www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 منمنمات على جدران دمشق القديمة
قصة بقلم : محمد صباح الحواصلي
مشاركة : حسام يسران


 

الفراشة والدالية
      حطت فراشة متعبة على دالية عنب بلدي في بيت عربي قديم.
      قالت الدالية للفراشة:
-       لماذا تركت البساتين الخضراء في الغوطة وأتيت إلى هنا؟!
أجابت الفراشة:
-       رأيتهم يقطعون الأشجار, ويلوون عنق كل غصن أخضر, ويلقون
الحجارة الصماء فوق التراب الرطب ويمهدون فوقه طرقا اسفلتيه سوداء فخفت وأتيت إلى هنا.
فقالت لها الدالية:
-       أمجنونة أنت حتى تأتي إلى هنا! إنهم يهدمون الحي. المعاول تعمل ليل
نهار.. الجرافات تلتهم أصص الزهور والجدران المزركشة والبحرات العامرة بالمياه, وسوف تلتهمك أنت أيضا.
      خافت الفراشة فطارت. ولكن سرعان ما حطت ثانية على الدالية وبكت. هبت ريح تحمل معها غبار الهدم. أدركت الفراشة أنها لا بد هالكة. غطتها الدالية بورقة من أوراقها الخضر وقالت لها:
-       لا عليك أيتها الفراشة القادمة. بإمكانك أن تهاجري إلى حي آخر.. إلى
مدينة أخرى.
      نشرت الطمأنينة سكونها في أعطاف الفراشة وطارت فرحة. بيد أنها سرعان ما عادت إلى الدالية وسألتها بحزن:
-       وأنت أيتها الصديقة الحنونة ماذا ستفعلين؟
أجابت الدالية:
-       أنا جذوري هنا.. مغروسة في تربة هذه الدار ومن الصعب اقتلاعها.
الياسمينة والجدار
قال جدار في حارة قديمة لجدار مقابل له:
-       لم أعد أقوى على البقاء.
فقال الجدار الآخر:
-       وأنا أيضا لم أعد أطيق الإهمال. لقد تشققتُ وتساقطتْ جوانبي وقرفتُ
حياتي.
      ولما سمعتْ عريشة الياسمين المتدلية على الجدار بأوراقها الخضر وأزهارها البيض كلامَ الجدار تألمتْ وقالتْ له معاتبة:
-       أتقول قرفت حياتك وأنا أحنو عليك وأغطي شقوقك, وأعانقك كلما هبت
نسمة حلوة!
فقال لها الجدار معتذرا وقد بلت كلمات الياسمينة عروقه الجافة:
-       أنا آسف يا عزيزتي. حقا لولاك لكان وجودي لا يطاق.
وفي أرض الديار, تحت عريشة الياسمين, قال صاحب البيت لزوجه يزف لها بشرى عظيمة:
-       سيكون استلام بيتنا الجديد في غضون أيام.
زغردت المرأة من شدة فرحها وتابع زوجها كلامه:
-       كلمت الدلال بخصوص بيتنا هذا. قال إنه من الصعب أن نجد راغبا يسكن بيتا عربيا في حي قديم.
فسألت المرأة زوجها:
-       وماذا ستفعل به؟
-       سنتركه خاليا إلى أنيأتي زبون راغب فيه.
-       وكم سيبقى خاليا؟
-       الله أعلم.. ربما سنة.. أو سنتان.. أو ربما إلى الأبد.
طأطأت الياسمينة رأسها وبكت أزهارها بصمت. ربت الجدار على كتفها وقال لها:
-       لا تحزني يا ابنتي.. لن ينسانا الله.
ومسح الجدار دموع الياسمينة الساخنة براحته الجافة.. ونام النهار.
الرضيع
      بكى الرضيع طويلا. هزته أمه فلم يكف عن البكاء. ربتت على كتفه ولكن دون جدوى. أضجعته على ظهره ونظرت إلى عينيه اللتين من لون البحار وقالت له:
-       ما يبكيك يا حبيب قلبي؟
أجابتها عيناه:
-       أنت لا تحبينني يا أمي, وأنا لست حبيبك.. لو كنت حبيبك حقا لأرضعتني من ثديك وليس من هذه الرضاعة الكريهة.
فقالت أمه:
-       لكنني فطمتك منذ شهر.
-       وأنا لا أحب هذا الحليب الجاف.
نظر الرضيع إلى ثدي أمه. استعاد أجمل ذكرياته وهو يتلقفه مغمض العينين
بكل ما في الدنيا من هناء واطمئنان وأديم وجهه الغض مثل أوراق زهر التفاح مختبيء في دفء الثدي. في تلك الأيام كان وجهه يلعب في حقول خضراء كلها نشوة, ويطير مع العصافير ويركض خلف الفراشات. هناك لم تكن إلا البهجة والعافية.. لم تكن ثمة بداية ونهاية.
      أشاح الرضيع بوجهه عن أمه وسقطت دمعة حارة من عينه. إلا أن أمه لم ترها لأن رضيعها كان يبكي بحرقة وهي تغني له:
      (نم يا حبيبي نم.. لأذبح لك طير الحمام.. روح يا حمام لا تصدق, عمبكذب على ابني حتى ينام..)
الباب الشرقي
      كان الرجل يسير متعبا في طريق مغمور بشمس ملتهبة ويحمل بيده بطيخة. وفيما كان يعبر الباب الشرقي لمدينة دمشق القديمة ربت الباب على كتفه. التفت الرجل إليه وقال:
-       نعم.. ماذا تريد؟
فقال له الباب الشرقي:
-       هل تعرف من أنا يا بني؟
ابتسم الرجل لطرافة الموقف, وأخذ نفسا عميقا من لفافته وقال:
-       كل ما أعرفه عنك أنك باب من حجر تعبره باصات ودواب المدينة,
ويلصقون على جدرانك الإعلانات (ونعوات) الموتى, ويبول سكارى آخر الليل على جدرانك.
قال الباب في سره متألما: "اخس.. أخزاك الله."
ثم قال للرجل:
-       أهذا كل ما تعرفه عني يا بني؟
-       هذا كل ما أعرفه.
وجعل الباب الشرقي يبسط الأمر للرجل:
-       أنا باب قديم.. قديم جدا.
هز الرجل راسه مؤكدا عدم معرفته. فقال الباب:
-       كان لي باب خشبي هائل ذو مصراعين لم تستطع اقتحامه جحافل الجيوش.
-       آسف ذكرني أكثر.
-       أغلقوني في وجه جيش عظيم.
-       ذكرني أكثر.
-       اقتحمني فاتح أسمر خالد الذكر لم ير التاريخ مثل شجاعته واقدامه.
-       ذكرني أكثر.
-       اسمه سيف الله المسلول.
ولكن سرعان ما نفذ صبر الرجل وقال للباب الشرقي:
-       أهي أحجية؟! لا أريد أن أضيع وقتي معك.
وتابع الرجل سيره متعبا في الطريق المغمور بشمس ملتهبة. أما الباب الشرقي
فقد زأر زأرة كادت أن تقوض المدينة القديمة فيما كانت المارة تسير بسلام تحت وهج الظهيرة.
البنت والطريق
      كانت البنت تنظر بشرود إلى طريق الحارة منخلال خصاص النافذة الخشبي كعادتها عصر كل يوم.
      قال لها الطريق:
-       أوتنتظرين أحدا يا صبية؟
أجابت البنت:
-       ليس لي أحد أنتظره أيها الطريق.
فقال لها:
-       لكنني أنتظرك أيتها الصبية الجميلة, ولا أريد شبابك أن يضيع هدراً وراء الخصاص.
فقالت الصبية وهي تكتم رغبة جامحة:
-       كم أتمنى أن أجوبك أيها الطريق.. أن أجوب الطرقات كلها.. أن أرى
الناس والدنيا.
      فقال لها الطريق:
-       الأمر في غاية السهولة.. ما عليك إلا أن تخرجي وسوف نسير معا..
سأعرفك على جميع أصدقائي الطرقات والحواري, وسترين الناس وتنطلقين كحمامة في سماء لا قيود فيها.
      ارتدَّت البنت إلى الوراء بذعر وقالت للطريق مستنكرة:
-       أخرج معك! كيف تجرؤ على هذا الكلام! ألا تعلم ما سيكون مصيري لو
رآني أبي أو أخي أسير معك؟ سيذبحانني مثل النعجة.
      ضحك الطريق وقال لها:
-       أيتها الساذجة أوتحسبين أنني غافل عن هذا؟ ستكونين محجوبة عن الناس ولن يراك أحد.. سنسير معاً, وستركضين وستغنين كما تشائين.. ستكونين وحدك بين جموع الناس ترينهم ولا يرونك.
      ذهلت الصبية من كلام الطريق, واعتمر قلبها فرح لا حدود له. أحست أن كل شيء فيها يتوثب للطيران فصرخت بسعادة مجنونة:
-       هيا بنا إذن أيها الطريق.
-       هيا بنا أيتها الصبية الجميلة.
دفعت الباب حاسرة الرأس وركضت مثل ظبية جذلى في براري وحشية.
غنت بانتشاء وخصلات شعرها الأسود تسبح بين أمواج الهواء الدافيء, في حين كانت الطرقات صامتة كالموت, والسابلة أذهلتها الدهشة.
قال رجل كان يعبر طريقه لآخر يسير معه:
-       انظر! أليست هذه ابنة أبي مصطفى, اللبان؟! أتراها جنت؟!
ضرب الآخر كفاً بكف وقال باستنكار ممزوج بحسرة:
-       إنها هي! لا حول ولا قوة الا بالله.
أمية
      فيما كانت الصبية تهبط سلم البيت إلى أرض الديار نادتها الياسمينة المتدلية على باب (الليوان) برقة:
-       أمية.. أمية..
التفتت أمية إلى الياسمينة:
-       هيه يا ياسمينة ماذا تريدين؟
قالت الياسمينة مبتسمة:
-       هزي جذعي قليلا فتعرفي ما أريد.
تقدمت أمية منها وهزت جذعها فتساقطت فوق أمية زهور الياسمين ثلجا
ربيعيا. انتشت الياسمينة وهي ترى زهورها تهطل غيثا من الفرح.
      لملمت أمية الزهور البيض ووضعتها في طاسة مكاوية من نحاس وأطرقت تناجي حنينا تضوع من ذاكرة الياسمين.
      ابتسمت الياسمينة وسألت أمية:
-       بماذا تفكرين؟
احمر وجه أمية خجلا ولاذت بالصمت.. فقالت لها الياسمينة من أعماق قلبها:
-       الله يبعث لك الذي ببالك.