www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

رائحة المطر

قصة بقلم : محاسن سبع العرب

عن دار الخليج الإماراتية

    رائحة الارض بعد سقوط المطر تُغريني منذ الصغر، وتذكرني بصرخات أمي التي لا تتوقف إلا بتوقف المطر. مر ذلك الطيف في مخيلتي بعد سقوط المطر في ظهر ذلك اليوم الربيعي الجميل، لم يستمر انهمار المطر سوى نصف ساعة ولكنها كانت كافية لإرواء الارض.

كنت أقف خلف النافذة في مقر عملي وأتابع قطرات الماء وهي تصطدم بالارض وبزجاج النافذة محدثة لحنا لم أسمع مثله قط. وجّهت بصري الى السماء لأبحث عن جواب لأسئلة تراودني منذ كنت طفلاً ولم أعثر على الجواب حتى هذه اللحظة، أو بالأحرى، انا من تعمدت ان تبقى أسئلتي بلا اجوبة، لأن بعض الاشياء تكون اكثر متعة وإثارة عندما تكون مجهولة وغامضة.

عاد صوت امي يتسلل عبر ثقوب أحدثها المطر في ذاكرتي ليصل الى اذني قويا وكأنها تتحدث في التو واللحظة. “انظروا من خلف النافذة فقط”، “اياكم ان تتبلل ثيابكم، ستصابون بالزكام”. كنت الوحيد من بين اخوتي الذي أغافلها وافتح النافذة لألمس قطرات المطر بيدي وكم كنت استمتع بذلك وكأن ملمس ماء السماء - كما كنت اسميه - يختلف عن ملمس ماء الارض، وكانت تقطع عليَّ تلك اللذة (فركة) لأذني تنسيني كل ما شعرت به من متعة منذ لحظات، يتبع ذلك صوت خافت منها يقول: “لا نملك اجرة الطبيب إن أصبت بالزكام”، يساورني الشك الآن بأنها كانت تخاف اجرة الطبيب اكثر  من خوفها على صحتي، ابتسمت لهذا الخاطر - او لهذا الاكتشاف - الذي اكتشفته بعد هذه السنين.

أخرجني من بوتقة ذكرياتي تلك صوت زميل لي يُعلمني بانتهاء وقت العمل.

رائحة الارض تغريني.. تجذبني رغما عني.. لم استطع المقاومة كثيراً، لذلك قررت السير على قدمي حتى اصل الى المنزل، لحسن الحظ ان المسافة ليست طويلة. كانت بعض قطرات متفرقة من المطر تسقط على جسدي بين الحين والآخر، ثم أقدمت على فعل شيء لم أفعله منذ سنين، رفعت وجهي الى السماء وفتحت فمي على آخره عسى ان تسقط فيه بضع قطرات من الماء، وبقيت سائراً على هذه الحال لفترة قصيرة ولما لم افلح في التقاط اي منها، أحجمت. لا ادري لمَ سيطر عليَّ في ذلك اليوم الشعور بأنني عدت طفلا، جميع الافكار التي راودتني، والحركات التي قمت بها، وحتى الألحان التي كنت أدندن بها وانا امشي كنت قد استحضرتها من ايام طفولتي.

وصلت الى مدخل الحي الذي أقطن فيه وبدأت الارض الطينية تلوح لي من البعيد ورائحتها تزكم أنفي وتخلتط بأنفاسي. كانت الطريق ما زالت تحتفظ بتجمعات (وبِرَكٍ) من المياه - أو من الوحل - ولكنه ماء مطر، ولماء المطر عندي لذة لا تُضاهيها لذة. بدأت الارض الطينية تلوح امامي وبدأت فكرة مجنونة تلوح في مخيلتي، وشعرت بالنشوة لمجرد ان خطرت تلك الفكرة على بالي، فكيف بتنفيذها..

توقفت على قارعة الطريق، وتأبطت حقيبة كنت أحملها، وانحنيت فوق قدمي لأخلع منهما الحذاء، حملت الحذاء وقررت ان امشي حافيا على هذه الارض المبللة بالمطر، وان اخوض غمار كل تلك البرك وتجمعات المياه التي تنتشر على الطريق، قررت ان املأ رئتي من رائحة الارض، من رائحة المطر، قررت ان امد يدي لألمس قطرات المطر، قررت ألا استمع لصرخات امي التي تلح على ذاكرتي، كانت التربة باردة لذيذة مما أشعرني بالارتياح. كنت في البداية حذراً من ان تتسخ ثيابي بالوحل، ولكنني امام اول بركة ماء سقط حذري وتلاشت مقاومتي وضعفت ارادتي.

وجازفت.. دخلت بقدمي العاريتين الى الماء، اخذت ارفع قدما وانزل اخرى، وكأنني لا أصدق انني انا من يفعل ذلك، احساس جميل ان تصطدم قدماك بالماء ويتناثر بعضه من حولك، شعور رائع ان تمشي على ارض طرية لينة، وان تترك الطين يتسلل من بين اصابعك، من الممتع ان تشعر بأنك حر لا تتلقى اوامر، انك تستطيع ان تفعل ما تشاء وحينما تشاء، ان تشعر بأنك بلا قيود. اخذت أرشق المياه بقدمي وكأنني ألاعب نفسي، والغبطة تملأ وجداني. مكثت في البركة الاولى قليلاً ولكن بركة اخرى نادتني، كانت اكبر وأعمق، وصل الماء الى ما تحت ركبتي، وتبللت ثيابي ولم أعر الامر اهتماما لأني كنت سعيدا لدرجة انني لم أشأ ان يعكر صفو سعادتي شيء وشعرت بأنني طفل، وانا افتقد هذا الشعور منذ زمن. قد يتمنى الانسان ان يعيش في فترة فائتة من حياته مرة اخرى ربما لانها الأجمل. استمررت بالتنقل من بركة الى اخرى حتى وجدت نفسي امام المنزل.

كان الشعور بالفرحة يتملكني لدرجة انني لم افكر بإخراج المفتاح من جيبي، وضعت يدي على الجرس وضغطت عليه بعبث طفولي، ثم ظهر وجه زوجتي من خلف الباب.

نظرات غريبة وكثيرة وجهتها اليّ، لم أفهم كنه واحدة منها. ولكني عرفت ماذا كانت تقصد بنظراتها تلك بعد ان قالت لي وهي تجذبني من يدي الى الداخل كطفل ينتظر العقاب: كان ينقصني عفريت آخر.