الفقر
المدقع هو ما يميز حياتها...
أما ما يميزها فهي براءتها...
ما زالت في المرحلة الثانوية... تحلم أن تكون طبيبه...
توفيت والدتها منذ سنوات...
ألان هي وحيده والدها...
كان والدها عاملاً بسيطاً لا يكاد يكسب ما يسد جوعهما...
كان هذا قبل أن يباغته المرض و يجعله جليس البيت...
أما بعد مرضه, فأصبحا يعيشان على عطايا المحسنين...
شكت سوء الحال لإحدى صديقاتها و أنها ستبحث عن عمل لتساعد والدها المريض...
كان يبدو على هذه الصديقة علامات سِعه ذات اليد...
وعدتها صديقتها آن تبحث لها عمل لا يشغلها عن دراستها...
عملاً سيغدق عليها كثيراً من المال...
وفي إحدى الأيام, أخبرتها الصديقة أنها وجدت لها عملاً عند إحدى الخياطات
وستصطحبها لتريها المنزل...
تواعدتا وعلى الموعد اتقيتا...
لم تخبر والدها... أرادت أولا أن ترى طبيعة العمل... وكم ستتقاضى من
الخياطة...
وصلتا...كانت المنطقة شبه نائية...
باب المنزل كان مفتوحاً فدخلتا...
ومن أول خطوه انقبض صدرها...
رغم أن المنزل يدل على ثراء صاحبه...
المنزل عبارة عن شقه فاخره, كما في الأحلام...
دخلتا إلى غرفه غاية في الجمال...
كانت صديقتها تتصرف تصرف العالم بالشقة وغرفها...
جلستا تنتظران قبل أن تستأذنها صديقتها لتستعجل الخياطة...
غابت صديقتها بينما لم يعجبها الوضع فهمّت بالمغادرة...
لكن فُتِحَ الباب ودخل شاب في مقتبل العمر, ما أن رأته حتى تدثرت بعباءتها
إلى أن يخرج...
فهي متأكدة انه لا يعلم بوجودها, غير انه اتجه إليها وفي وجهه ابتسامه...
خافت وبدأت ترتجف...
حاول أن يلمسها... أرادت الهرب...
وقف في وجهها وسد الطريق أمامها...
صاحت تستنجد بصديقتها...
ضحكَ واخبرها أنها غادرت بعد أن قبضت مقابل مجهودها...
وعدها أن يدفع لها ما يرضيها...
سيعطيها أضعاف ما ستتقاضاه من الخياطة...
هددته بان تبلغَ عنه...
لم يكترث, بل هدد بفضحها وإخبار والدها بأنها دائمة التردد على شقته...
حذرها من أن تكون المسؤولة عن ما يصيب والدها...
حاول الاقتراب منها فصفعته وحاولت الهرب...
امسك بعباءتها فتخلت عنها واتجهت إلى الباب...
اصطدمت بحافة الباب وسقطت فاقدهً للوعي...
لم تنزف إلا أن اثر ارتطامها بالباب كان واضحاً على جبهتها...
ملابسها كانت بسيطة ... قصيرة , فوق الكعبين بقليل ما يدل على أنها
قديمه...
لون ملا بسها مقارب للون زي المرحلة الثانوية...
استنتج من ذلك انه من بقايا قماش خاطت منه(مريولها)...
منظرها... جمالها... وجهها البريء أضافه إلى ملابسها هزت كيانه...
طعنات كالسكين في قلبه...
حاول جاهداً أن تفيق لكن دون جدوى...
حملها بين ذراعيه... وضعها على الأريكة...
غطاها وجلس جوار رأسها يفكر...
مضى الوقت ثقيل عليه...
ينظر إلى وجهها... كأنها نائمة... رقه ووداعه
سالت دمعه على خده... ماذا سيفعل؟
أينقلها إلى المستشفى...
لكن ماذا لو أصابها مكروه؟
قد يفقد مستقبله...
لكن السؤال الذي كان يلح على عقله هو أي قلب يجرؤ على خدش هذه البراءة؟
من كل ما حدث, عرف أنها لا تعرف من الحضارة الزائفة شيئاً...
أيقن أنها لا تفقه في لغة الأطباق اللاقطة شيئاً...
اهتزت في مكانها...فتحت عيناها... صرخت و تحاملت على نفسها...
اصفر وجهها وامتقع...
أرادت الهرب...
تعثرت ووقعت...
أمسكت بقدمه...
بكت و أبكت...
حتى أمامها... ابتعدت...
خرج من إهاب الحية الرقطاء... عاد لآدميته... كمولود جديد, بل عاد
للفطره...
صقلته اللحظة و غسلته الدمعة...
اختلط كلامها مع بكائها... فهِمَ أنها تريد الانصراف...
فوالدها المريض في المنزل وحيداً, وقد تأخر عن موعد الدواء وتخشى أن يصيبه
مكروه...
هدأها لم تهدأ... طمأنها لم تقتنع...
طلب منها أن ترتدي عباءتها ليوصلها إلي المنزل...
سألته بمن دانت له الجبال و سبّحَت بأسمه الوحوش أن يتركها تخرج, وستعود
للمنزل وحدها...
أجابها أن المنطقة نائية ولن تجد من يقلها و يخشى أن يصيبها مكروه...
أجابته بأن الله معها وستصل المنزل مشياً...
كشر و صرخ في وجهها فما دام الله معها , لن يجرؤ هو على أذيتها...
وافقته خائفة... ارتدت عباءتها وتبعته...
حين خرجت من منزله زاد خوفها على والدها... فقد تأخر الوقت وأظلمت
الدنيا...
لم تدري كم ظلت فاقدهً للوعي... ولم تعرف كم مكثت عنده...
كل ما تعرفه أن الشمس غابت منذ فتره ليست بالقصيره في حين أنها غادرت
منزلها عصراً...
ظلت صامته خائفة... تلعب بها الظنون و يكويها الخوف...
لم تهدأ إلا حين وصلت الحي الذي تقطن فيه...
أوصلها... وقبل منزلها وقف, حتى لا يراهما الناس معاً , فتسوء سمعتها...
نزلت وهي تبكي في صمت...
تبعها ببصره حتى دخلت المنزل و أغلقت الباب...
ظل يحدث نفسه: منزلٌ متواضع... أتعيش هذه الجوهرة هنا؟
أتأوي هذه البيوت المتواضعة نفوساً ساميه؟
مسكينه...
لو مات أبوها فستظل وحيده في هذه الحياة...
تذكر انه لا يعرف اسمها ولم يسألها عن عمرها...
كل ما يعرفه انه لا يسكن هذا البيت سواها ووالدها...
أوقف محرك سيارته و ترجل...
اتجه للبيت... قرع الباب...
فتحت... شهقت من الخوف... وكاد أن يتوقف نبض قلبها من الرعب...
بادرها: فقط أردت أن أسألك عن اسمك...
حاولت إغلاق الباب منعها...
وجّه إليها سؤاله الثاني: كم عمرك؟
لم تُجِبه...
اقترب منها وهمس قائلاً: سأسأل والدك...
كانت كل مسامات جسدها وكل جوارحها وكل شعره في بدنها تستحلفه أن يرفق بها
ولا يفضحها...
سمع صوت والدها يسأل عن الطارق...
قبل أن تنطق, أبعدها ودخل...
اتجه إلى مصدر الصوت ... تبعته...
دخل إلى حيث والدها... فلم تجرؤ...
سقطت على الأرض وسالت دموعها...
ومن مكانها...
من خلف الباب...
سمعته...
صدمتها الكلمات... زادت دموعها...
اختلطت دموع الحزن مع دموع الفرح...
قامت من مكانها... اتجهت للمطبخ...
مبتسمه...
ستعد الشاي لزائر الليل...
ولأول مره...
عرفت معنى السعادة...