www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

نجم الشمال

قصة بقلم: فاطمة المزروعي

قاصة اماراتية

 

العالم كله مضطرب ، تتلاحق أنفاسه المحمومة في تسارع مخيف ، جسده يرتعش ، يبدو وكأنه على وشك الاحتضار ..
الحرب على الأبواب ، وشتاء يبصق ثلوجه البيضاء في أماكن شتى ، نشرة الأخبار هي النافذة الوحيدة التي تطل منها تفاصيل الأجساد الميتة ، والقلوب المحترقة ، والعيون الدامعة ، تتابعها العيون القلقة بشيء من الارتياع ..

-
لا يزال الظلام يرقد في أحضان المدينة الساكنة ، يغرق طرقاتها الخالية بهدوئه ، تلفت يحملق في الوجوم حوله ، هاله منظر الألم القادم وهو يحرق كل شيء جميل أمامه ..
حاول بعينيه اختراق الضباب الكثيف الذي بدأ رويدا في أرجاء المدينة ، فليعد إلى المنزل ..
ضحك بسخرية ، وشفتيه تردد الكلمة الأخيرة في أسى ممزوج برائحة الشماتة ، فعلى قارعة كل طريق في هذه المدينة ومدن أخرى ، أو ربما عوالم شتى سوف يضع رأسه ، لا يحتاج إلى وسادة ، كي يحلم بالغد الجميل ، بزوجة تضع أحزانها في حضنه ، يحتفل معها بألمه وضيقه ، بكمه مسح دمعة كادت تفلت ، ليلة باردة ، ثقيلة ، تكسو قلبه بجراح واهنة ...

-
تندلق ذكرياته بغتة كمحبرة سوداء على صفحة بيضاء ، فتخط عليها بضعة أشكالا مبعثرة ، من بين كل شكل ، تتضح معالم قديمة ، وذاكرة متعبة ، خائرة القوى ، صوت يأتي من بئر عميقة ، يقتحم زحمة أفكاره وتواردها في توالي مستمر ..

-"
إنهم يموتون من أجل الكرامة ... العزة ... والحق ، إنهم رجال شرفاء ، إنهم أبطال الأرض والدين ..

تتمزق نفسه ، تتبعثر أحلامه ، أية أحلام وأماني تلك التي تهيم عشقا في صدره ، لا قيمة لها أبدا ..
من أين تأتي السعادة . من أين ؟
-
همس لنفسه بهذا الخاطر ، ليلة باردة ، تداعب وشوشات رياحها وجهه ، شعره ، فيدس يديه في جيب معطفه ، هناك عند تلك الجبال التي تتسيد جانب كبير من المدينة ، ينمو بين أحضانها حلم صغير ، كغيمه تغطي جزء من القمر ، يراه بعينيه يكبر ويكبر ، فتتسع دوائره ، ثم تتبعها دوائر أخرى كبيرة ..
يرفع رأسه ، يحتوي بعينيه قمم الجبال ، حلمه هناك ...

-
يعود إلى منزله ، الصمت يغفو في أماكن عديدة ، قدميه تجرفان به إلى هوة لا قرار لها ...
الغربة ، تحيط أشواكها الحادة جسده ، تعود ذات الكلمات ، تنغرس بقوة ، سمعها صبيا يعدو في الحارات والأزقة ، يلطخ الطين وجهه ، تتعثر خطواته في الطرقات المبتلة بالمياه الخارجة من المنازل ، فيتكالب الصغار الأشقياء عليه ، يطوقون عنقه ، يريدون خطفها منه ..
ويظل الساعات الطوال أحيانا يتلهى تحت زخات المطر ، يرسم طيورا تحمل في أجنحتها أحلاما وردية ، فتسقطه رذاذا ، يداعب وجنتيه ، كلمات رددها بينه وبين نفسه ، شابا ترحل أوراقه مع غيوم الصباح ، فتوقظ معان مختلفة ...

-
سحقت الآم الأبرياء أحلامه ، بترت إحساسه ، نخرت عظامه ، رأى الدموع تلتمع على كل ورقة استأذنت الدخول إلى عالمه ، تلمس بقلبه ارتعاش الجفون المبللة بالدموع ، كل الدماء القانية تنزف في طرقاته ، آهات تنغص عليه حياته ، تطعمه مساءات موجعة ، محزنة ..
أجساد تسأله كلمات الاستجداء ، قصص تثير في النفوس ، الأسى والإشفاق ، فيحس بأنه لم يخلق سوى في سجن كئيب ، يحيط به معتقل له أسوار شائكة ..

-"
خالد" ما بك ؟
صوت يلامس واقعه ، فيستفيق ذاهلا ، ينظر أمامه ، لقد مضت فترة ليست بالطويلة وهو واقف أمام منزله ، رفيقه "يوسف" يرمقه بنظرات مفعمة بطعم الإشفاق واللهفة ..
-
لا شيء ، ألم تنم حتى الآن ؟
-
يتحدث "خالد" وهو يدخل إلى المنزل ، يتلفت بنظره ، يصوبها ناحية الصورة اليتيمة المعلقة على الجدار ، غرفة واحدة يتقاسمها مع "يوسف"..

-"
هيا يا "خالد" إن الطعام جاهز "

ولكن "خالد" لا يجاوب نداءه ، فقد غرق في النوم ، بعد أن اندس تحت فراشه ، "ويوسف" يهز رأسه في أسى ممزوج بالحزن ..

-
كان يكره العجز الساكن في جسده ، حينما يحتمي بظل ماض تعيس ، الوطن وطنه ، يتلقفه ساعات حزنه وألمه ، ولكنه الآن هو عاجز ؟ أتعرفون معنى العجز الذي يحيط برجل ؟ أتدركون طعم بكاءه الذي يسقيه مرارة ؛
كان يستشعر التيه ، نزفت جروح قريته ، أحرقت تحت مسامعه ، الأوغاد يرشقون أسراب الحمام في فضائها ، يقتحمون المنازل ، يدوسون بأقدامهم الثقيلة دمى الأطفال ..

-
المفاجأة تعقد لسانه ، فيتسمر مكانه ، ذاهلا ، وأعماقه تتألم وتتلوى من هول الصدمة ، ظلام يغرق القرية المنكوبة ، صوت أمه حديد يحرق أوصاله ، يقطعه جبنه ، وهو يقف على شرفات الوداع ، يضم صورة قديمة ، كسرت زجاجها ، فنتاثرت شظاياها في نفسه ..
وجه أمه المغرق بالدماء ، عينيها الدامعتين ، أصوات الرعد المجلجل ، يدوي في الخارج ..
يستفيق "يوسف" من لهيب ذكرياته التي لم تنطفئ منذ ثمان سنوات والرووس على الأبواب ..

-
عقدة الذنب تلاحقه ، تلف صمته ، وتشحن ملاحه بالأسى ، فتمنع جفونه من الانطباق ..
أصبحت تلك الليلة السوداء تمسح جبهته ، وتطوف في داخله ، تمتزج بشرايينه ، فتصرخ كل عذاباته ، فلا يجاوبه سوى الصمت الثقيل ..
آه من زمان الذل والعار ، زمان ختلت فيه كل النفوس واستكانت لمنظر الحروب وهي تتلظى ، وتحبو نيرانها ، تبتلع التعساء والبؤساء ..

-
من يومها أقسم أن يكون نجم سرمدي ...
وحينما تعرف على "خالد" كان هذا ورقة خريف تمزقت ، تشتت ، ترحل مع أية ريح ، فتبعثرها ، تبحث عن يد حنونة ، تتلقفها ، تداعبها بحنو ..

-
الجبل المتخم بذكريات الأبطال ، يطل على "يوسف" و"خالد" ، كل واحد منهم يخوض بحره الخضم ، يصارعه بيده ، سوف ينتهي الظلم حتما ، طريقنا طويل ، يبدو لا نهاية يا صديقي ..
همس "خالد" لصديقه بهذا ..
-"
لحظات وسوف تجد نفسك في أحضان الجبل ".

-
البرودة تزداد ، إنه شهر يناير ، لطالما حلم بمنزل صغير هو وأسرته ، يجلس معهم بجوار المدفأة ، يتبادل حديثا ممتعا ، فتنطلق ضحكاتهم عالية لا تعرف هدوء المساء ..
وضم معطفه إلى جسده الغض ، وأنفاسه تتلاحق ..


وجوه ألفها ، تشوق إليها طيلة حياته ، عشق رحيق حريتها ، من بينها وجه الشيخ "أسامة" ، صورته تملأ خياله ، كم مرة رآه على شاشة التلفاز يصرخ ثائرا ، يستنجد بالشعوب المسلمة ..
هناك في بقاع الأرض ، في الجزيرة العربية والخليج ، شعوبا اتخذت من الجبن ستارا ، اخفضت نظراتها ذعرا ..

- "
يوسف " يحملق في رفيقه مستغربا ، يراه منتشيا ، والحماسة تتقافز من عينيه الصافيتين ، صوت الشيخ "أسامة " الحاني ، كنوارس تلهو على شواطئ ناعمة
العزة ، الحق ، الكرامة ، الوطن يا أبنائي ، ما قيمة الحياة ونحن جبناء ، خونة لأنفسنا ولأوطاننا ..
-
صوت الشيخ يعلو ، يزلزل كيان "يوسف" و"خالد" ، والأعداء يبحثون عنه ، صورته في الصحف والمجلات ، على جدران كل مدينة ، وعلى واجهات المحلات والدكاكين ، في الأزقة والحارات ، حتى في عيون الأطفال ...
وضعوا مكافأة مجزية لمن يحضره حيا وميتا ، آه من زمان ماتت فيه الرجولة ، وقتل الحمق كل معاني الرحمة فينا حتى راح الأوغاد يتطاولون علينا ، ويصنعون من كؤوس الخمر أحلامنا التعيسة ..

-
إنهم يريدونه ، يخافون من ابتسامته الحنونة ، ونظرة الحزن في عينيه ، دولا كثيرة تخشاه ، و"خالد" يستشعر بشيء من اللذة الغريبة تسري في دواخله ، ما عاد أسير قفص يمزق أحشائه ، لقد اتسع قفصه ، وراح يكبر ويكبر ليلامس سكون الليل ...

ينظر "خالد" إلى يديه ، لقد لامست يد الشيخ ، تحدث معه كثيرا ، فشعر بعباراته تمخر ذاكرته ، وتستقر عند شواطئ الاطمئنان ..
وأشار الشيخ بيديه إلى نجم يسترخي في حضن السماء ، يضئ صفحتها السوداء ، لحظتها رأى في عينيه نار تتأجج ، تحرق الأوغاد ، وفهم "خالد" ، لقد حانت ساعة الحرب ..
-
إنها الحرب تنهش لحوم الأبرياء ..
المطر يصفع السيارات العابرة في الطريق العام ، تنزلق حبيباته الباردة على نوافذ المنازل ، الأوغاد يحيطون القرى ، يحرقونها ، يريدون الشيخ وجماعته ، "خالد" ورفيقه يسيرون إلى حيث القرى التي تتلظى بالنيران ، فلاحت لهم الوجوه الفارة ، تحمل معها بقايا من فرح لم يكتمل ، عيون تنطلق بالألم ، تحاول كسر أقفاص الظلم ..
الأعداء أسلحتهم قوية ، دمرت قرى ومدن ، الآلاف من المذابح الوحشية ، تبث على كل قنوات العالم ، آه ، إنها الحرب ، فأين العرب من كل هذا ؟ أين ؟
-
البرد يفترش بوشاحه القاسي القرى ، الأجساد المرهقة المبللة بالقطرات الباردة تعلن استسلامها..
أشلاء مبعثرة ، والأقدام تغوص في الدماء القانية الحارة ، الأصوات الموجعة ، والأنين يتسلل إلى عقله ...

-
يصرخ "يوسف " ، إنهم الأعداء ، يطلق رصاصة من مسدسه وهو يندس خلف صخرة ، رفيقه يشاطره ليلته هذه ، لم يكن وحده ، بل هناك الكثير من الوجوه الطيبة التي ألفت الحرب ، هنا بجوارهم ، تمسح عنهم كل المساءات البغيضة والمحملة برائحة الجبن ..
يطلق "خالد" رصاصة ، فتصرع جندي حقير ..
الله أكبر ..
تدوي في كل مكان ، تستنفر في النفوس حلم جميل ، كم حلم بهذه الليلة ، عاش بقلبه وجسده طريدا ، شريدا ، لم يكن له وطن واحد ، كانت كل الأوطان وطنه ، هكذا علمه الشيخ ..
الله أكبر ...

تفجر براكين نفسه ..
الأمواج العاتية تلقي بها في حضنه ، فيتلقفها برفق ، تسترخي بنعومة على صدره ، فتعبث في وجهه ابتسامة خفيفة ، يريح رأسه على جدار قديم متهالك ، يسدهما عن أعين الفضوليين ...
هي ...
مساء جميل تمتزج بصباحات حنينه لنفسه ، يمد أنامله ، يلامس شعرها ، وجنتيها ، شفتيها ، فيغرق معها ، وأوراق شجر الخريف تهبط برفق ، تصنع حولهما أكوام من الأحلام الزاهية ..

-
يوم أن أطلق كل مراكبه وسفنه ، بكت ، كادت أن تلقي بنفسها في شواطئه الثائرة ، ولكنه استعطفها ، وترك لها أحلامه الرمادية ...
ووعدها بأنه سيعود ليجعل منها سيدة ينصبها على مملكته القادمة ..
آه ، قسما بشرفي سوف أنتقم لكل آهات النساء الطاهرات ...
صرخة قوية تجعله يلتفت حوله في جزع ، إنه "يوسف" رفيقه ، من قاسمه غرفة واحدة ، يغرق بجواره في بحر الدماء ، يغطي وجهه ، يصرخ "خالد" كلا "يوسف" ..
تمتد يده تمسح الدماء عنه ، يصرخ "خالد" بلوعة ، يد "يوسف" تقترب من رفيقه تلامس وجهه ، لا تبكي يا صديقي ، إنها الحرب ، كنت جبانا ، لم أدافع عن أمي ، لقد قتلوها أمامي ، كنت حقيرا ، جبانا ، فليسامحني الله على ما فعلت ...

أمي .. أمي ..سامحيني
وراح جسده يحتضر ويرتجف ، ثم همد إلى الأبد

-
كلا "يوسف" صديقي وأخي ..
كلام الشيخ ينساب إليه بغتة ، يفيق ثورته العارمة ، فيندفع إلى ساحة معركته ، يقاتل بضراوة لم يعهدها من قبل ، طلقة نارية تخترق بطنه وأخرى ظهره ، يحاول أن ينهض ، جسده يخذله ، يرفع عينيه الواهنتين إلى السماء ، إنه النجم نفسه الذي حدثه عنه الشيخ ..
يزداد إلتماعا وتوهجا ..
يرى وجه الشيخ ، وابتسامته الوقور ، فيغمض عينيه ، وشفتيه ترددان كلمة واحدة ؛؛؛؛
نجم الشمــــال ..
ثم سقط رأسه ..