www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

 

 أصل المشكلة

 قصة قصيرة بقلم : جهاد يعقوب
 

               كان يجلس في بيته وحيدا يعاني من أزمة نفسية حادة .. ولعل وحدته تلك جعلته يحس وكأنه يقضي فترة حكم في حبس انفرادي ، كان الصمت يلف كل شيء داخل منزله المطل على البحر وخضرة الجبل ، حتى أن أوراق شجرة الكرز راحت تتدلى بتراخ على حفافي الشرفة دون أن يصدر عنها أي حفيف يدل على أنها قد استجابت لمداعبة الريح . وأرخى لنفسه العنان في التفكير والتأمل .. غير أن أفكاره ظلت تنشد إلى شيء واحد دون سواه .. الإنسان ، هذا المخلوق العجيب .. ما أتفه قيمته في هذا الزمن .. فطالما تدنت قيمته المادية إلى الأقل بكثير عن قيمة العديد من السلع الاستهلاكية والكمالية التي تقع عليها العين في كل يوم ، ورغم أن هذه السلع قد تتفاوت في قيمتها وفق قانون العرض والطلب ألا أن قيمة الإنسان ظلت ثابتة في أنحاء كثيرة دون أن تتغير ، فالعالم والجاهل في بلادنا سواء ، ببضعة قروش يمكنك أن تنهي حياة أيهما دون خضوع لأي قانون ، تلك هي قيمة الإنسان في بلادنا .. ما أوفرها وما أرخصها من سلعة ، في الوقت الذي نجد فيه الغرب يقيم الدنيا ويقعدها لصرع أو جرح واحد من رعاياه ، .. لم يستطع أن يتابع سرحاته تلك إلى نهاية الطريق ، أفاق منها مذهولا على هول الحقيقة ، فعاوده الضيق والضجر من جديد ، لذلك نهض من مكانه وتوجه إلى الشرفة .. غير أن رنين جرس الباب جعله يستدير فجأة نحو مصدر الصوت ، وفتح الباب بتثاقل ملحوظ ، وما أن وقعت عيناه على الرجل القادم حتى هتف بنبرة مشحونة باللهفة ..
_
أهلا بك يا دكتور محمد
، ولم يدعه يكمل حديث الترحيب به بل تقدم منه خطوة وجذبه من يديه وهو يقول :- هيا بنا يا حسن .. ألم تمل من هذه الخلوة يا رجل ؟ أم تنتظر هبوط الوحي عليك !؟
أرسل حسن لصديقه ابتسامة مصطنعة ثم أجاب :
_
إلى أين
_
إلى رأس الجبل ، وأشار بيده إلى عدد من المنتزهات الغارقة في الخضرة ، وتابع قائلا :- لقد عن ببالي أن أذهب إلى هناك لإلقاء نظرة وداع على هذا البلد قبل أن يحترق وتلتهمه النيران ، ..
..
تناول حسن المفتاح وأداره في ثقب ألغال وهو يقطع حديث الدكتور محمد قائلا :- أراك اليوم متشائما يا أخي .. ،
ثم أردف الدكتور محمد وهو يولي ظهره لحسن ويعود نحو سيارته قائلا :-
_
تلك هي الحقيقة التي سيصحو عليها الجميع بعد فترة وجيزة .. سأسافر قريبا للعمل في الجزائر ، وما عليك إلا أن تتذكر كلامي هذا ..،
وانطلقت بهما السيارة تصعد الجبل في طريق يتلوى كالأفعى ، ولم يلبثا أن توقفا أمام أحد المنتزهات ، ووقع اختيارهما على مائدة تقوم في احد أركان المنتزه ، ومن مكانهما ذاك كان في مقدورهما أن يمعنا النظر في القرى الجبلية المتناثرة بين الغابات الكثيفة التي تملأ سفح الجبل المنحدر نحو الشطئان الضيقة ، والى جانبهما كانت تجثم مائدة أخرى جلس من حولها رجل وسيم لا يتجاوز العقد الثالث من العمر وسيدة أنيقة راحت تداعب طفلا لم تزد سنه عن السنتين وفتاة جميلة تدار إليها الرؤوس لم تزد عن الثمانية عشر ربيعا .. وكان مظهرها آنذاك يدل على أنها شقيقة أحد الزوجين المتقابلين ، حيث انصرف ثلاثتهم لمداعبة الطفل وملاعبته ،
أما هما فقد كانا يجلسان بخشوع مطبق لا يقطعه سوى قرقعة النارجيلة هذه أو تلك وقد أخذ أحدهما نفسا طويلة ، وحفلت المائدتان المتجاورتان بصنوف مختلفة من الطعام ، وأقبلا يلتهمان ما حوته المائدة بشهية ملحوظة .. غير أن أيديهما سرعان ما توقفت عن حركتهما الدائبة ، وراحت أعينهما تتجه بتساؤل نحو الفتاة التي جذبت مقعدها من حول المائدة إلى الوراء وهي تحمل الطفل وتداعبه .. بينما ظلت عيناها مشدودة إلى الأطباق التي حفلت بها المائدة ..،
تراجع الدكتور محمد إلى الوراء قليلا وهو يلتفت إلى الفتاة ، وما لبث أن بادرها الحديث قائلا :- عفوا يا أختي .. لماذا لم تقبلي على تناول الطعام ؟
أجابت الفتاة بصوت خافت مشوب بالألم والخوف
_
لا شيء
_
يبدو أنك تحبين هذا الطفل وتفضلينه عن نفسك ، أليس كذلك ؟
أطرقت الفتاة ولم تنبس ببنت شفة ..
، ثم عاد الدكتور محمد يسألها قائلا :
_
أيهما قريبك ، الرجل أم السيدة ؟
_
لا أحد منهما
_
فما صلتك بهما إذن ؟
_
أنا الخادمة
_
آه فهمت ، وأرسل من صدره زفرة حارة ثم تابع :- يمكنك أن تتناولي طعامك معنا إن شئت ،
_
شكرا لك ، ثم حدجت الرجل وزوجته بنظرة قاسية وعادت تقول:- لا أستطيع ذلك ..
_
ما اسمك ؟
_
سراب
_
ومن أين ؟
_
من العاصمة.. ولكن ! من أنت ومن أين ؟
_
إنسان مطرود من أرضه .. هه .. هه .. بل من كل الأرض ،
وعاد الدكتور وحسن يتابعان تناول الطعام بشيء من التوتر ، فقد أخذ الدم يجري في عروقهما حارا وسريعا ، وفجأة توقف الدكتور عن الطعام وألقى بكل شيء من يديه على المائدة .. وراح يرمق الفتاة وهي تقبل على تناول بقايا الأطعمة المتبقية في أطباق المائدة المجاورة بنظرات زائغة وأعصاب متوترة ، ولم يلبث أن عاد يلتفت إلى حسن قائلا :- قد تأت الحرب على كل شيء في هذا البلد ، ولكن لا أدري إن كانت ستذهب بهذا التمييز الحاصل بين الناس..
ابتسم حسن باستخفاف زائد ثم علق مقاطعا :
_
ليت هذه مشكلة الإنسان الوحيدة ، ما أكثر ما نشكوا ونعاني منه ، فتش عن أصل المشكلة .. تجد مشكلة الإنسان من الإنسان .