
يتعاملون مع بنيات فكرية خام، لأنها لم تمثل بدقة ببنيات فكرية
لغوية. ويمكن تشبيه الفرق بيننا وبينهم، بأن طريقة تفكيرنا رقمية
وهى عالية التكميم نتيجة اللغة المتطورة، و طريقة معالجاتهم التى
يمكن اعتبارها غير رقمية.
أنواع ودرجات التكميم الفكرى
للتكميم الفكرى درجات أو مستويات، أى يمكن أن يكون ضعيفاً وغير
دقيق، ويمكن أن يكون دقيقاً، ويمكن أن يكون تاماً أو مطلقاً، مثال
على ذلك: ضعف تكميم درجة الاحتمال، فكما كان مفهوم العدد محدود
وضعيف التكميم لدى الإنسان البدائي، الذى يعرف فقط واحد، إثنان،
ثلاثة، كثير. كذلك أغلبنا يقول عن الاحتمال ممكن أو محتمل، ممكن
جداً، نادر، حتمي، مستحيل، وهذا تكميم ضعيف لدرجة الاحتمال، فيجب
تعيين درجة الاحتمال بعدد محدد وإن لم يمكن فبنسبة محددة بعدد.
فأغلبنا لا يدرك نسبة الاحتمال بشكل جيد، فاحتمال نسبته واحد
بالعشرة يختلف كثيراً عن احتمال واحد بالألف ويختلف بشكل كبير عن
احتمال واحد بالمليون، ومع ذلك لا يدرك أغلبنا مقدار هذا الفرق.
فشارى ورقة اليانصيب والتى احتمال ربحها واحد بالمئة ألف أو واحد
بالمليون، يقول إن الربح ممكن، وقد ربح فلان وفلان، ويمكن أن أربح
أنا، ولا ينتبه إلى نسبة الاحتمال الشبه معدومة. إن التعيين الدقيق
لنسبة الاحتمالات هام جداً، وهذا لا يعرفه أغلبنا.
البنيات الفكرية الرياضية
قد شكل عقلنا البنيات الفكرية الرياضية، والتى هى بنيات فكرية تامة
أو مطلقة التكميم. فالبنيات الفكرية الرياضية الشيئية "الهويات
الرياضية الاسمية" مكممة بشكل مطلق.
فالأعداد وهى التى نستطيع بواسطتها التعامل فكرياً مع الكثرة هى
كميات مثبتة ومحددة ومعينة بشكل كامل، فالعدد "2" يعنى شيئين أو
وحدتين أو زمنين أو حادثتين... متماثلتين ومتطابقتين بشكل تام، "
مع أن هذا غير موجود فى الواقع، فهناك دوما فروق بين أى شيئين أو
أى وحدتين، يتم إهماله". وهذا مكن من القياس والمقارنة بشكل تام.
وكذلك كممت البنيات الرياضية الهندسية النقطة والمستقيم والزاوية
والمثلث... بشكل تام، وكذلك باقى البنيات الرياضية. وكممت
الرياضيات أيضاً التغيرات والصيرورة بالبنيات الرياضية التحريكية،
مثل عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة، والجزر والتربيع،
والمساواة وعدم المساواة، والمعادلة، والتفاضل والتكامل
والتناهي......الخ.
وكافة البنيات والعمليات الرياضية مكممة بشكل تام، والبنيات
الرياضية تتوسع وتنمو وتتطور باستمرار فقد نشأت فروع ومجالات
كثيرة. وإذا قارنا المنطق بالرياضيات. نجد أن المنطق يكمم الأفكار
بشكل تام مثل الرياضيات، ولكنه لم يكمم إلا عدد قليل جداً من
البنيات الفكرية الشيئية أو التحريكية.
لذلك: "الرياضيات. الرياضيات. الرياضيات، المنطق منذ زمن لم يعد
كافياً". والبنيات الرياضية هى بنيات فكرية تامة أو مطلقة التكميم،
أى هى مثبتة ومحددة ومعينة بصورة تامة، وتعتمد البنيات الرياضية
المسلمات كأحجار أساسية تبنى منها باقى البنيات الرياضية،
فالمسلمات هى بنيات فكرية معتمدة ومتفق عليها من قبل كافة
المفكرين، وهى تابعة للعناصر والخصائص الفيزيائية والبيولوجية
والعصبية لتفكيرنا. أما كيف بنينا هذه الفكرة - أو المعلومة- ومدى
دقتها، فهذا تم بعد الاختبار الواقعى وعدم ظهور ما يناقضها واقعياً
حتى الآن، وإذا ظهر ما يناقضها، فسيتم تعديلها لتناسب ما يحصل
فعلياً.
*كاتب
سورى متخصص فى العلوم الإنسانية.