روسيا
تخطط لبرنامج فضائي جديد
يرتبط اسم روسيا ليس فقط كقوة رائدة في مجال غزو الفضاء بعدد الرحلات الكونية
الناجحة وإنما بقدرتها على التخطيط البعيد المدى لخطواتها المستقبلية في هذا
المجال.
عرف عن البرنامج الفضائي الروسي
قدرته على التنافس في كل الميادين فالمجابهة السياسية في مجال الفضاء الكوني في
روسيا تحولت هي الأخرى إلى منافسة اقتصادية وفي هذه الأثناء تدعو وكالة الفضاء
الفيدرالية الروسية لاتخاذ موقف متزن بدقة من تجسيد الخطط الفضائية الوطنية على
هذا النحو وصف مدير وكالة الفضاء الروسية اناتولي برمينوف اتجاه تطور الملاحة
الفضائية الوطنية.
هذا بالذات ما نشهده اليوم
والمقصود هو الشروع في إجراء التجارب الحية للنماذج المستقبلية من الصواريخ
الحاملة والمركبات الكونية بالإضافة إلى مواصلة تطوير الجديد منها وهو عنصر
مكون رئيسي للبرنامج الفضائي القومي الروسي للعقود القريبة المقبلة ويدور
الحديث عن صاروخ حامل تحت اسم “سيوز-2- روسيا” من إنتاج مؤسسة “بروجريس”
للصواريخ الفضائية في مدينة سامارا يحتمل إطلاقه الأول في إطار برنامج
اختباراته التقنية في 29 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل وعن سفينة نقل متعددة
الاستعمال “كليبر” يدخل صنعها ضمن برنامج البحوث الكونية الفيدرالي للفترة من
أعوام 2005 - 2015.
الملاحة الكونية الروسية تقلب
اليوم صفحة جديدة في ملف تطورها ففي العام الحالي ينطلق برنامج فضائي فيدرالي
جديد لفترة تمتد إلى عام 2015.
والبرنامج قادر تماما على
المنافسة في جميع الميادين وفضلا عن ذلك تحولت المجابهة السياسية في المجال
الفضاء الكوني في روسيا اليوم إلى منافسة اقتصادية وتغدو الملاحة الفضائية
بالتالي جزءاً لا يتجزأ من القدرة الاقتصادية للدولة وتتبنى وزارة التنمية
الاقتصادية موقفاً متزناً ورصيناً من كل المبادرات وتدعو وكالة الفضاء فعلا
لاتخاذ موقف متزن ودقيق من تنفيذ الخطط الوطنية في مجال غزو الفضاء كذلك يتضمن
البرنامج الجديد جدولا مفصلا لمراحل تنفيذ المهام المطروحة والمثال على ذلك
الرحلات الكونية البعيدة خاصة تحضير البعثات المأهولة إلى القمر والمريخ.
من المعروف أن روسيا أنجزت بنجاح
العمل في مجمع “مير” المداري ثم بدأ العمل في المحطة المدارية الدولية وليس ذلك
أمراً عاديا اليوم، إذ تخطى برنامج المحطة المدارية الدولية حدود الدول الخمس
التي أسهمت في بنائها بحيث تشترك فيه اليوم 14 دولة الآن وهذا يعني أنها باتت
اليوم أكبر مشروع دولي مشترك أما من الناحية الفنية فتعتبر المحطة ساحة تدريب
فريدة من نوعها يجري فيها التمرن على تجميع محطات وأجهزة فضائية جديدة في
المدار مباشرة الأمر الذي لا مفر منه في إعداد طواقم البعثات القادمة إلى
الكواكب وفي هذه الحالة الملموسة يمكن الحديث عن إعداد البعثات إلى القمر
كمرحلة من مراحل دراسة كواكب المنظومة الشمسية وقد تعقبها بل توازيها مرحلة
تحضير البعثة إلى المريخ.
ويعتقد الخبراء الفضائيون بأنه
ينبغي البدء بالذات من إطلاق أجهزة آلية على شكل محطات توجهها الروبوتات ومن
الممكن تجميع مثل هذه المحطات على الأرض وإطلاقها من المنصات الأرضية ولكنه من
المرجح أن يتم ذلك في المدار الأرضي وفقط بعد استكشاف عدد كاف من مثل هذه
الأجهزة سطح المريخ وتوفير كل المعلومات اللازمة يمكن البدء بتحضير الرحلة
المأهولة مع عدم جواز الاستخفاف بالمخاطر التي تواكب الرحلات الكونية ولذلك
يعار الاهتمام الكبير إلى الأعمال الأرضية الخاصة بتحضير الرحلات الكونية
البعيدة ففي العام المقبل تنطلق تجربة منقطعة النظير تسمى “مارس/ اذار - 500”
من شأنها أن تحاكي في ظروف الأرض الظروف الواقعية للرحلة إلى الكوكب الأحمر
وكان من المزمع في البداية أن تستمر التجربة 500 يوم ولكننا نظن اليوم أنه يمكن
تمديدها إلى 700 يوم.
ويثير قلق الوكالة الاتحادية
الروسية مسألة تعزيز أسطول الأقمار الصناعية الوطنية كما ونوعا وكل الخطوات
التي تتخذها الآن تستهدف إما تنفيذ برامج الرحلات المأهولة أو استخدام الأقمار
الصناعية لأنه قد تفقد صناعة بناء الصواريخ الوطنية كل معناها ولذلك ينص
البرنامج الفضائي الجديد على تطوير الأقمار الصناعية الوطنية وزيادة عددها ولا
تزال الأرصاد الجوية من الفضاء تمثل أضعف نقطة في مشاريع روسيا التي تعتزم مع
حلول عام 2008 إطلاق أربعة أقمار صناعية للأرصاد الجوية والتخطيط أيضا لزيادة
عدد الأقمار الصناعية المنضمة إلى شبكة “جلوناس” المزدوجة الأغراض للملاحة
العالمية إلى 18 قمرا مع حلول عام 2007 لكي تتمكن من نشر هذه الشبكة بكامل
حجمها وبكل أقمارها ال24 اضافة إلى استكمال بناء أسطول الأقمار الصناعية الوطني
من حيث المبدأ مع حلول عام 2015 وحينئذ ستتمكن لا من تقديم التقارير - وان
احتلت روسيا المرتبة الأولى من حيث عمليات إطلاق الصواريخ الوطنية التي تحمل
الأقمار الأجنبية - فحسب بل ومن احتلال المركز الأول فعلا من حيث عدد عمليات
الإطلاق ومن حيث عدد الأقمار الصناعية الوطنية ومن شأن هذا الإنجاز أن يرفع وزن
روسيا في سوق خدمات الإطلاق العالمية بالإضافة إلى توسيع مسميات الأجهزة التي
تطلق إلى الفضاء.
تحديث
ومنذ 60 عاما وروسيا حتى الآونة
الأخيرة تطلق كل أجهزتها الفضائية إلى المدار بواسطة صاروخ “سويوز” من الفئة
المتوسطة ونقل هذا الصاروخ إلى المدار أول قمر صناعي للأرض ومنذ 53 عاما - أول
سفينة فضاء مأهولة في التاريخ تحمل على متنها يوري جاجارين وتعرض هذا الصاروخ
خلال الفترة المنصرمة لثماني عمليات تحديث ومع ذلك فقد صرح فاليري كابيتونوف
نائب كبير المصممين في مؤسسة “بروجريس” في أوائل سبتمبر/ أيلول الماضي: أدركنا
منذ 15 عاما ضرورة التحديث الجذري لصاروخ “سويوز” طبقا لمتطلبات العصر.
بيد أن صاروخ “سويوز-2- روسيا”
الآنف الذكر على الرغم من تشابهه الظاهري مع سابقه يعتبر صاروخا جديدا مبدئيا
اذ ازدادت حمولته بمقدار 700 كجم وهذا يعني أن الصاروخ سيستطيع أن ينقل إلى
المدار الأرضي نحو 11 طنا من الحمل النافع فيما تزداد حمولته بعد تجهيز مرحلته
الثالثة بمحركات جديدة تصنع في مدينة فورونيج بنحو، نصف طن. وكذلك يتميز بأن كل
مكوناته تصنع في روسيا.
وتقدمت جهة لم تحددها مصادر
الوكالة الفضائية الاتحادية بطلب صنع هذا الصاروخ الذي تتيح حمولته الكبيرة
لروسيا تحقيق واحد من أكبر المشاريع الفضائية التجارية الدولية في سوق خدمات
الإطلاق هو إطلاق الصاروخ الحامل من مطار “كورو” الفضائي الاستوائي التابع
لوكالة الفضاء الأوروبية الذي يقع في جويانا الفرنسية وتم التوصل إلى اتفاق
بهذا الصدد في مايو/ آيار من العام الماضي في إطار المجلس الوزاري للدول
الأعضاء في وكالة الفضاء الأوروبية وتقدر قيمة المشروع إجمالا ب344 مليون يورو.
وتعول روسيا على مشاركتها في
مشروع “سويوز - كورو” لأنها ستتمكن من ملء الفراغ في السوق العالمية لعمليات
الإطلاق الفضائية لأن أوروبا تفتقر اليوم إلى صواريخ من الفئة المتوسطة (من
قبيل صاروخ “سويوز” الحالي الروسي) أما عمليات الإطلاق من مطار “كورو” الفضائي
فستسمح لروسيا بزيادة ثلاثة أضعاف حمولة صواريخها إذ يستطيع كل واحد منها أن
ينقل إلى المدار الثابت بالنسبة للأرض لا 5,1 طن من الحمل النافع كما هو الحال
أثناء الإطلاق من مطار “بايكونور” الواقع في كازاخستان وإنما 4 أطنان لكون
منطقة الإطلاق في “كورو” أقرب الى خط الاستواء. كذلك يعتبر فاليري كابيتونوف
أنه من الأهمية أيضا معروف أن الصاروخ الجديد مزود بأحدث نظام رقمي للقيادة مما
يتيح زيادة دقة إيصال الأجهزة الفضائية إلى النقطة المقررة في المدار الثابت
بمقدار عشرة أضعاف فضلا عن ذلك يتيح نظام القيادة الجديد زيادة حجم الواقية
الأمامية للصاروخ بحيث يزداد طولها من 7,7 متر إلى 4,11 متر وقطرها من 7,3 متر
إلى 1,4 متر وهذا يعني أنه يمكن وبشكل ملحوظ زيادة كتلة الحمل النافع التي يكلف
إطلاق الكيلوجرام الواحد منها في السوق العالمية نحو 30 ألف دولار.
ويتطلب الصاروخ الحامل الجديد
عددا أقل بكثير من العاملين لإعداده للإطلاق فإذا كانت أعمال التحضير لإطلاق
الصاروخ تتطلب اليوم جهود نحو 70 شخصا فإن “سويوز-2- روسيا” لا يتطلب سوى 15 أو
20 شخصا على الأكثر أما خدمة نظام قيادته فلا تتطلب سوى جهود شخصين بدلا من 40
شخصا اضافة إلى إمكانية استخدام الصاروخ بالذات لإطلاق السفينة المأهولة
المتعددة الاستعمال المستقبلية المسماة “كليبر” التي يستكمل صنعها بعد 5 سنوات
على أقل تقدير.
وتبلغ كتلة “كليبر” نحو 5,14 طن
وبإمكان هذه السفينة الفضائية أن تعمل ملتحمة بالمحطة المدارية الدولية مدة سنة
تقريبا أو أن تحلق تحليقا مستقلا يستغرق 15 يوما لأغراض البحوث الكونية أو نقل
السياح علما بأن هذه المركبة قادرة على تنفيذ 25 عملية هبوط من المدار ويعتبر
بوريس سوتنيكوف مصمم هذه المركبة في مؤسسة “أنيرجيا” أنها تجمع بين أفضليات
سفينة “سويوز” المأهولة المجربة التي تستخدمها اليوم الأطقم الروسية -
الأمريكية ومكوك “بوران” الروسي الذي لم ينضم للأسف الشديد إلى أسطول المركبات
الكونية الروسية واقتبست مركبة “كليبر” من “بوران” غشاءها الواقي ونظام الملاحة
مع أنها أخف وزنا من “بوران”.
وتتميز “كليبر” عن “سويوز”
الحالية بقدرتها على المناورة في المدار كما أنها تستطيع أن تقل 6 أشخاص
بالإضافة إلى 700 كيلوجرام من الشحنات مقابل 3 أشخاص و300 كيلوجرام حاليا
ويميزها أيضا قدر أكبر من الأمان والراحة والعامل الرئيسي المميز أنها شاملة
الأغراض مما يتيح استخدامها لا لتغيير أطقم المحطة المدارية أو إجلائها في حالة
الحاجة ولكن كعنصر مكون للبعثات إلى الكواكب الأخرى وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن
النظام المتكون من الصاروخ الحامل “سويوز-2- روسيا” ومركبة “كليبر” الفضائية لن
يعرف نظيرا له في العالم بأسره خلال العشرين سنة المقبلة.