قصة بقلم: فاطمة المزروعي
قاصة اماراتية
العالم
كله
مضطرب ، تتلاحق أنفاسه المحمومة في تسارع مخيف ، جسده يرتعش ، يبدو وكأنه
على وشك
الاحتضار
..
الحرب على الأبواب ، وشتاء يبصق ثلوجه البيضاء في أماكن شتى ، نشرة
الأخبار هي النافذة الوحيدة التي تطل منها تفاصيل الأجساد الميتة ، والقلوب
المحترقة ، والعيون الدامعة ، تتابعها العيون القلقة بشيء من الارتياع
..
-لا
يزال الظلام يرقد في أحضان المدينة الساكنة ، يغرق طرقاتها الخالية
بهدوئه ، تلفت يحملق في الوجوم حوله ، هاله منظر الألم القادم وهو يحرق كل
شيء جميل
أمامه
..
حاول بعينيه اختراق الضباب الكثيف الذي بدأ رويدا في أرجاء المدينة ،
فليعد إلى المنزل
..
ضحك
بسخرية ، وشفتيه تردد الكلمة الأخيرة في أسى ممزوج
برائحة الشماتة ، فعلى قارعة كل طريق في هذه المدينة ومدن أخرى ، أو ربما
عوالم شتى
سوف
يضع رأسه ، لا يحتاج إلى وسادة ، كي يحلم بالغد الجميل ، بزوجة تضع أحزانها
في
حضنه ، يحتفل معها بألمه وضيقه ، بكمه مسح دمعة كادت تفلت ، ليلة باردة ،
ثقيلة ،
تكسو قلبه بجراح واهنة
...
-
تندلق ذكرياته بغتة كمحبرة سوداء على صفحة
بيضاء ، فتخط عليها بضعة أشكالا مبعثرة ، من بين كل شكل ، تتضح معالم قديمة
،
وذاكرة متعبة ، خائرة القوى ، صوت يأتي من بئر عميقة ، يقتحم زحمة أفكاره
وتواردها
في
توالي مستمر
..
-"إنهم
يموتون من أجل الكرامة ... العزة ... والحق ، إنهم
رجال شرفاء ، إنهم أبطال الأرض والدين
..
تتمزق نفسه ، تتبعثر أحلامه ، أية
أحلام وأماني تلك التي تهيم عشقا في صدره ، لا قيمة لها أبدا
..
من
أين تأتي
السعادة . من أين ؟
-همس
لنفسه بهذا الخاطر ، ليلة باردة ، تداعب وشوشات رياحها
وجهه ، شعره ، فيدس يديه في جيب معطفه ، هناك عند تلك الجبال التي تتسيد
جانب كبير
من
المدينة ، ينمو بين أحضانها حلم صغير ، كغيمه تغطي جزء من القمر ، يراه
بعينيه
يكبر ويكبر ، فتتسع دوائره ، ثم تتبعها دوائر أخرى كبيرة
..
يرفع رأسه ، يحتوي
بعينيه قمم الجبال ، حلمه هناك
...
-
يعود إلى منزله ، الصمت يغفو في أماكن
عديدة ، قدميه تجرفان به إلى هوة لا قرار لها
...
الغربة ، تحيط أشواكها الحادة
جسده ، تعود ذات الكلمات ، تنغرس بقوة ، سمعها صبيا يعدو في الحارات
والأزقة ، يلطخ
الطين وجهه ، تتعثر خطواته في الطرقات المبتلة بالمياه الخارجة من المنازل
،
فيتكالب الصغار الأشقياء عليه ، يطوقون عنقه ، يريدون خطفها منه
..
ويظل الساعات
الطوال أحيانا يتلهى تحت زخات المطر ، يرسم طيورا تحمل في أجنحتها أحلاما
وردية ،
فتسقطه رذاذا ، يداعب وجنتيه ، كلمات رددها بينه وبين نفسه ، شابا ترحل
أوراقه مع
غيوم الصباح ، فتوقظ معان مختلفة
...
-
سحقت الآم الأبرياء أحلامه ، بترت
إحساسه ، نخرت عظامه ، رأى الدموع تلتمع على كل ورقة استأذنت الدخول إلى
عالمه ،
تلمس بقلبه ارتعاش الجفون المبللة بالدموع ، كل الدماء القانية تنزف في
طرقاته ،
آهات تنغص عليه حياته ، تطعمه مساءات موجعة ، محزنة
..
أجساد تسأله كلمات
الاستجداء ، قصص تثير في النفوس ، الأسى والإشفاق ، فيحس بأنه لم يخلق سوى
في سجن
كئيب ، يحيط به معتقل له أسوار شائكة
..
-"خالد"
ما بك ؟
صوت
يلامس واقعه
،
فيستفيق ذاهلا ، ينظر أمامه ، لقد مضت فترة ليست بالطويلة وهو واقف أمام
منزله ،
رفيقه "يوسف" يرمقه بنظرات مفعمة بطعم الإشفاق واللهفة
..
-لا
شيء ، ألم تنم حتى
الآن ؟
-يتحدث
"خالد" وهو يدخل إلى المنزل ، يتلفت بنظره ، يصوبها ناحية الصورة
اليتيمة المعلقة على الجدار ، غرفة واحدة يتقاسمها مع "يوسف"..
-"هيا
يا "خالد"
إن الطعام جاهز
"
ولكن "خالد" لا يجاوب نداءه ، فقد غرق في النوم ،
بعد
أن اندس تحت فراشه ، "ويوسف" يهز رأسه في أسى ممزوج بالحزن
..
-
كان
يكره العجز الساكن في جسده ، حينما يحتمي بظل ماض تعيس ، الوطن وطنه ،
يتلقفه ساعات
حزنه وألمه ، ولكنه الآن هو عاجز ؟ أتعرفون معنى العجز الذي يحيط برجل ؟
أتدركون
طعم
بكاءه الذي يسقيه مرارة ؛
كان
يستشعر التيه ، نزفت جروح قريته ، أحرقت تحت
مسامعه ، الأوغاد يرشقون أسراب الحمام في فضائها ، يقتحمون المنازل ،
يدوسون
بأقدامهم الثقيلة دمى الأطفال
..
-
المفاجأة تعقد لسانه ، فيتسمر مكانه ،
ذاهلا ، وأعماقه تتألم وتتلوى من هول الصدمة ، ظلام يغرق القرية المنكوبة ،
صوت أمه
حديد يحرق أوصاله ، يقطعه جبنه ، وهو يقف على شرفات الوداع ، يضم صورة
قديمة ، كسرت
زجاجها ، فنتاثرت شظاياها في نفسه
..
وجه
أمه المغرق بالدماء ، عينيها الدامعتين
،
أصوات الرعد المجلجل ، يدوي في الخارج
..
يستفيق "يوسف" من لهيب ذكرياته التي
لم
تنطفئ منذ ثمان سنوات والرووس على الأبواب
..
-عقدة
الذنب تلاحقه ، تلف
صمته ، وتشحن ملاحه بالأسى ، فتمنع جفونه من الانطباق
..
أصبحت تلك الليلة
السوداء تمسح جبهته ، وتطوف في داخله ، تمتزج بشرايينه ، فتصرخ كل عذاباته
، فلا
يجاوبه سوى الصمت الثقيل
..
آه
من زمان الذل والعار ، زمان ختلت فيه كل النفوس
واستكانت لمنظر الحروب وهي تتلظى ، وتحبو نيرانها ، تبتلع التعساء والبؤساء
..
-
من يومها أقسم أن يكون نجم سرمدي
...
وحينما تعرف على "خالد" كان
هذا
ورقة خريف تمزقت ، تشتت ، ترحل مع أية ريح ، فتبعثرها ، تبحث عن يد حنونة ،
تتلقفها ، تداعبها بحنو
..
-
الجبل المتخم بذكريات الأبطال ، يطل على "يوسف"
و"خالد" ، كل واحد منهم يخوض بحره الخضم ، يصارعه بيده ، سوف ينتهي الظلم
حتما ،
طريقنا طويل ، يبدو لا نهاية يا صديقي
..
همس
"خالد" لصديقه بهذا
..
-"لحظات
وسوف تجد نفسك في أحضان الجبل
".
-البرودة
تزداد ، إنه شهر يناير ، لطالما
حلم
بمنزل صغير هو وأسرته ، يجلس معهم بجوار المدفأة ، يتبادل حديثا ممتعا ،
فتنطلق
ضحكاتهم عالية لا تعرف هدوء المساء
..
وضم
معطفه إلى جسده الغض ، وأنفاسه تتلاحق
..
وجوه ألفها ، تشوق إليها طيلة حياته ، عشق رحيق حريتها ، من بينها
وجه
الشيخ "أسامة" ، صورته تملأ خياله ، كم مرة رآه على شاشة التلفاز يصرخ
ثائرا ،
يستنجد بالشعوب المسلمة
..
هناك في بقاع الأرض ، في الجزيرة العربية والخليج ،
شعوبا اتخذت من الجبن ستارا ، اخفضت نظراتها ذعرا
..
- "يوسف
" يحملق في
رفيقه مستغربا ، يراه منتشيا ، والحماسة تتقافز من عينيه الصافيتين ، صوت
الشيخ
"أسامة
" الحاني ، كنوارس تلهو على شواطئ ناعمة
العزة ، الحق ، الكرامة ، الوطن
يا
أبنائي ، ما قيمة الحياة ونحن جبناء ، خونة لأنفسنا ولأوطاننا
..
-
صوت الشيخ
يعلو ، يزلزل كيان "يوسف" و"خالد" ، والأعداء يبحثون عنه ، صورته في الصحف
والمجلات
،
على جدران كل مدينة ، وعلى واجهات المحلات والدكاكين ، في الأزقة والحارات
، حتى
في
عيون الأطفال
...
وضعوا مكافأة مجزية لمن يحضره حيا وميتا ، آه من زمان ماتت
فيه
الرجولة ، وقتل الحمق كل معاني الرحمة فينا حتى راح الأوغاد يتطاولون علينا
،
ويصنعون من كؤوس الخمر أحلامنا التعيسة
..
-إنهم
يريدونه ، يخافون من
ابتسامته الحنونة ، ونظرة الحزن في عينيه ، دولا كثيرة تخشاه ، و"خالد"
يستشعر بشيء
من
اللذة الغريبة تسري في دواخله ، ما عاد أسير قفص يمزق أحشائه ، لقد اتسع
قفصه ،
وراح يكبر ويكبر ليلامس سكون الليل
...
ينظر "خالد" إلى يديه ، لقد لامست يد
الشيخ ، تحدث معه كثيرا ، فشعر بعباراته تمخر ذاكرته ، وتستقر عند شواطئ
الاطمئنان
..
وأشار الشيخ بيديه إلى نجم يسترخي في حضن السماء ، يضئ صفحتها السوداء ،
لحظتها رأى في عينيه نار تتأجج ، تحرق الأوغاد ، وفهم "خالد" ، لقد حانت
ساعة الحرب
..
-
إنها الحرب تنهش لحوم الأبرياء
..
المطر يصفع السيارات العابرة في
الطريق العام ، تنزلق حبيباته الباردة على نوافذ المنازل ، الأوغاد يحيطون
القرى ،
يحرقونها ، يريدون الشيخ وجماعته ، "خالد" ورفيقه يسيرون إلى حيث القرى
التي تتلظى
بالنيران ، فلاحت لهم الوجوه الفارة ، تحمل معها بقايا من فرح لم يكتمل ،
عيون
تنطلق بالألم ، تحاول كسر أقفاص الظلم
..
الأعداء أسلحتهم قوية ، دمرت
قرى
ومدن
،
الآلاف من المذابح الوحشية ، تبث على كل قنوات العالم ، آه ، إنها الحرب ،
فأين
العرب من كل هذا ؟ أين ؟
-
البرد يفترش بوشاحه القاسي القرى ، الأجساد المرهقة
المبللة بالقطرات الباردة تعلن استسلامها..
أشلاء مبعثرة ، والأقدام تغوص في
الدماء القانية الحارة ، الأصوات الموجعة ، والأنين يتسلل إلى عقله
...
-
يصرخ "يوسف " ، إنهم الأعداء ، يطلق رصاصة من مسدسه وهو يندس خلف صخرة ،
رفيقه
يشاطره ليلته هذه ، لم يكن وحده ، بل هناك الكثير من الوجوه الطيبة التي
ألفت الحرب
،
هنا بجوارهم ، تمسح عنهم كل المساءات البغيضة والمحملة برائحة الجبن
..
يطلق "خالد"
رصاصة ، فتصرع جندي حقير
..
الله أكبر
..
تدوي في كل مكان ، تستنفر في
النفوس حلم جميل ، كم حلم بهذه الليلة ، عاش بقلبه وجسده طريدا ، شريدا ،
لم يكن له
وطن
واحد ، كانت كل الأوطان وطنه ، هكذا علمه الشيخ
..
الله أكبر
...
تفجر براكين نفسه
..
الأمواج العاتية تلقي بها في حضنه ، فيتلقفها
برفق ، تسترخي بنعومة على صدره ، فتعبث في وجهه ابتسامة خفيفة ، يريح رأسه
على جدار
قديم متهالك ، يسدهما عن أعين الفضوليين
...
هي
...
مساء جميل تمتزج بصباحات
حنينه لنفسه ، يمد أنامله ، يلامس شعرها ، وجنتيها ، شفتيها ، فيغرق معها ،
وأوراق
شجر
الخريف تهبط برفق ، تصنع حولهما أكوام من الأحلام الزاهية
..
-
يوم أن
أطلق كل مراكبه وسفنه ، بكت ، كادت أن تلقي بنفسها في شواطئه الثائرة ،
ولكنه
استعطفها ، وترك لها أحلامه الرمادية
...
ووعدها بأنه سيعود ليجعل منها سيدة
ينصبها على مملكته القادمة
..
آه
، قسما بشرفي سوف أنتقم لكل آهات النساء
الطاهرات
...
صرخة قوية تجعله يلتفت حوله في جزع ، إنه "يوسف" رفيقه ، من قاسمه
غرفة واحدة ، يغرق بجواره في بحر الدماء ، يغطي وجهه ، يصرخ "خالد" كلا
"يوسف"
..
تمتد يده تمسح الدماء عنه ، يصرخ "خالد" بلوعة ، يد "يوسف" تقترب من رفيقه
تلامس وجهه ، لا تبكي يا صديقي ، إنها الحرب ، كنت جبانا ، لم أدافع عن أمي
، لقد
قتلوها أمامي ، كنت حقيرا ، جبانا ، فليسامحني الله على ما فعلت
...
أمي
..
أمي ..سامحيني
وراح جسده يحتضر ويرتجف ، ثم همد إلى الأبد
-
كلا "يوسف"
صديقي وأخي
..
كلام الشيخ ينساب إليه بغتة ، يفيق ثورته العارمة ، فيندفع إلى
ساحة معركته ، يقاتل بضراوة لم يعهدها من قبل ، طلقة نارية تخترق بطنه
وأخرى ظهره ،
يحاول أن ينهض ، جسده يخذله ، يرفع عينيه الواهنتين إلى السماء ، إنه النجم
نفسه
الذي حدثه عنه الشيخ
..
يزداد إلتماعا وتوهجا
..
يرى
وجه الشيخ ، وابتسامته
الوقور ، فيغمض عينيه ، وشفتيه ترددان كلمة واحدة ؛؛؛؛
نجم
الشمــــال
..
ثم
سقط
رأسه
..