المبنى الجديد
قصة بقلم :
مصطفى نصر
عن موقع : القصة العربية
http://www.arabicstory.net
عندما فكر المهندس سعيد فى بناء هذا المبنى , لم يظن أن كل ذلك
سيحدث . فقد
أتصل به رئيس الهيئة التى يعمل بها غاضبا , قال من خلال التليفون
:
-
إيه الكلام الفارغ اللى بسمعه ده
؟!
لم يسأله سعيد عن أى كلام فارغ
يقصد , فهو يعرف أنه يعنى المبنى الجديد الذى أنشأه وجعله مثالا
للعمارة الحديثة
والفن الجميل . فإذ به يكون نقمة عليه وسببا فى ضياع مستقبله فى
الهيئة . صاح رئيس
الهيئة :
-
المحافظ اتصل بى وسألنى عما يحدث
فى مبناك الغريب
.
ماذا يقول له , أيكذب ما حدث, كيف
والناس فى البلدة ليس لها حديث غيره
.
قال بصوت خافت :
-
سأحقق فى الأمر حالا.
لم يرد رئيس الهيئة واكتفى بأن دفع
سماعة التليفون فى عنف
.
ضغط سعيد على الجرس. جاءه خيرى
–
مدير مكتبه , ومساعده
- :
-
أمرك .
-
ماذا فعلت فى الموضوع ؟
لم يزد سعيد على ذلك . لم يحدد ما
هو الموضوع الذى يعنيه ؛ فمساعده لا يشغله – فى هذه الأيام – سوى
ذلك الموضوع . فهو
يسكن البلدة ويعرف كل ما يحدث فيها , قال
:
-
لو حولناهم إلى التحقيق سنوسع
الفضيحة .
عاد المهندس سعيد إلى الخلف, غاص
فى مقعده الواسع , أغمض عينيه
.
عندما صدرت الأوامر بتنفيذ ذلك
المبنى , أحس بأن الفرصة قد سنحت له لتحقيق حلمه القديم ؛ بأن
يبنى مبنى ليس له
مثيل ؛ خاصة أن الهيئة أعطته أرضا كبيرة ولم تبخل عليه بالتمويل
. بعد أن رأى
المبنى شامخا وسط أرض فضاء كبيرة ؛ فكر فى أن يشترك بالرسم فى
مسابقة هندسية
أقامتها مجلة أوربية متخصصة , وأكد له الجميع بأنه سيفوز
بالجائزة .
رفع سعيد رأسه بصعوبة , فهو لم ينم
لحظة واحدة طوال ليلة أمس. يفكر فى كيفية الخروج من المأزق. قال
لخيرى الشارد أمامه
:
-
عندك حق. التحقيق سيزيد الموضوع
انتشارا , خاصة أن أهل البلدة أكثرهم أقارب.
كان قد اشتكى سعيد – مدير المحطة
–
بالهيئة لكل من يقابله عن تعطل العمل , لأن عددا كبيرا من
الفنيين الذين يعملون معه
يسكنون ضواحى وقرى وعزبا بعيدة . ويأتون إلى العمل بالقطارات
وسيارات الأجرة مما
يؤدى إلى تأخرهم عن مواعيدهم . بعضهم شباب صغير حديث الزواج ؛ لم
يجدوا سكنا مناسبا
فى البلدة لارتفاع قيمة مقدم الإيجار ؛ فسكنوا فى القرى والعزب
البعيدة .
اضطر سعيد آخر الأمر إلى أن يدخل
إلى رئيس الهيئة ويشكو له هذا . سأله الرئيس:
-
وماذا تريد؟
-
أفكر فى إقامة مبنى لهم
.
-
ليس لدى مانع مادام فى مصلحة
العمل , ابحث الموضوع من كل جوانبه وقدم لى تقريرا كاملا بذلك
.
جمع سعيد كل العاملين – الذين
يسكنون الضواحى والقرى والعزب البعيدة – وأخبرهم بما تقرر؛ وطلب
منهم تقديم الطلبات
إلى الإدارة , وأن يكتبوا أنهم على استعداد لخصم قيمة الإيجار
الذى سيحدد فيما بعد
من مرتباتهم .
أرض الهيئة مترامية الأطراف
,
والمبنى الجديد سيكون مواجها لمبنى الإدارة الكبير الذى صممه
مهندسون أوربيون
.
فأراد سعيد أن يكون مبناه أكثر فنية وقيمة منه . فجعله على شكل
حرف u
مكون من
جانبين مواجهين لبعضهما البعض يربطهما مبنى على شكل نصف دائرة ,
بحيث تكون جميع
الحجرات مطلة على الشارع ومعرضة للشمس والهواء. مبنى سيحدث
تغييرا فى فن العمارة
.
بعض سكان العمارة تزوجوا منذ سنوات
قليلة لا تزيد عن الثلاث. وحوالى عشرة لم يتزوجوا بعد , لكنهم
قدموا ما يثبت
ارتباطهم, وحددوا موعدا للزواج . فمن شروط السكن فى المبنى
الجديد أن يكون الساكن
متزوجا.
أقيم يوم الافتتاح حفل كبير حضره
وزير التعمير والمحافظ ورئيس الهيئة ونواب الشعب عن المحافظة ,
وتم فيه زفاف سكان
العمارة الذين لم يتزوجوا بعد
.
أشرف سعيد بنفسه على كل صغيرة
وكبيرة فى الحفل : ملابس الزوجات , والحلوى التى ستقدم للضيوف
والأنوار.. كل شئ
.
إنه مشروع عمره الذى سيظل باقيا ليشهد له بالمقدرة
.
وقف " العرسان " ببدلهم الموحدة
مصطفين كأنهم ضباط فى حفل تخرجهم . وقرر رئيس الهيئة أن يكون
المبنى والحدائق
المحاطة حوله من الأماكن المخصصة للزائرين الذين يأتون إلى
الهيئة من كل مكان فى
العالم . لكن الأولاد أفسدوا كل شئ وأطاحوا بأحلام سعيد
.
قام سعيد من مجلسه وصاح فى خيرى
–
مساعده ورئيس مكتبه
- :
-
لكن لابد أن أؤدب هؤلاء الأولاد
.
-
إدارة العلاقات العامة أرسلت إلى
وأخبرتنى بأن الموضوع لو انتشر فى البلدة ستكون عواقبه وخيمة
.
قال سعيد غاضبا :
-
أردت أن أساعدهم وأحميهم من
القفز فى القطارات والجرى وراء الأتوبيسات فكان هذا جزائى منهم
.
بدأت المشكلة حينما صعد حسن ( وهو
واحد من شاغلى العمارة ) مع زوجته صبرية إلى السطح لتعليق إيريال
التليفزيون .
الليلة كانت شديدة الإظلام , والجو موحش . ظلام فى كل مكان, أرض
فضاء سوداء حول
المبنى , ويظهر مبنى الإدارة الكبير من بعيد , بعض حجراته مضاءة
. لكن الهواء كان
منعشا .
دار حسن وصبرية حول المبنى للبحث
عن المكان المناسب لوضع إيريال التليفزيون . أطلا من فوق الجدار
القصير الذى يحيط
بالسطح . كل الحجرات أمامهما مكشوفة والحمامات وحجرات الطبيخ ,
عدد كبير من الحجرات
مضاء. شاهد حسن ولد صغير يجرى داخل الشقة, يعرف – هو – كل سكان
العمارة . كلهم
زملاؤه فى المحطة ومتزوجون – مثله – حديثا . لم ينجب منهم سوى
اثنين أو ثلاثة ,
هؤلاء كانوا متزوجين قبل السكن فى المبنى
.
شاهد حسن فى الدور الثالث حجرة
وحيدة مضاءة . أسرع إلى الناحية الأخرى ليتمكن من رؤية من
بداخلها . رأى مرسى فوق
سريره . مرسى – هذا – يعمل كهربائيا فى المحطة , وتزوج منذ ثلاث
سنوات , وكان يسكن
عزبة بعيدة . لكنه لم ينجب للآن . فوجئ حسن بزوجة مرسى تقترب من
النافذة وهى ترتدى
قميص نومها الشفيف . أسرع حسن إلى زوجته التى مازالت تتابع
الفضاء البعيد وحجرات
الإدارة المضاءة . لم ينادها ؛ حتى لا يكتشف أحد وجودهما فوق
السطح. أشار إليها
,
ثم أمسك ذراعها , كان يضحك سعيدا كأنه اكتشف كنزا. ركعت صبرية
على ركبتيها كى تشاهد
المشهد على راحتها وبتأمل . هى تعرف زوجة مرسى – ليست صديقتها ,
لكنها تبتسم لها
وتحييها كلما قابلتها على سلم العمارة , أو فى الشرفة أو النافذة
. كانت زوجة مرسى
تتعرى . الرجل لم يفكر فى غلق النافذة ؛ فأمامه حائط ليس فيه
نافذة أو شرفة . هكذا
أراد المهندس سعيد ؛ ألا تكشف نافذة أو شرفة حجرة من حجرات
المبنى .
مرسى لم يفكر فى السطح , لم يخطر
بباله أن أحدا يتابعهما منه
.
ابتسمت صبرية وقالت لزوجها هامسة
:
-
بنت ال ..... من يصدق أن يصدر
هذا منها؟!
لم ينزل حسن وزوجته إلا بعد أن قام
الزوجان من فوق السرير وابتعدا عن نظريهما
.
ضحك حسن سعيدا لأنه اكتشف سلوى لم
يكن يدرى بها .
فى اليوم التالى دفع زوجته وهى
تجلس بجواره قائلا
:
-
هيا إلى السطح .
-
ماذا بك يا رجل , أعجبتك اللعبة
؟!
وصعدت معه , دارا حول الجدار
القصير متابعين كل الحجرات , شاهدوا فى الدور الرابع حجرة وحيدة
مضاءة . ورجب –
زميله – نائم على السرير بفانلته السواريه كاشفا عن ذراعيه وصدره
وهو يقرأ الجريدة
.
وزوجته تدور حوله بقميص نومها الأزرق , حدثته وهو لاه عنها
بالجريدة . ثم ضاقت به
فأمسكت الجريدة , كرمشتها ورمتها بعيدا , وقام رجب إليها وهو
يبتسم , فقالت صبرية
:
-
ياه من الستات .
قال حسن وهو مشدود إلى ما يرى
:
-
لكى تتعلمى .
ظلت المرأة بجوار حسن , يتحدثان
همسا إلى أن أحسا ببرودة الجو , كما أن الزوجين اللذين
يتابعونهما ابتعدا عن مرآهما
.
فى اليوم التالى رأى حسن رجب آتيا
بقميصه المكوى وحذائه اللميع , فابتسم له , ثم ضحك عاليا مما
أثار رجب ؛ فصاح فيه
:
-
ما الذى يضحكك ؟
-
تذكرت نكتة .
-
رؤيتك لى ذكرتك بالنكتة ؟!
فى المساء أعدت صبرية سندوتشات
وبعض الفاكهة والحلوى ليأخذاها ويتسليا بها فوق السطح . ليلتها
شاهدا البنت سعدية
–
زوجة عبده – تجلس فى صالة شقة مرسى . قالت صبرية
:
-
ما الذى جاء بسعدية إلى هنا ؟!
-
زوجها فى وردية ليل , وهى وحيدة
؛ لم تنجب بعد .
دارا حول السور القصير , لم يجدا
حجرة نوم واحدة مضاءة . عادا إلى شقة مرسى . التليفزيون أمامها
والبنت سعدية تأكل
الفاكهة والسودانى واللب الموضوع فوق الطاولة القصيرة.
دار حديث بين مرسى وسعدية . ثم
قامت زوجة مرسى وجاءت بشريط فيديو . وضعته فى الجهاز , قالت
صبرية :
-
هيا يا حسن , سيشاهدون فيلما
.
كادا ينزلان خاسرين . فالليلة–-
رغم السندوتشات والفاكهة والحلوى المعدة – لم يخرجا بشيء يستحق
الرؤية . لكن صبرية
لاحظت أن المعروض فى التليفزيون فيلما من ( إياهم ) . صاح حسن
:
-
كيف تشاهد سعدية فيلما من هذه
الأفلام مع رجل غريب ؟!
كانت سعدية مشدوهة , تحرك جسدها فى
عصبية . واضح أنها لم تشاهد هذه الأفلام من قبل . ومرسى يحكى لها
ويشرح . عندما
ابتعدت زوجته لإحضار الشاى ؛ اقتربت يد مرسى من ظهر سعدية العارى
؛ فتملمت قليلا ,
ثم رجعت بظهرها إلى مسند المقعد ؛ ضاغطة يد مرسى التى مازالت فوق
الظهر, صاحت صبرية
:
-
يا نهار أسود ومنيل
.
لم ينم حسن ليلتها , ظل وجه سعدية
ماثلا أمامه بشفتيها الممتلئتين وفمها الواسع . عبده زوجها كان
يعمل معه فى وردية
واحدة , لكنه اختلف مع المهندس , فغضب عليه ونقله إلى الوردية
الثانية .
لم يصعد حسن إلى السطح باقى ليالى
الأسبوع . يوم السبت تبدأ الوردية الثانية , سيكون عبده معه .
أيحكى له عما فعلته
زوجته ؟! لا . فكر حسن فى أن يضم إليهما عبده وسعدية ليتسليا
بالمشاهدة مثلهما
.
انتظر حسن عبده . منذ أن سكنا العمارة الجديدة لم ينتظره , سارا
معا . قال حسن :
-
أريدك فى المساء وزوجتك سعدية
,
سأريكما شيئا .
-
إيه , فيلم فى التليفزيون ؟
-
نعم .
صعدوا السطح معا . أوصت صبرية
سعدية بألا تضحك بصوت مرتفع – كعادتها – وأن تتحدث همسا .
اكتشفوا هذه الليلة حجرتى
نوم مضاءتين . كانوا يتابعونهما معا . ينظرون إلى واحدة ثم
يسرعون إلى الأخرى
,
ويعودون بعد قليل إلى الأولى
.
فرحت سعدية بما رأت . وضحك عبده من
اللعبة , فهو يرى زملاءه فى أوضاع يراهم فيها لأول مرة . الذى
كشف الموضوع أن حسن
انسحب من لسانه ودعا رزق صديقه وزميله فى الوردية إلى هذه
المشاهدة وأوصاه بأن يأتى
بزوجته ليشاهدوا ما يحدث جماعة . انبهر رزق بما يرى , وضربت
زوجته على صدرها وصاحت
:
-
يا نهار . أهكذا ؟!
قال رزق :
-
سأحضر معكم إذا ما صعدتم ثانية
.
ونزلوا إلى شقتهم , كل شئ كان عال
العال . لكن رزقا تذكر شيئا أقلقه . مادام كانوا يتابعون حجرات
النوم من قبل ؛
فحتما رأوه مع زوجته وشاهدوا عريه وعريها . ذلك أرقه وجعله
مستيقظا حتى الصباح
.
وعندما رأى حسن وعبده فى المحطة ؛ صاح فيهما وأراد أن يخنقهما
معا وبكى :
-
أكنتما تشاهدوننى عاريا كل ليلة
؟!
ثم قدم بلاغا إلى العلاقات العامة
بالهيئة بذلك .
قال المهندس سعيد لخيرى – مساعده
ومدير مكتبه - :
-
بماذا أوصت إدارة العلاقات
العامة ؟
-
أوصت بطرد الثلاثة من السكن
.
شرد سعيد قليلا , سيعودون إلى
قراهم التى جاءوا منها.