المنوعات

ثقافة عامة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

 

 



 

دير “سانتا كاترينا”

 14 قرناً من التوحد

         دير القديسة كاترين (سانتا كاترين) او دير طور سيناء هو واحد من بين اكثر الاديرة المنتشرة في المشرق والمغرب عراقة وخصوصية ويشكل احد اهم المراكز الارثوذكسية للتنسك والتوحد تتواصل فيه الحياة زهاء اربعة عشر قرنا دون انقطاع.

أقيم في وسط سيناء في عهد الامبراطور البيزنطي يوستينيانوس في القرن السادس، وفاز بحماية ورعاية الدول الاسلامية المتتالية منذ ظهور الاسلام. كان دير القديسة كاترينا ولا يزال معلماً تاريخياً وسياحياً بارزاً تربطه مع صحراء شبه جزيرة سيناء علاقة متبادلة من العظمة والهيبة والوقار. ويستقطب عشرات الالاف من السائحين الذين يأتون لزيارة سيناء من اصقاع الدنيا طوال ايام السنة، ومنهم من يصله في ساعات الفجر لرصد طلوع الشمس وهي لحظة ممتعة للنظر تبعث على التمعن والتفكير مثلما هي ساعة الغروب ايضا. اما سر غرابة المشهد الطبيعي المهيب فيعود الى ارتفاع منطقة الدير 2664 مترا ما يفسح في المجال لرؤية خليجي السويس والعقبة معا كما يبدوان شعبتين متقارنتين في “الاطلس” الجغرافي. ويبعد الدير من الطريق الرئيسي الموصل بين طابا وشرم الشيخ الى الغرب نحو 80 كيلو مترا يتسلق فيها الزائرون دروبا معبدة بحالة ممتازة حتى بلدة سانتاكاترين وسط سلسلة من الجبال متعددة الالوان والجرداء التي تناطح السماء وعلى حافتيها ترى بعض قطعان ماعز سمراء تسير بحثا عن كلأ.

بعد تسديد رسوم الدخول بقيمة ثلاثة دولارات لوزارة السياحة المصرية، يستطيع الوافدون التقدم الى الدير سيرا على الارجل مدة عشر دقائق. ولمن يستوحش ذلك له ان يستعين بقوافل الجمال التي يستخدمها البدو هناك للمواصلات. الدير الذي يقع على سفح جبل شاهق وبمحاذاة واد يمتد على دونم، وفي جميع جنباته يستطيع الزائر ان يسمع المرشدين المصريين الشباب يقودون المجموعات السياحية وهم يشرحون قصة المكان في مختلف اللغات الاجنبية.

المرشد احمد الذي يجيد الكثير من اللغات قدم من الاسكندرية للعمل مرافقا سياحيا لزائرين من اوروبا، قال إن الانجليز والالمان هم اكثر المجموعات السياحية انتظاماً، لافتا الى ان الطليان يميلون بطباعهم للشرقيين..

23 راهباً: داخل الدير الذي يتشكل من كنيسة وحجيرات وصوامع للتوحد ومكتبة وابراج للحمام وحديقة من اشجار الزيتون والنخيل والسرو يعيش اليوم 23 راهباً معظمهم من اليونانيين، منهم ثلاثة رهبان من مصر والاردن ولبنان يتقاسمون المسؤوليات فيما بينهم من مرافقة الزائرين الى الاهتمام بحراسة الموجودات الثمينة وتولي مسؤولية طعام وشراب النزلاء المتوحدين الذين ما زالوا يحافظون على حياة التقشف والزهد ويقومون بتحضير الخبز بأنفسهم مرة في الاسبوع. وغالبا ما يكون طعامهم نباتيا على شكل خضراوات مسلوقة.

الاب ينة راهب يوناني نحيف القامة، شارات النشاط بادية في حركاته، يستيقظ كل يوم في الثالثة فجرا لاداء مهمته الثابتة في قرع جرس الكنيسة. اما المساعدات الخارجية التي تصلهم من ارجاء مختلفة من العالم فتنفق في دعم فقراء البدو، لاسيما في البلدة المجاورة للدير والتي اكتسبت اسمه.

رغم صحراوية المكان والسماء الصافية تسود منطقة سانتاكاترين في هذه الايام اجواء باردة ولولا اشعة الشمس التي تبعث الدفء لتجمد كل شيء هناك بسبب ارتفاعها الذي يتسبب بسقوط الثلوج في قلب الصحراء وهذه ليست حالة نادرة، اذ سبق وتراكم الثلج عام 1996 بارتفاع 25 سنتمتراً كما اكد الراهب المصري خريستو منصور من المنصورة لنا. وأوضح خريستو وهو صديق شخصي لامام بلدة سانتاكاترينا الشيخ محمد البكر ان الدير يحافظ منذ 14 قرنا على طراز الحياة المتقشف، اذ يمضي الرهبان المتوحدون معظم اوقاتهم في التوحد والتعبد والعمل في المنجرة او الفرن والقراءة وصيانة المكان المقدس واستقبال زائريه طوال أيام الاسبوع عدا الاحد والجمعة، من الساعة الثامنة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا.

وردا على سؤال “الخليج” حول الدافع لتوحده في هذه المنطقة النائية والصعبة، قال: “هي الرغبة في ممارسة الفضائل المسيحية النابعة من الوصية الاولى -احبب الرب إلهك- والانخراط في عمل الخير الخالص لوجه الله”. ولفت الاب خريستو الى ان الدير يتبع نظاما داخليا صارما خاصاً بالاخوية السينائية منذ قرون، يشرف على تنفيذه رئيس الدير وهو رئيس اساقفة كل سيناء ويسام من قبل بطريرك القدس. وأضاف “الحياة داخل الدير اشتراكية يتساوى فيها الرهبان حسب قوانين الحياة التوحيدية ويصلون مشتركين في ساعة معينة من النهار مثلما يتناولون طعامهم حول مائدة واحدة”.

وكان الرهبان المتوحدون قد اختاروا هذا المكان النائي مركزا لهم لمجاورته موقع “العليقة الملتهبة” (جبل النبي موسى حيث كلمه الله) وقد بنى مهندس الامبراطور يوستينيانوس الدير واحاطه بسور عظيم ليحمي نزلائه من الغزاة. وفي العام 1798 تهدم الجدار المحيط جراء الامطار الغزيرة فاعاد تشييده نابليون بونابرت الذي احتل المنطقة آنذاك. ويراوح ارتفاعه بين عشرة امتار وعشرين مترا وعرضه ثلاثة أمتار، وفيه مداخل حديدية وخشبية. وبنيت على طول الواجهة الداخلية للدير- الحصن صوامع المتوحدين وابنية اخرى متفرقة وكنيسة تشمل تسعة معابد. كما بنيت اقواس وقباب من اجل تسوية الارض الوعرة شيدت فوقها الصوامع والكنائس. وفي العام 1951 اقيم على اساسات السور من الجانب الشمالي جناح جديد للدير يضم مكتبة ومعرض الايقونات والرسوم وغرفة طعام وشقة رئيس الاساقفة وبجوارها دار ضيافة. لكن القسم الاهم في الدير هو الكنيسة الرئيسية المبنية من الحجر الصواني ( البازلت) على الطراز الملوكي ذي الثلاثة اقسام، تتألف من قدس الاقداس والقدس والرواق. ويرجع عهد الجدران والاعمدة والسقف الخشبي والفسيفساء الى فترة حكم الامبراطور يوستينيانوس فيما يغطي السقف القديم سقف خشبي بني في القرن الثامن عشر، اما ابواب الكنيسة الخشبية المنقوشة فقد صنعت من ارز لبنان في القرن السادس، ومنها ما بني في القرن الحادي عشر على يد الصليبيين. وفوق قوس الهيكل المقدس هناك فسيفساء في غاية الروعة تعرف بفسيفساء التجلي، لا تزال بحالة جيدة موضوعها مستوحى من “انجيل متى”.

 ايقونات: توجد ايقونات كثيرة من ابرزها ايقونة تبين العليقة الملتهبة ورسم اخر للوحتي الوصايا العشر وشخصين مكللين بهالة من النور وكذلك لوحة ملاكين يقدمان الهدايا للحمل رمز السيد المسيح. وخلف هذه الكنيسة هناك كنيسة “العليقة القديمة” حيث يدخل الزائرون اليها حفاة احياء لذكرى امر الله للنبي موسى، وهي الاخرى مرصعة بالايقونات والرسومات. اما جرسية الدير فقام ببنائها المتوحد غريغوريوي حافظ الاواني المقدسة في الدير عام 1871 وفيها 12 جرسا من احجام مختلفة كان قدمها قياصرة روسيا. وفي معرض الايقونات والرسوم يعرض الدير اليوم 150 ايقونة مختارة من بين نحو الف ايقونة ذات قيمة روحية وتاريخية وفنية من بينها ايقونات نادرة صممت في القرن السادس على طريقة الشمع المذوب وفنها مزيج من الطراز اليوناني والسرياني والقبطي. اما مكتبة الدير فهي بالمرتبة الثانية في العالم بعد مكتبة الفاتيكان من ناحية العدد وقيمة المخطوطات حيث يوجد فيها ثلاثة الاف مخطوطة، ثلثاها يونانية وباقيها عربية واسلامية وقبطية وأرمنية واثيوبية. ومن اهم هذه المستندات التاريخية السجل السرياني العريق المكتوب في القرن الرابع الميلادي. كما كان يوجد فيه السجل السينائي وهو اثمن مخطوط في العالم يحتوي على النص اليوناني للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. وفي العام 1865 استعاره باحث الماني باسم امبراطور روسيا ولم يعد هذا السجل، وقد اشتراه المتحف البريطاني عام 1933 مقابل 100 الف ليرة. ويمتد بستان الدير كمثلث طويل في الناحية الغربية وهو عبارة عن واحة حقيقية داخل الجبال الصوانية اقامها الرهبان الذين جلبوا التراب من بعيد وحفروا الابار لاستجماع مياه الامطار والثلوج بفضل عمل جماعي طالما شكل ركنا مهماً في حياتهم. وداخل البستان توجد مقبرة الدير على شكل معبد صغير اعد تحته مكان لدفن الموتى من المتوحدين الذين يدفنون في مقبرة صغيرة ثم تنقل عظامهم الى مخبأ العظام، وعمر تقاليد تجميع الجماجم والعظام هو بعمر الدير. ويبدو ان البيئة الصخرية القاسية حالت دون حفر الاضرحة ودفعت المتوحدين الى استحداث طريقة تخزين الهياكل العظمية، اضافة الى استخدام الموت موعظة كما توحي كومة مئات الجماجم .

وقد سمي الدير بهذه التسمية لنقل رفاة القديسة سانتا كاترينا من الكنيسة في قمة جبل يحمل اسمها وهو اعلى جبل في شبه جزيرة سيناء ويبعد عن الدير مسافة خمس ساعات على الاقدام في طريق ضيقة مبنية من 1700 درجة منحوتة بالصخر. ومنه يمكن للزائر ان يرى المشهد العجيب للبحر الاحمر بخليجيه من الشمال والجنوب. وبجواره يقع جبل سيناء او جبل موسى على ارتفاع 2240 مترا، ويبعد عن الدير مسافة ساعتين مشيا على الاقدام، وفيه مغارة صغيرة دخلها كليم الله ومكث داخلها 40 نهارا و40 ليلة. أما القديسة كاترينا فقد ولدت في الاسكندرية عام 194 ميلادية لاسرة ارستوقراطية وثنية، وتلقت علوم الفلسفة والخطابة والشعر والموسيقا والرياضيات والطبيعة في مدارس مختلفة، وقد جعل منها جمالها الفتان وثقافتها المدهشة واخلاقها الفضيلة- كما تؤكد المراجع- عروسا يطلب يدها الجميع ولكنها رفضت جميع العروض، الى ان عرفها احد النساك بالعروس الحقيقية للنفوس، فاعتمدت ودعيت كاترينا اي “الاكليل” بعد ان اعترفت بايمانها بالمسيح وفشل الامبراطور ماكسيميانوس في ثنيها عن دينها بواسطة 50 خطيبا ارسلهم اليها من ارجاء امبراطوريته. بعد مرور ثلاثة قرون بان رفاتها ونقل في صندوق رخامي من قبل رهبان الدير الذي بات يعرف باسمها.