www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

 أحدنا كان يرتعش ..

قصة بقلم : سوزان خواتمي

موقع خواتمي

www.Khawatmi.wtcsites.com

 

       أحكمتُ قبضتي على أصابعها الناعمة الزلقة .. في حركة التصاق حميمة .. يداً بيد سرنا .. بكفين متشابكتين أخذتا تلوحان إلى الأمام والخلف بإيقاع انضباط رتيب .

 ولم تكن تلك عادتها ، إذ لطالما شاغبتني تلك اليد الصغيرة ، محاولة التملص والمشاكسة ، حتى أضيق بها ، وتضيق بي  لترغمني في النهاية على التقاطها من زندها وسحبها خلفي .

 أعجب لها .. كيف تستسلم الآن ، تاركة  كفها  الطيع مستكيناً  هادئاً  داخل كفي !.

 عرق خفيف نقلته لي أناملها المطمئنة ، من غير أن تتكهن باضطرابي الخفي : لا .. ليست السيارات المتسابقة على تهورها .. ولا أولئك الذين يعبروننا بتجهم الغرباء  .. ولا الخواطر الخرقاء .. بل هي تجربة الفراق الأول .

 ريح الخريف الخفيفة تكنس أوراق الشجر الصفراء . " يا ليتني أحضرت لها سترة قطنية "  قلت لنفسي .

الصباح رطباً ، انبعثت من الأرض رائحة أيلول الأولى ، طيبة وعبقة .

 و كنت بصحبة طفلتي سنا نتجه نحو مدرستها ( روضة البلابل ) .

أول أيام المدرسة لا يربك بلبلتي الصغيرة ، على العكس تماماً ، تتوهج عيناها ببريق المغامرة .. تحاذني باستسلام وطاعة نادرتين .. تتبع خطواتي برصانة طارئة .. تتحصن بابتسامة حصيفة ناسبت زيها المدرسي : مريول أزرق بثنيات ثلاث منشاة ، قميص تناوبت عليه مربعات صغيرة من الأبيض والأزرق ، وشريط أحمر عقدته لها بعناية حول الرقبة .. حتى صارت تشبه معجزة اجتمع فيها كل ما في خاطري من حب .

 لت سنا تتطلع إلى الأمام مباشرة متجاهلة نظراتي المصوبة نحوها . إنها تتبختر بثقة أحسدها عليها . خصلات شعرها المرفوع كذيل الحصان تهتز بخيلاء بريء  ..

 عنَّ على بالي أيام ولادتها الأولى ، كانت فترة عصيبة ، قلق وقلة نوم ، لأكثر من أسبوع ، حتى استعادت طفلتي الرضيعة هدوءها النسبي ، وكفت عن بكائها المستمر .. ما أقرب  ذلك  الوقت إلى الآن !

لقد تسرعت .. أقسم ، فمازالت في الخامسة من عمرها ، ومازال في الوقت متسع كي نفترق .. لمّ العجلة إذن ؟

 كدت أنكس على أعقابي عائدة من حيث أتيت ، لولا أنني تذكرت الملل الذي صار يصيبها طوال النهار ، وهي تتابع رسومها المتحركة : قط يلاحق فأراً .. حروب فضائية .. وفتاة يتيمة تبحث عن أمها .. مسلسل عقب الآخر ، وهي متربعة كتمثال بوذا ساقاً بحضن ساق أمام الشاشة .  كما أن جارتي أم عمار سامحها الله طاردتني حتى الإقناع : فعمار....ها صار يعد حتى العشرة .

 يربكني صمت سنا الطارئ ، وهي الآنسة " إشارة استفهام " كما أمازحها حين تتعدى استفساراتها حدود المعقول .

 قلت في محاولة لخلق حديث يكسر صمتها : دقائق وتلتقين بأصدقائك الجدد .

أومأت برأسها ، وقالت بتأكيد مختصر : أعرف .

يا لحماقتي ! أولم أحدثها مفصلاً ، حتى عرفت كل شيء ، ولم تكتف .. بعدها أمطرتني بأسئلة متتالية ، كان آخرها :

  "  وإذا حسيت مغص في بطني يا ماما ؟ " .

 كانت متشوقة : ستتعلم الحروف .. ستقرأ مجلاتي .. سترسمني .. وستلعب أيضاً ..

 لبارحة ليلاً وثبت فوق ركبتي ، وطلبت بدلع أن تنام إلى جواري في الفراش ، عيناها الخضراوين تقلصتا بما يشبه التوسل ، أرغمتاني على الموافقة .

فوق مساحة الفراش المحدودة احتضنت صغيرتي ، وفيما نسيم زفيرها المتقطع يلامس خدي مر ليل سريع .

قال لي أبو سنا وهو يحاول إيجاد متسع له بيننا :

  " يا عزيزتي .. يلزمنا طفل آخر ، فقد كبرت هذه العفريتة ."

 كان يمزح ، ولكني أخذت أقلب الفكرة في رأسي : أخاً أو أختاً .. يا للروعة ! بذهاب سنا إلى المدرسة سأدور في الفراغ .. الشقية تملأ جلّ وقتي .

 لم يكن مبنى المدرسة بعيداً عن بيتنا  .. لكنني كما ليلى في قصتها مع الذئب لا أختصر المسافة , فأنا أيضاً لم أكن مستعجلة .

من الناصية ، لاح آخر الشارع ، بدت لأعيننا البوابة السوداء ، مشرعة على مصراعيها ، دقيقتان من التعثر ومثلها من التلكؤ ..

 أمام باب الفصل تسمرت خطواتنا .

 " ها قد وصلنا " : قلت لها .

بوجه باسم خرجت إلينا مُدرستها الجديدة ، هرشت رأس سنا في محاولة للتودد .

 بادرت مرحبة :

 - أهلاً بك يا سنا .

قلت لها :

 - أرجوك ديري بالك على سنا ... فأنت الآن أمها الثانية  .

 كنت أجاملها ! لا بأس بقليل من التملق بل أكثر .. يمكنني في هذه اللحظة تقبيل يديها من أجل رعاية خاصة ، وقلب متعاطف .

 دفعتُ إليها برقم هاتف البيت .  " إذا استدعى الأمر " : غمغمت .

هاأنا أفكر بقلق ، خواطر الوسوسة تصيب الأمهات عادة ، وهي تعني أن شيئاً لن يحدث إلا في أذهانهن المتشككة . في واقع الحال ، لست سوى أم ستخلف حبة قلبها وراءها وتمضي .

مر في بالي خاطر نغصني  ، لماذا لم تبك سنا كما فعل عمار العام الماضي ؟ لقد بقي المسكين ينخرط في عويل حاد كل صباح لمدة شهر كامل ، أزعج فيها كل سكان العمارة ، كان يتشبث ببسطة باب بيتهم رافضاً الخروج ، فتضطر أمه لفك أصابعه المصمغة فوق قبضة الباب وجره خلفها .

شعرت بوخزة ضيق من الباسلة التي تواجهني .. لبرهة فقط .. فأنا إن استطعت احتمال تماسكها ، فلن أحتمل ثورتها أو بكاءها . يُطمئنني تعقلها .. صغيرتي تتصرف كما يُنتظر من النساء : هن خلقن للطاعة وللآخرين حق الشغب .

عليّ اختصار اللحظة الأصعب كما نبهتني مدرستها .

 هممت بتركها.. انحنيت فوقها .. لثمت خدها الوردي وطرف عنقها في نية مبيتة لانسحاب سريع  .

 شعرت بانتفاضة خفيفة : كفٌ قلقة تململت داخل كف .. عرق غزير رشحته أنامل .. نبضت عروق  .. انقبضت أصابع .. تشبثت باضطراب . قبضة حازمة أطبقت بإحكام : أحدنا كان يرتعش .