www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

 

القِرش الوحيد

قصة بقلم :  د. أحمد المنزلاوي

عن موقع القصة العربية

www.arabicstory.net

           جلس الشيخ الكبير، يراقب حال حفيده الصغير، ينتظر فرج الله و رحمته، والدموع تجرى من عينيه في صمت، إلى وجه الطيب، و لحيته البيضاء. و الحمى تنهش البدن الضعيف الواهن، كأنها ذئب جائع شرس، أنقض على حمل رضيع وديع.

كان صدر الصغير يعلو و يهبط، و فمه ينطق بآهات لا تنتهي، و هو غائب عن الوعي، لا يدرى من أمره شيئا.

بذل الشيخ عبد الرحمن جهدا يفوق قدرته و احتماله، في هذه السن المتقدمة.قضى الليل بطوله يرعى حفيده المريض، ويعالجه بالماء البارد على رأسه و جبهته، وبعض الوصفات الشعبية، والمشروبات الدافئة. لكن الحمى لم ترحم، ولم ترحل، بل ازدادت ضراوة و وحشية، كأنها نار اشتعلت في الهشيم، في يوم من أيام الصيف الحارقة، في شهر أغسطس.

وما أدراك ما أغسطس، شهر الفقر و البؤس و الحاجة، يختفي فيه القرش، أو يصبح عزيز المنال، نادرا ندرة الماء في الصحراء الجرداء. فيه يستدين الفلاحون من المرابين، في انتظار موسم جنى القطن، بعد شهر طويل. و يتناقص مخزون الأرز أو ينتهي، و يعيش أهل القرية على خبز القمح و الذرة، حتى يصل المحصول الجديد.

ماذا يفعل الشيخ في هذا الموقف الصعب العصيب، مات ابنه الوحيد، و ترك ثلاثة أطفال ـ بنتا و ولدين ـ تتراوح أعمارهم بين عامين و ستة أعوام. و من قبله رحلت زوجته.

تزوجت بناته خارج القرية، كما تزوجت الأرملة الصغيرة، بعد إلحاح من أهلها، وتركت صغارها في رعاية جدهم، الذي اجتمعت عليه أمراض الشيخوخة، ولا يستطيع الحركة إلا

بصعوبة بالغة.

صلى الفجر جالسا، وأخذ يقلب ناظريه بين الطفل المريض، والطفلين النائمين على الناحية الأخرى من الحجرة، و فتح حافظة نقوده، وهو يعلم بكل ما تحتويه. أخرج القرش الوحيد، و نظر إليه، و هو يقول بصوت هامس ضعيف:

ـ القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود.

وهل هناك يوم أكثر سوادا من هذا اليوم، الذي ينام فيه ولده الصغير، على هذا الحال، وهو جالس أمامه بلا حول ولا قوة.

وأضاف بنفس الصوت:

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.

" الطفل في حاجة إلى طبيب، و الطبيب في المدينة، و أجره نصف جنيه، والدواء يحتاج إلي جنيه كامل أو أكثر، رحمتك يا رب "

يمتلك الشيخ فدانا واحدا، في حوض الساحل، يزرعه بالمحاصيل التقليدية المعروفة،كالأرز والقطن والقمح والبرسيم، بالإضافة إلي بعض الخضروات التي تصلح طعاما لأهل الدار، مثل الطماطم و الخيار و البامية والباذنجان، يعطى منها للأقارب والجيران، كما يعطى للفقراء و المساكين.

كانت داره في الأيام الخالية عامرة بالخيرات، بها جاموسة وبقرة وحمار وقطيع من الأغنام، وجيش كبير من البط و الدجاج والحمام. وهى دار واسعة، تدخلها الإبل بأحمالها، من الباب الخلفي، في مواسم الحصاد. ومن الأمام تتكون من أربع حجرات،واحدة منها مفتوحة على الشارع، يلجأ إليها الغرباء و عابرو السبيل، يقضون فيها ليلهم، و يأكلون من طعام أهلها. حتى إذا طلع الفجر، مضى كل واحد منهم إلي حال سبيله.

واصل الشيخ رحلته الشاقة المضنية، على مدار ساعات النهار. وقبل المغرب بقليل أخرج

القرش الوحيد من حافظ نقوده ،وأمسكه بيده اليمنى، بعد أن صلى ركعتين، وأخذ يرقى به

الطفل المريض، و يتلو فاتحة الكتاب، وآية الكرسي،وسور الإخلاص والفلق و الناس.

نادى على الطفل الكبير، الذي كان يلعب مع أقرانه في الشارع، بجوار الجامع القديم،وأسّر في أذنه كلمات قليلة، وأعطاه القرش الأبيض. توجه الطفل الذي يحمل اسم جده إلي دار قريبة، و سلم الأمانة إلي صاحبتها، وهى أرملة فقيرة، تربى أطفالها الأيتام، بعد وفاة زوجها.

سهر الشيخ ليلته الثانية بلا نوم، بجوار حفيده، يكرر ما فعله في الليلة الماضية،وإيمانه يسابق خوفه على الطفل المريض.

اشتدت الحمى على الصغير، و صدره يعلو و يهبط، و آهاته تتردد في أرجاء الحجرة، و جده

يصلى بجواره، و يدعو له.

عند منتصف الليل هدأ صدر الصغير، و توقفت آهاته، و غلب النوم جده الجالس على

الأريكة المجاورة.

و في الصباح بكى الشيخ من الفرح،أفاق من نومه على نداء الصغير، الذي تعلق بملابسه.

رأى الجد حفيده واقفا بجواره على قدميه، بعد أن أنعم الله عليه بالشفاء .