الفراعنة
كانوا
أذكياء
ومراقبين جيدين للسماء
سر بناء الأهرامات
اعداد:
محمد هاني عطوي
طبقا لرواية شبه موثوقة، يقال ان الفراعنة تعلموا الفلك والنجوم
على أيدي مخلوقات فضائية قدمت الى الارض قبل 12 ألف سنة! ووصلوا الى مستوى
يضاهي ما وصل اليه اينشتاين وكان الاغريق يثيرون الشكوك حول آباء الفلك الحديث
كفيثاغورس وايدوكس وسنيد وافلاطون، باعتبارهم نهلوا معارفهم من هذا العلم عن
طريق الفراعنة.
كما ان الاب مورييه صاحب الانتاج الغزير في علم الفلك المبسط
خلال البدايات الاولى للقرن العشرين، كان يعاني من الهوس الشديد إزاء كل ما
يتعلق بالآثار والمعارف المصرية، ولذا أسس علما يسمى علم الاهرامات، الى درجة
ان قراءه اصبحوا مهووسين بالهرم الاكبر الذي بناه الفرعون خوفو، وكانوا يقضون
معظم اوقاتهم في اجراء الحسابات المعقدة في علم الهندسة الى ان يصلوا الى ما
يبحثون عنه.
وبهذه الطريقة اكتشف الاب مورييه ان المصريين كانوا يعرفون
المسافة بين الارض والشمس، وقطر الارض وطول خطوط الطول والعرض الجغرافية، وكان
الفيلسوف والموسوعي روجيه كاراتيني يقول: “اعطوني عشرة ارقام وانا على استعداد
كي اجد لكم كل النسب الرياضية التي تحتاجونها”.
المعروف عن هذا الرجل انه ألف كتاب هجاء ينتقد فيه الهوس
بالعلوم المصرية سماه “الهوس بالعلوم المصرية كذبة كبرى” ومما قاله كاراتيني في
كتابه هذا: “ان علم النجوم المصري لم يرتق الى المستوى الذي بلغه علم النجوم
عند اهالي الرافدين” ويرى كاراتيني ان بلاد الرافدين المركز العلمي الوحيد الذي
ذاع صيته قبل العصر الهيليني.
وفي فترة الستينات ،1960 وضع كل من أوتو نيجبور المتخصص في
تاريخ العلوم القديمة وريتشارد باركر المتخصص في علم الآثار المصرية دراسة جادة
حول علم الفلك الفرعوني وتوصل الرجلان الى نتيجة مفادها حسب رأي نيجبور ان
المصريين لم يكتشفوا الا السنة الشمسية ذات ال 365 يوما. وكنتيجة لهذه الدراسة،
ابتعد الفلكيون عن دراسة علم الفلك الفرعوني بوصفه غير ذي اهمية في نظرهم،
ويشير خبير الآثار أود جرو دوبيلير الى ان غالبية المتخصصين في علم المصريات لا
يعرفون شيئا عن علم الفلك.
ويضيف جرو ان الفلكيين المصريين القدامى لم يكونوا على علم لا
بالرياضيات او بالهندسة، فهم لم يبحثوا في شكل العالم ولا في حساب الحركات
الحادثة فيه، ولذا فهم لم يهتموا الا قليلا بدراسة الكواكب السيارة، من ناحية
اخرى، نجد ان الفراعنة كانوا أذكياء ومراقبين جيدين للسماء ولهم طرق
منهجية واضحة في تقسيم اليوم الى 24 ساعة. كما كانوا يستخدمون النجوم
والمجموعات النجمية لتوجيه وضبط اتجاه الصروح والنصب التي يشيدونها اضافة الى
معرفة التوقيت اثناء الليل، ومن سوء الطالع ان المصريين القدماء لم يتركوا لنا
وثائق ترشدنا الى تلك المجموعات النجمية بل تركونا على ظمأ وفي حيرة تشبه
الحيرة التي تكمن في ابتسامة “أبي الهول”.
سر
بناء الاهرامات:
منذ فترة طويلة لم يكن متخصصو الاهرامات مقتنعين تماما ان هرم
خوفو الاكبر هو مجرد قبر فقط، بل قالوا بأن الصرح المميز ببنائه الشامخ
وبهندسته الدقيقة لابد وانه يخفي شيئا آخر غير قصة المومياء المعروفة التي ربما
لا تمثل الفرعون خوفو بحق.
وترى خبيرة المصريات ايزابيل فرانكو الاستاذة في معهد خوفو
والكلية التابعة لمتحف اللوفر بفرنسا، أن المصريين القدامى كانوا ينظرون الى
السماء والارض على هيئة مربع، فالسماء مثبتة او موضوعة حسبما يرون في جهات
الارض الاربع بأربع دعامات فعندما تكون الشمس في السمت وتسقط أشعتها عمودية على
جوانب الارض فإنها ترسم شكل هرم.
وحتى الآن لا تزال الطريقة التي كان المصريون القدماء يوجهون
بها الاهرامات مجهولة واحد الاسرار الكبرى في عملية بنائها، ويلاحظ ان طريقة
تخطيط الهرمين خفرع ومنقرع مع الاهرامات الصغيرة الثلاثة (سنفرو، هوني، ميريزع)
هي بالغة الدقة، الى درجة ان الفارق بين محاورها اقل من 30 دقيقة قوسية، ومن
هنا نرى ان هذه الدقة لا يمكن الحصول عليها الا باستخدام الطرق الفلكية
الهندسية التي لا يحدثنا المصريون القدماء عنها كثيرا، ويعتقد اخصائيو علم
المصريات ان الفراعنة كانوا يبحثون عن الشمال الجغرافي، فمنذ عهد الفرعون زوسر
صاحب أول اهرام في مصر، كانت النجوم التي تدور حول النجم القطبي، تعتبر طقسا من
الطقوس عند الفراعنة ولذا اطلقوا عليها النجوم السرمدية لأنها لا تغيب عن كبد
السماء وكانت حسب رأي الفراعنة قد وضعت بهذه الطريقة كي تستقبل الجزء المضيء
الخالد للفرعون بعد موته.
ويرى بعض العلماء ان طريقة توجيه الاهرامات لم تكن تعتمد على
زاوية المنصف، فمن خلال توجه هرم خوفو نلاحظ ان كل الزوايا تتباعد فيما بينها،
نحو الوجهة الشمالية الجنوبية، ويؤكد هؤلاء انه عند النظر الى هذا الفارق في
التباعد الزاوي عن كثب، نلاحظ ان ذلك الفارق يزداد تدريجيا عبر الزمن وبما يرجع
ذلك الى مسألة مبادرة الاعتدالين الناتجة عن الحركة البطيئة لمحور الارض
فالمنطقة التي يتجه اليها محور الارض الوهمي هو نفسه القطب الشمالي السماوي
الذي نجد عنده اتجاه الشمال بالضبط، والمعلوم ان هذا المحور يقطع دائرة كبرى
بين النجوم خلال 26 الف سنة، واليوم هو بالقرب من النجم القطبي في كوكبة الدب
الاصغر، ومن المتوقع ان يصبح اتجاه محور الارض خلال الاثنا عشر ألف سنة المقبلة
قريبا من النجم فيجا (النجم الواقع في كوكبة الشليات).
يذكر ان محور الارض كان يتجه قبل 4000 سنة نحو نجم الثعبان في
كوكبة التنين القريبة بدورها من النجم القطبي، ومن هنا يرى العلماء ان اتجاه
الشمال في القبة السماوية ليس ثابت المكان فالنجم نفسه الذي يمكن رصده في فترة
معينة يصبح في مكان آخر بعد مئات السنين.
وطبقا لما تقوله كات سبينس المتخصصة في علم الآثار المصرية، في
جامعة كامبريدج، فإن المصريين كانوا قد استخدموا النجمين الكوكب في كوكبة الدب
الاصغر وميزار في كوكبة الدب الاكبر حيث فقد النجم (الثعبان) اتجاه الشمال في
الفترة التي عاش فيها الفرعون خوفو، واكتشفت سبينس انه في العام (2467 ق.م)
وعندما كان الخط الوهمي الذي يربط بين هذين النجمين عموديا، فإنه كان يمر عبر
القطب الشمالي السماوي.
وتعتقد سبينس ان الفراعنة كانوا قد رصدوا هذه الظاهرة باستخدام
اسلاك الرصاص اثناء بناء الهرم خوفو، لكن يبدو ان هذه المصادفة قد تلاشت
بفعل ظاهرة مبادرة الاعتدالين، فعلى مر الازمان اخذ القطب يبتعد عن الخط
العمودي المكون بين النجمين (الكوكب وميزار) لكن المصريين استمروا مع ذلك
برصده، وهذا ما يفسر لنا التحول التدريجي لمحاور عدد معين من الاهرامات، ويمكن
الخروج من هذا التفصيل بنتيجة مفادها طبقا لفرضية الباحثة سبينس ان عمر هرم
خوفو اقل مما هو عليه الآن، الا ان مسألة التأريخ المصري القديم لم تزل موضوع
دراسة مستفيضة حتى الآن ولم يتم البت بأمرها بعد.
ويرى ايريك اوبورج الخبير الفيزيائي الفلكي في مركز الطاقة
الذرية الاوروبية والمولع بمصر القديمة وبحضارتها ان فرضية الباحثة سبينس صعبة
التصديق. فطبقا لكات سبينس تم توجيه هرم زوسر (خوفو) حسب تلك التقنية فهو غير
موجه بالطريقة الصحيحة مما يعني ان المصريين القدماء استخدموا النجمين (ميزار
والكوكب) قبل ان يشيرا الى اتجاه الشمال، وكان أوبورج قد درس حالة الهرم
أبورواخ المائل بمعدل 48 دقيقة قوسية بالنسبة لاتجاه الشمال، ويرى أوبورج ان
هذا الميلان كبير جدا بالنسبة لاتجاه الهرمين خوفو وخفرع علما بأنه من المفترض
ان يقع بينهما من الناحية التاريخية (الزمنية). من جهتها تقول كارين جادرية
المتخصصة في علم الفيزياء الفلكية والفلك المصري ان الفراعنة ربما كانوا قد
استخدموا نجوما استوائية، فبدلا من ان تشير هذه النجوم الى اتجاه الشمال، فإنها
تعطينا اتجاه الشرق والغرب بالضبط عند شروقها وغروبها، كما انها تخضع لظاهرة
مبادرة الاعتدالين، بمعنى ان اتجاهها يبتعد مع مرور الوقت عن محور الشرق -
الغرب، كما انها سهلة الرصد مقارنة مع نجمي الكوكب وميزار، ومرتفعة عن الافق
وتعطينا نتائج دقيقة، وثمة ثلاثة نجوم توضح لنا التغيرات المصاحبة لطريقة
اصطفاف الاهرامات وهي ألفا الحمل وجرافياس العقرب، وأيتا (حامل الحية).
وتعتقد كارين ان المصريين القدماء لم يكونوا ملزمين بتوجيه
أهراماتهم باستخدام نجم واحد فقط خلال آلاف السنين بل كانوا يغيرون ذلك حسبما
تقتضيه طريقة بناء تلك الصروح، وطالما ان طريقة البناء تتغير فلماذا لا تتغير
معها طريقة التوجه الفلكية؟!
وكان المصريون يوجهون معابدهم وصروحهم بعناية فائقة وكانوا
يقررون توجيه محاورها يوم تأسيسها وذلك خلال احتفال يسمى شد الحبل. فأبو الهول
مثلا ينظر مباشرة الى الشمس عند شروقها من جهة الشرق تماما وذلك ايام
الاعتدالين الخريفي والربيعي، كما ان المحور الشرقي - الغربي لمعبد حاثور في
دنديرا القريبة من الكرنك يتجه نحو الوجهة التي كان يرجع منها ظهور النجم سيروس
(الشعرى اليمنية) قبل شروق الشمس بقليل، في السادس عشر من يوليو/ تموز في السنة
54 قبل الميلاد.
وكان خبير الآثار المصرية الباحث لوك جابولد في المركز الفرنسي
المصري للدراسات المتعلقة بمعابد الكرنك وأحد هواة علم الفلك، قد درس عن كثب
معبد (آمون - رع) في الكرنك. والمعروف ان هذا المعبد قد اقامه الفرعون سيوستريس
الاول فوق معبد اقدم منه كان موجودا في نفس المكان بعد ان تم هدمه كليا وقد جمع
هذا الفرعون حوله مستشاريه واعلن لهم اتخاذه لقرار بناء المعبد في السنة
العاشرة من حكمه، وذلك في اليوم الرابع والعشرين من الشهر الرابع من موسم
(بيريت) او البذر. ولقد بحث لوك جابولد عن تاريخ هذا الاجتماع وكانت لديه اشارة
على ذلك تتمثل في شروق سيروس المصاحب للشمس الذي حدث في 17 يوليو/ تموز من
العام 1866 قبل الميلاد والذي يمثل اليوم السادس عشر من الشهر الرابع لموسم
البذر في السنة السابعة من حكم الفرعون سيوستريس الثالث.
وبعد حسابات مستفيضة تتعلق بالفترة الزمنية لتلك الآونة، استنتج
لوك ان الفرعون سيوستريس الاول اجتمع مع مستشاريه في السابع والعشرين من يوليو/
تموز من السنة 1946 قبل الميلاد، ولقد جاء تأسيس المعبد واحتفال شد الحبل فيما
بعد، والملاحظ ان بناء المعبد بهذا الشكل انما كان عن قصد، ولذا استنتج لوك
جابولد ان المعبد بني طبقا لاتجاه شروق الشمس عند الانقلاب الشتوي (21 كانون
الاول) وقد تحقق جابولد من ذلك بعد ان وضع نفسه في نفس الظروف التي كان
المصريون يأخذونها بالاعتبار خلال عمليات رصدهم، وخروج جابولد بنتيجة مفادها ان
معبد آمون - رع شيد بالضبط في 20 ديسمبر/ كانون الاول من العام 1946 قبل
الميلاد على حد قول جابولد، ويؤكد لوك ان المصريين كانوا يوجهون معابدهم
وصروحهم الدينية والجنائزية بالتزامن مع الدورات الكونية والميثولوجية الكبرى.
وكان المصريون يسمون المكان الذي يوجد فيه تمثال الآلهة (ناؤوس) اي افق السماء،
والواقع ان هذا المكان يمثل النقطة التي يشرف منها او يختفي نجم ما، ونقطة
الاتصال بين عالم السماء وعالم البشر.
والمعروف عن المصريين ان حياتهم كانت تعتمد على فيضان النيل فكل
سنة كان النهر يفيض في نفس الفترة ويطرح الطمي في الحقول لتحويلها الى حقول
خصبة صالحة للزراعة ولولاه لكانت الزراعة مستحيلة في بلد مثل مصر. وكانت دورة
فيضان النيل مرتبطة بدورات اخرى كدورة النجم سيروس الذي كان شروقه يدل على قرب
فيضان النيل، ودورة الشمس التي يحدد شروقها اليومي تتابع الايام والفصول، اضافة
الى ارتباطها بالبذرة الهامدة المزروعة في الارض التي يخرج منها الحصاد، واخيرا
ترتبط الدورة بالحياة والموت والملاحظ ان هذه الدورات موجودة بشكل كلي في
الديانة والميثولوجيا المصرية، حيث تجسد الطريقة المثالية لتصرفات الإله رع.
وتقول متخصصة علم الآثار المصرية ايزابيل فرانكو ان ثمة ثلاثة
مبادئ تتراكب فوق بعضها البعض في عقلية الفراعنة، عالم الآلهة حيث يخيم النظام
التام والكمال، وعالم الواقع حيث تخيم الفوضى وعدم الكمال، وعالم وسطي وهو
عبارة عن محاولة لاعادة تشكيل حالة الكمال عند عالم الآلهة على الارض، ولا شك
ان توجيه الاهرامات والمعابد الفرعونية الاخرى هو جزء من هذه المحاولة.
نجم الشعرى والنيل والتقويم:
كانت السنة عند الفراعنة تعادل 365 يوما بالضبط وكانت مقسمة
الى ثلاثة فصول (shemou,
peret, akhet)
التي تعني (الفيضان، والبذر، والحصاد)، وكل واحدة من هذه المراحل تتكون من 4
أشهر وكل شهر يعادل 30 يوما، مرقمة من 1 -12 ومقسمة الى 3 عقود كل عقد يساوي 10
أيام ويطلق على الايام الخمسة الاخيرة من السنة ايام ولادة الآلهة (آوزيريس،
وحورس، وست، ونفيس).
ولتأريخ حدث معين، كان المصريون يعطون سنة حكم الفرعون الجالس
على العرش، اضافة الى الفصل ورقم الشهر والعشرية (1 - 36) ورتبة اليوم، ويعتقد
بعض المفكرين ان المصريين ثبتوا طول سنتهم بناء على الدورة السنوية للنجم سيروس
(الشعرى اليمانية) الواقع في كوكبة الكلب الاكبر وكان شروق هذا النجم التابع في
سيره لشروق الشمس، يتم في 18 يوليو/ تموز كل 365 يوما على وجه التقريب.
وكان هذا الظهور الجديد للنجم قبل شروق الشمس يأتي بعد فترة
غياب تمتد الى 70 يوما، إيذانا بحدوث الفيضان وعودة الآلهة حاثور ابنة الإله رع
(الشمس) وتقول الاسطورة ان رع إله الشمس عندما كان يحكم الارض، ثار الناس ضده
ولذا أرسل لهم ابنته حاثور على هيئة لبؤة تسمى سخمت، وقامت هذه الالهة بتخريب
البلاد وقتل من تمكنت من قتله، وتجسد سخمت الفترة من السنة التي يكون نهر النيل
فيها في اقل مستوى له حيث تغلب على الجو الحرارة.
وتضيف الاسطورة ان رع ندم على فعلته وألقى في الصحراء جعة حمراء
تظهر على نهر النيل اثناء فترة فيضانه، واعتقدت (سخمت) ان تلك الجعة كانت دما
فسكرت، وهدأت وعادت حاثور مرة ثانية لتمثل هذه المرة إلهة الحب، وعند عودتها
فاض النيل، وقد كان هذا الحدث بالنسبة للمصريين حدثا مهما خاصة وانهم كانوا
يرصدون بقلق وخوف عودة ظهور النجم سيروس وقد توافق ظهور النجم مع أول يوم من
السنة المصرية الموافق للعام 2781 قبل الميلاد وهو التاريخ الذي يعتقد ان
المصريين قد تبنوه لتقويمهم، المعروف ان السنة المصرية قصيرة جدا بالنسبة لدورة
الشمس والتي تبلغ 365،25 يوم، وقد كان شروق سيروس المصاحب للشمس يتأخر يوما كل
4 سنوات.