-20-
سُلَّـــــم
التـحدي
سبعــون ومضة
و
ومضة قصصية
بقلم
: نعيم الغول
1
إعادة نظر
التقطها من أحد الأزقة وهي تموء بلوعة ..بجوع.
فكر " قد تصطاد الفئران في البيت وتؤنس وحدتي".
لكنها عندما لم تصطد أي فأر ، وعندما زالت اللوعة من موائها ، ولم تكتف بلحس
أطباقه، ورغبت في اختيار المكان الذي تنام فيه،
أعادها الى الزقاق .
2
تحية مشروطة
كان يمشي الهوينى . ثوبه يطمح في الوصول الى الركبة ، لكنه يرتد إلى تصف الساق
بحسرة. تدلى طرفا كوفيته على جانبي صدره كشراع سفينة تبحر دون بوصلة . كانت يده
تمتد بين الفينة والأخرى لتقيس كم زادت لحيته عن مدى قبضته.
مر بجانبي. فقلت بنية إفشاء السلام :"السلام عليكم."
انتظرت "السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته"، لكن ما وصل إلى مسمعي كان كلمة (سلام ).
كان ذلك بعد نظرة من طرف العين إلى
بذلتي التي كنت أراعي أن تكون فضفاضة،
وإلى لحيتي التي لم أفكر يوما بقياس
طولها.
3
الحزب أولا
انضم إلى تلك الجمعية الخيرية و صوت
الأمين العام لا يزال يطن في أذنيه:" الهدف خدمة الحزب والدين !".
و رشح نفسه لانتخابات الهيئة الإدارية للجمعية مدعوما بأصوات إخوانه
الحزبيين،وكان صوت الأمين العام لا يزال يطن في أذنيه " الهدف خدمة الحزب
والدين!"
وحين نبهه رئيس الجمعية الى أن غيابه عن حضور اجتماعات الهيئة الإدارية،
واجتماعات اللجنة التي تصدى لرئاستها عطل اتخاذ قرارات هامة قال وعينه على
ساعته:" المهرجانات الحزبية كثيرة هذه الأيام " ثم همس :" والقضايا المطروحة
في الجمعية ليست من الأولويات."
قال ذلك و صوت "الأمين" لا يزال يطن في أذنيه.
4
ركبة ونصف
"سأضع حدا لهذا التسيب و الانحراف عن
المسار."
كان يقول ذلك وقد شع وجهه بحمرة مشبعة
بزرقة كمن صفع ولم يرد :
"سأكون مثل صدام !"
ولوح بقبضته فثبت السكرتير نفسه في
كرسيه ،وكان المراسل واقفا فجلس. لم يريا من قبل غضب رئيس الجمعية الذي استطرد
بصوت كالرعد:
" سيغضب أقوام، ويريحوننا من وجوههم."
بدأ اجتماع الهيئة الإدارية . قال
الرئيس:" هناك أناس يطعموننا جوز فارغ. سنعيد تشكيل اللجان ". قال القوم
المعنيون : وراء الأكمة ما وراءها. سنقعد لك على ركبة ونصف ."
ابتسامة صفراء ركبت الفتحة الواسعة
التي كانت تهدر قبل قليل :" (باطل ). نشطب البند ولا نحوجكم لتلك الجلسة !"
5
"حامل النعجتين"
بدت حركة شدقيه وهو يصف إنجازات اللجنة التي يرأسها كحركة فكي كلب ينقل العظمة
من جانب الى آخر متلذذا. تحدث عن الأهداف والخطط والنشاطات . رفض كثيرا من
التعديلات . وطلب صلاحيات إضافية ،وضم لجنة اخرى تحت رئاسته. الاعضاء الآخرون
كانوا نائمين بانتظار ان ينهي حديثه ووجدوا أيديهم ترتفع بالموافقة.
بعد ان انفض اجتماع الهيئة الإدارية ، عرج على السكرتير وقال : " اتصل بأعضاء
اللجنة، وقل لهم إن هناك اجتماعا الساعة الرابعة ،وأي عذر من الأعذار السابقة
للغياب مرفوض . هذا هو الشهر الخامس ولم تجتمع اللجنة سوى مرة واحدة .
قال السكرتير بهدوء :" أذكر جنابكم أنه عن أربعة من بين الخمسة اجتماعات تغيبت
أنت ؛ فاحتجوا هم ولم يحضروا الخامس."
6
شتاء عمان
الأبواب والنوافذ المغلقة أشعرته بالحاجة الى الخروج من البيت.
صعد الى السطح، ورمق الغيوم السوداء التي بدأت تتجمع منذ مساء الأمس.
ولاحظ أن غيوم عمان لا تأتي فجأة .
ولا تجتمع فجأة
ولا تمطر فجأة
وأنها حين تأتى تكون حبلى .
وحين انتقلت عيناه بين جبالها التي استلقت على ظهرها كأنها تنتظر وعد السماء
،هاله أن كل جبل كان ثديا أحاطت به البيوت بحرارة .
ولاحظ أن حليب هذه الأثداء
لم يحرم منه الأبناء رغم ان آباءهم مختلفون
ولم ينضب وإن تَقَطَّر
ولا يزال طازجا إلى يوم الرباط
عندها ملأ رئتيه من هوائها ،وهو يتمتم :" أي أم أنت يا عمان؟!"
7
مواهب
حين كانت في مكتب الرئيس التنفيذي للمؤسسة المصرفية متعددة الجنسيات، وبمحض
الصدفة وهي تكشف تنورنها القصيرة، وتسحب جورب النايلون الطويل إلى ما فوق
الركبة اكتشف الرئيس أن لديه طابعة ذات مواهب .
ولم يكد يسقط الجفن على الجفن بعد اختبار المواهب أصبحت مشرفا.
وحين تأكد للرئيس أن مواهبها أكثر عمقا وغموضا من مجاهل أفريقيا أصبحت تحمل
توقيع "ب".
وجاء رئيس تنفيذي جديد ،وبمحض الصدفة اكتشف أنها لا ترهق صدرها بحمالة صدر.
وحين تأكد له أن باطن افريقيا يخفي اكثر مما يخفي سطحها ،أيقن ان من الظلم دفن
مواهبها في توقيع صغير فمنحها (أ) فاخرة تعلوها همزة بصلابة تتعب الفم
واللسان. وأصبحت مديرا لشؤون الموظفين.
وجاء رئيس تنفيذي جديد ،و أثناء إجراءات التسليم والاستلام بينه وبين الرئيس
المغادر قال الأخير : " ستكتشف أن مديرة شؤون الموظفين موهوبة !"
فرد الآخر بثقة :" لا داعي لذلك يا سيدي ؛فلا يوجد أحد لا يعرف مواهبها!"
8
عن الرجال و الظلال
في النسمات الربيعية من العشرين من عمره كتب روايته الأولى؛ فقيل له إنه بحاجة
لأن يدفن رأسه في الكتب ،وينصب شراعه في بحور العلم.
مع براعم الثلاثين وبعد ان تحول الى فأر كتب ،وتفلطح رأسه علما ،كتب روايته
الثانية فقيل له إنه بحاجة للخبرة.
ومع إطلالة الأربعين برأسها الأشيب، وبعد ان سود بحبر المران مئات الألوف من
الأوراق، ودفع بها الى بائع الفلافل ،كتب روايته الثالثة ؛فقيل له إن الناس لا
تعرفه.
ومع دخوله الخمسين بمفاصله المهترئة ، وبعد ان حلف لكل المخلوقات إنه كاتب،
واقتنعوا ووعوا؛كتب روايته الرابعة فقيل :" إما أن تنشر على حسابك أو تبحث عن
واسطة " .
لكن الخمسين ألصقت قدميها بالحائط وقالت" من هذا المراح لا رواح "،و توفي
بالجلطة والصدمة والانهيار العصبي والانفصام وتصلب الشرايين وحب الوطن والحلم
العربي والوجع الإنساني.
ومن قبره في "مقبرة سحاب" المختلطة تابع تسابق النقاد للحديث عن إبداع كاتب
اختار أن يعيش في الظل .
9
هي وصديقتها
جلستا على مقعد خشبي تحت ظل شجرة سرو اختزنت تحت قشورها آلاف الحكايات.
عينا (سماح) كانتا تلاحقان طيف كل(
ذكر) حتى لو كان ذكر ذبابة. وتكتشف حين كان يمر شاب يروق لها أن خصلة من شعرها
تعيق النظر إليه ،وتعيقه من رؤية سواد عينيها، فتزيحها وتبدل وضع رجليها لتكشف
التنورة عن أقصى ما يسمح بالكشف عنه. لم تكن تعد ضربات قلبها حين تغرق في بعض
المرح واللهو وأشياء أخرى .
عينا (صالحة ) كانتا تلاحقان عيني (
سماح) ،وتدرك ان جميع النظرات تنصب على صديقتها ،وتتحاشى النظر إليها حين تجد
أن أشعة الشمس لا تصل الى شعرها ونحرها. وكانت تجد في المرح واللهو إبحارا بين
المجرات وأشياء أخرى، وتنتظر جناحين يحملانها الى عش جميل وكتاكيت تمد مناقيرها
.
فجأة انتفض شاب كسمكة في طرف خيط.تقدم
..عرف نفسه باسم (غنام). وبجرأة ذي الخبرة طلب من (سماح) ان تسير معه .
بعد شهرين جلست (سماح) على المقعد
الخشبي ذاته، وفي خيالها تراقصت بذلة زفاف صديقتها (صالحة) على (غنام) والعبارة
الأخيرة التي واجهها بها :" من تجود لك تجود لغيرك".
فانحدرت دمعة من عينها مسحتها بطرف خمارها ،وهي ترمق صديقة جالسة بجوارها تتابع
طيف كل رجل .
10
ذاكرة بلا ثقوب
اقترب منها ..اقترب .. اقترب كثيرا
وحين ابتعد
كانت المرأة التي تسكن ذاكرته امرأة ترى صورتها في عينيه ولا تراه.
11
ذاكرة ذات ثقوب
اقترب منها .. اقترب .. اقترب كثيرا
وحين ابتعد
كانت المرأة التي تسكن ذاكرته امرأة تنسى بقايا الطعام بين أسنانها ، وملح
العرق تحت إبطيها وتطالبه بحقها الشرعي .
12
الطلقة والرأس
قال :" سأغير !"
وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا واحدا.
وفجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تسكن رأسه؟!!
13
الأحضان الدافئة
قال :" سأغير !"
وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا آخر.
وفجأة ، سمع طرقا على الباب، ووجد أحضانا دافئة و"بوكيه" ورد ؟!!
14
قبل الطلقة والرأس
قال :" سأغير !"
لكن رعشة تلبست جسده ، وحجارة تكومت في حلقه.
فجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تمر من جانب أذنه: فصرخ قبل الطلقة
الثانية " سأغير ملابسي وأنام ".
15
سندباد
عاد السندباد الذي لم يغادر مدينته قط
انثنى الى زوجته" زاد المعاد".
ولكنه وجد ان نمل الرغبة هجرها في تلك
اللحظة . و تذكر أن مباشرتها وهي غير راغبة سيكون ضربا من العنف قد يجعله
مطلوبا لحماة الأسر ،وأن (التعدد) موضة قديمة لمجتمع ذكوري متسلط. وتذكر ان
الشوارع ستظل تتقيأ طوفان العري ،وأن النمل قد لا يعود حين يريده ،بعد أن صار
طوع يدها ولسانها.. عندها تذكر دفتر أرقام الهواتف المهمل.
ومنذ ذلك اليوم لم يكف عن ممارسة(
التعدد ) بين أرقامه ؟!!
16
"كله بثوابه "
في طريق عودته الى البيت من العمل ،غبط
نفسه كثيرا على نجاحه في التوفيق بين متطلبات شخصية زوجته النزاعة الى التحرر،
وبين متطلبات الأسرة والبيت . وابتسم وهو يتذكر بلاهته حين كان يعارض خروجها من
البيت للعمل بحجة أن دور المرأة في البيت كبير، ويتجاوز الطبخ والنفخ والجلي
والمسح. وسخر من النتيجة التي كان يصل إليها دائما ان الأسرة من غير استقرار
المرأة في بيتها ستتحطم. وتمنى في تلك اللحظة لو انه لا يقود السيارة ليفرك
يديه بحبور لأنه استقدم "سيريلانكية" ذكية تعرف كيف تتعامل مع الأطفال. وحين
قطع الهاتف النقال ماراثون أفكاره قال لزوجته متنهدا بتفهم :" لا بأس ، أليس
الأمر جيدا لمستقبلك المهني؟ (باي حبيبتي ).وحين وصل الى البيت وجد ابنه
والسيريلانكية يشعلان الشمع والبخور لتمثال صغير لبوذا.
15
الروح والأرض
على أحد أطراف المخيم المحصورة بين طوق
من الجبال جلس وسرح بنظره الى البعيد أجابت الزفرة التي خرجت من رئتيه أسئلة
نشبت كالنار في حناياه :
-
ماذا لو بعت كل شيء
واشتريت بندقية ؟
-
ماذا لو حميت عرضك
يومها بصدرك بدلا من ساقيك؟
أكنت تتسول حق العودة ،وحنان( الأم)م
المتحدة؟
16
عن الجرائد والرمان
حين مد قدمه الى تلك الجريدة ليدفع
بقصة جديدة للنشر، لمح بعض الوجوه التي ذكرته بأسماء تستوطن الصفحات كنتساريم"
في القطاع.وحامت الأسئلة في زوايا مخه وظلت تئز . دس يديه في جيبيه عاجزا
فوجدهما فارغين، وسقطت عيناه على صدره ؛ فوجده بستان رمان خرب، واستقرتا على
ساقيه فأحسهما كخشب "الطوبار ". "فقلب" وجهه وخرج.
17
إهتراء
بعد أن اهترأ القفل على شفتيه، وبعد
أن اهترأ لسانه الساكن في قعر فمه، وبعد أن اهترأ حلقه ، وبعد أن اهترأ العشب
الأخضر على قمم جبال وطنه، وبعد أن اهترأ الغلاف الجوي الذي يتنفس .
تكلم ..
لكن الآذان كانت قد اهترأت أيضا.
18
صحبة الكلاب
"الكلب صديق للإنسان " . الكلب رمز
الوفاء "
اعترف أنني كنت تحت تأثير حمى هذه
الشعارات حين أدخلت كلبي " تشيرتشل " الى حياتي . " وقد سار مركب الصداقة
بيننا ردحا من الزمن على مياه وادعة حتى ذابت المسافة التي تفصل (أنا )ابن آدم
عن (هو ) ابن الكلب ، و حتى بلغ بي ان كنت اترك أخي يتحدث وحده وانتبه الى
نباح " تشيرتشل " ، وحتى وطنت النفس ان أوصى له براتب تقاعدي بعد وفاتي . وحتى
حرمت نفسي من اللحم وأطعمته . وفي أحد الأيام أحببت ان أفاجئه أحضرت له عظمة
وأنا أتخيل نفسي داخلا إليه بها أقول " سيربرايز " فيقول " عضم عضم " .فقد كانت
تلك طريقة "تشيرتشل" الحبيب في تحوير صوته من (عو عو) الى ما يحب. وكنت قد
اكتشفت هذه الموهبة لديه يوم ان سافرنا معا بالطائرة الى اليابان ومررنا من
فوق الخليج العربي فهتف " نفط نفط". وعندما أعطيته العظمة غرق في الشم والمص
واللحس والعض .فرغبت في ان أمازحه
– كصديق والله - فمددت يدي لأسحب
العظمة من أمامه. وكانت المرة الأخيرة التي أرى فيها يدي بخمسة أصابع.
19
الحكاية ببساطة
أستطيع ان ألخص لك الأمر كما حدث معي
بالضبط . كنت مثل من دخل قرية بعيدة عن مدينته ،ثم حدث شجار ما فتمزقت
ملابسه، واضطر الى شراء ملابس جديدة . لم يكن هناك في القرية سوى متجر واحد
لبيع الملابس.فيعرض عليه ما عنده . وما عنده لم يكن في كثير او قليل كما يريد
. بالطبع لك حرية الاختيار بين ان تشتري او لا تشتري ؛ أي إما ان تظل بملابس ما
بعد الشجار، او تبحث عما يناسب طولك وحجمك. وفي الغالب لن تجد وستلبس اقرب
شيء لما يناسبك .
-اعتقد أنني فهمت ولكن ماذا عما تؤمن
به ؟
-
هذا بالضبط ما أحاول
قوله بعد أن وصلت الى هذا الكرسي .
20
اختيار
تكلم بعد صمت
طويــــــــــــــــــــــــــــل،
ولم يصمت بعدما
اختــــــــــــــــــــــــــــار
أن يتكلم.
21
ثلاثية سليموفيتش
(1)
الجلاد والضحية
حين سقط كان اسمه رجب سليموفيتش .
لكنه قبل ذلك كان نيكولاي مكسيموفيتش
. شهد بذلك جواز السفر وبقية الوثائق الثبوتية الأخرى التي رغم انه دفع عشرة
آلاف مارك ألماني ليحصل عليها ، لم تكن تساوي اكثر من قيمة يمين مسلم أمام
صربي .
بعد ان دفع المبلغ صار صربيا نقيا ،
وما عاد مسلما شقيا.
وحين كان اسمه مكسيموفيتش سجل في
ذاكرته أنه أذاق حد السكين طعم أكباد مائة طفل مسلم ، وانه لم يحدث أبدا ان
كان من بين الخمسين عجوزا الذين قتلهم أحد تزيد المسافة بينه وبينه عن بضع
سنتمترات. وسجلت أيضا أنه كان يغتصب الفتاة المسلمة مرتين ؛ الأولى ليخلق
انطباعا لديها؛ والثانية ليضمن ان الانطباع لن يزول .
وحين كان اسمه نيكولاي مكسيموفيتش ،
لم يسأل نفسه لماذا - وهو المسلم - يفعل ذلك .
لكنه حين عرف انه سيموت ، وعاد اسمه
رجب سليموفيتش ، سأل نفسه :" لماذا رجب ؟ لماذا ؟"
أجاب نفسه بأسى :" الجلاد كثيرا ما
ينجو"
(2)
الضحية و الضحية
[رجب سليموفيتش ] سقط برصاصة واحدة.
وحوله كتيبة كاملة من الصرب . كانوا
يعرفون أن الراكع على الأرض كان بطلهم نيكولاي مكسيموفيتش. لكنهم قالوا له
إما ان تموت بيدك وبمسدسك او نقتلك نحن.
" يريدون رأسك ليس لأنك لبست جلدهم
وخدعتهم. بل لأن جلدك الحقيقي ظهر. الخداع لم يزعجهم إذ أن "رادوفان" نفسه
أرسل يقول إنك أول مسلم يكسب احترامه ؛ لأنك الوحيد الذي خدم الصرب دون
مقابل . كان سعيدا جدا فأصر ان يعطوك ميدالية قبل أن يقتلوك."
حين أطلق [ رجب سليموفيتش ]
الرصاصة على قلبه كان يهمس ": الجلاد نجا".
( 3 )
الجلاد فقط
راقبوه حين تكوم على الأرض.
-" ما زال يتنفس ."
-" ثوان ويموت."
-" هل أجهز عليه ؟"
-" هل أنت مجنون .دعه يتألم قليلا."
22
حلقة الصمت
كانت الفرصة مواتية له تماما.
الآن يستطيع ان ينتصف من كل الذين
ظلموه. سيلاحقهم في منامهم و صحوهم .. ولعبهم وجدهم و حين يأكلون وحين يشربون
...
سيكون ظلهم المرعب .
وحين بدأ بالضحية الأولى على قائمته
الطويلة ،وجد أن يده لا تمتد لتمسك بالأشياء ، وان الضحية لا تراه ،ولا
تسمعه ، و لا تشعر بوجوده . أصمم ذاك أم عمى أم جنون ؟
فاجأه الجواب كثيرا ،فعاد الى صمته
الذي كان عليه في الحياة الدنيا.
23
افتح يا سمسم
العيون التي ضربها الرمد الهابط من
أقطاب الأرض ابيضت ، والحناجر المتشققة من الصراخ الباطني صافحها التئام . فقد
تكلم.
-
" تكلم ؟!!؟
-
أخيرا تكلم ."
-
" ماذا قال؟"
-
"لا"
-
"أخيرا ..أخيرا ..
أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا .. أخيرا. أخيرا سننصب رقابنا
..سنعيش .. سنفرح .
24
خطيئة لا يغفرها
الرب
سرحت بنظرها الى الجبال القاتمة اللون
التي تطوق المستوطنة من بعيد. هالها حجم الصخور والحجارة التي تحملها تلك
الجبال. أزاحت وجهها بقوة عن النافذة، والتفتت نحوه وهو يمشط الخصلتين
الطويلتين المنسدلتين من فودي ابنهما .
همست :
" يتسحاق هل نحن زناة ؟؟"
انتفض صعقا وقال:" أولغا هل جننت .
نحن مؤمنون ولا نزني ؟"
-
إذن لماذا يرجموننا
بكل تلك الحجارة ؟!!"
25
بانتظار الصباح
ككل يوم صلى الفجر ،وجلس ينتظر الإفطار
من بين يدي زوجته "أم العبد". صحن زيتون .. زيت وزعتر .. "باطية" الخبز ..
إبريق الشاي .. شربة الفخار. ككل يوم . أم العبد تطالعه بأخبار الليلة الفائتة
:" داهموا بيت سالم الأجرب .. اسروا ابن العمشا .. "طخوا "وراء الملثمين الذين
جرحوا أحد العملاء ."
هز رأسه وهو يتناول رغيفا ،ويمزقه وفي
ذهنه رقبة الجندي الإسرائيلي الذي بصق في وجهه عصر أمس عند الحاجز الرابع عشر
على مدخل القرية، ثم قال كالمفلوق :" مثل كل يوم .. الصبح قريب يا أم العبد ..
قريب "
26
كشف حساب
بدأت زهرتها بالتفتح ؛فرفضت القائمة
المحددة بالممنوعات. وأدارت ظهرها لأشياء كثيرة. وحين بدأت أوراق زهرتها
تتساقط تذكرت أشياء كثيرة .
ولما سقطت آخر الأوراق
… .. .. ..
لم تجد إلا الله والذكريات.
27
اللعبة
كلهم هناك
وحده هنا.
نادى كالمذبوح:" أيها السادة . لا
يستطيع أحد ان يناور مثلي .. او يحاور مثلي .. أو يداور مثلي . قاومت وساومت
وهادنت ،ولكنهم يريدونني الآن خارج اللعبة.ومع أن أطراف اللعبة الآخرين لم
يتغيروا ، إلا انهم يريدون دائما أن أكون أنا من يخرج من اللعبة . واللعبة
من غيري تصبح بلا قواعد البتة .هذه هي قضيتي أيها السادة ."
من بعيد جاءه صوت تصفيق . ثم صمت .
28
الضريبة
ذات صباح ، أعد قهوته ، وجلس منتظرا
ان توصله في طريقها الى عملها بسيارتها إلى عمله . تأملها وهي تعد زينتها ثم
سأل:
-
"لماذا تصرين على
الخروج بكامل زينتك للعمل او للزيارة بينما تمضي أيام دون ان تتزيني لي ؟"
فردت دون ان تلفت إليه:
-
"أنت زوجي ."
29
قرارات عاجلة
-"يجب ان تقبل بي كما أنا . وإذا لم
تفعل هناك رجال كثيرون غيرك، ونساء كثيرات غيري."
-
"سأفكر ."
-
" لا . لا تفكر . قرر
الآن ."
-
" لماذا ؟"
-
"إذا فكرت ستُحسم
النتيجة ،ولن يكون أمامي مجال لتغيير رأيي".
30
خطوات
- " امممممم !كم هي جميلة ."
تردد قليلا ثم اختلس نظرة.
-
انظر لشعرها
..لقوامها .. لمشيتها. يااااااااااه كم هي ساحرة "كانها تمشي على رمشي !"
تردد ثم نظر .
-
انظر الى .. . حرارتي
ارتفعت.
تردد ثم نظر ثم بسر ثم تولى و أدبر .
قهقه الشيطان طويلا ثم قال: أين تمضي
؟
31
"أمريكا" تسكن
بيتنا
-
"ابنك صغير فلم تسمح
له بمشاهدة الأفلام الأمريكية؟"
-
(من تعلم لغة قوم أمن
شرهم )!
ثم تحول الى صغيره وقال:
-
"هل حفظت كلمات
إنجليزية يا محمد ؟"
-
" نعم بابا : فاك ،
شيت ، بيتش . كيل هيم ."
32
الشاكي و الباكي
من "مينيسوتا" إلى نيويورك قطع أحمد العربي مئات الأميال حتى وصل الى تمثال
الحرية.وقف قبالته وقال له : أرأيت ما يفعلون بنا؟
مال التمثال نحوه وقال :" أنظر الى يمينك ؟"
كانت هناك امرأة بيضاء تبكي ومعها رجل أشقر يحاول التخفيف عنها كانت تقول:
-" أرأبت ما يفعلون بنا؟"
33
عمامة أمريكية
التفت الحجاج الى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ثم الى أعضائها وقال:"
يا معشر الأمم ،
أنا ابن جلا و طلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
وانتقل ببصره الى وجوه مندوبي الدول المارقة وبقية الدول الإسلامية وقال:
إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ،وإني والله لصاحبها. وتذكروا من لم يكن
معي فهو ضدي .
ووضع العمامة على رأسه فإذا هي مخططة بخطوط حمراء كسياط ابليس وتنتشر في
طرفها نجوم كالبثور.
34
الرجل الذي بصق على
نفسه
خرج من هناك .وقف أمام المكان قليلا . هم بمتابعة طريقه. لكنه تنبه فجأة الى
انه عار تماما. أحس بان بطنه كالربع الخالي . في اللحظة التي حاول فيها الهرب
اتضح له ان الأصفاد اثقل من ان تسمح له بذلك.
عندها بصق على نفسه لأنه دخل مصرفا.
35
يولد الإنسان حرا
ثم ..
سأله ونار في القولون تجري :
-"هل عملت في بنك؟"
-"لا ؟!"
-"أنا عملت. "
هز الآخر كتفيه بغير مبالاة: "وماذا في ذلك ؟"
فخلع ملابسه كلها. فظهر أثر طوق على رقبته ، وقيد على معصميه . أما ظهره فكان
يجأر من أثر السياط.
36
الفَراش العاري
رآهم يخرجون من مصرف ويتراكضون في كل الاتجاهات كمن يفر من الجذام . كانوا
عراة وبطونهم تلتصق في ظهورهم.
ثم رآهم مرة اخرى يعودون في شباك كتلك التي يصيدون بها الفراش .
نظر الى سرواله المرقع وكسرة الخبز التي "يقرقطها " وتمطى بسعادة.
37
مقابلة
وسط الحصار كانا واقفين . كانا ينتظران رصاصة انفلتت بقرف من مطلقها. ومن بعيد
تعالى نباح كلاب من أطراف المخيم . قال المحاصر لزميله المحاصر:
-
"أتسمع أصوات الكلاب
؟"
-
"نعم . وما الغرابة
؟"
-
" تذكرني بسؤال مثل
المكوك في رأسي ؛ الكلب الافرنجي ينبح ويعض عدوه،والكلب العربي يصمت ويهز ذنبه
؟!"
-
( .. ..)
38
الإرهاب و
الهَرْبَرة
اتخذ الحاضرون مجالسهم في قاعة فسيحة
خلت من الورود، ومن زجاجات المياه المعدنية. كان الاجتماع قد اعد على عجل
.ودعي الحاضرون من جميع الأقطار العربية .و كان هناك الدكتور والعلامة
واللوذعي والجهبذ والأستاذ الدكتور . وقف رئيس الجلسة ، وطلب من الحاضرين
الوقوف دقيقة صمت على شهداء برجي نيويورك. ثم بدأ الجلسة قائلا :" أيها السادة
نجتمع اليوم للاتفاق على إدخال كلمة هربرة -دون ترجمة- إلى معاجم اللغة
العربية . ويجب ان نضع لها تعريفا محددا لتختلف عن كلمة إيواء حيث يشمل
الإيواء الدول والأفراد بينما الهربرة تشمل الدول فقط .من يوافق ؟"
رفع الجميع أيديهم موافقين وقلوبهم تفيض شكرا أن الكلمة لم تكن "الإرهاب" .
39
الذيل المحمي
قالت الجدة لحفيدتها المراهقة :
-
"في البدء كانت
المرأة حرة ،ثم اكتشفت أن لها ذيلا جميلا: فلعبت به وكان ذلك مع ابن صاحب الكهف
المجاور . فلما علم والدها بذلك قطع ذيلها ومنعها من مغادرة الكهف إلا بإذن
مغادرة خطي منه. واليوم نما الذيل ثانية ، واكتشفت المرأة جماله وبدأت تلعب به
كما تشاء .ارتعشت الحفيدة ومدت يدها الى ذيلها لتخفيه. فسارعت الجدة الى القول
:" لا يا حبيبتي . ارفعي ذيلك، وأظهري محاسنه ، بل زينيه بالورود وعطريه.
فللذيل قانون يحميه؟"
40
أفضال بني الأصفر
بذهول وغبطة تساءلت الحفيدة :
-
"جدني ، من وضع
القانون الذي أعاد لنا حرية اللعب بذيولنا؟"
-
" من غيرهم ؟ بنو
الأصفر تسلم لي عيونهم الزرق ."
-
"كيف بدأ الأمر ؟"
-
ذهب الرجال لاغتصاب
الأرض وبقيت النساء .قالوا فلتخرج النساء فقلن عيب . فقالوا لا عيب اليوم .و
اكتشفوا _ لا نفد وقود صواريخهم العابرة للقارات _ أن المبيعات تزداد ،وان
النساء سلع متعددة الأغراض . واليوم حين تكسد البضاعة يلوحون للناس بذيل الأنثى
؛ فصار لا شيء يباع او يشترى دونه.
41
منطق
صرخت الحفيدة :" جدتي لا زلت خائفة
من رد فعل الرجل .انه قوي، وغبي وغادر."
-
"قلت لك هناك قانون
،ولن يسمح له بان يلعب بذيله، وإلا قطع من جذوره."
-
"جدتي لا احب هذا
التهديد .إن لم يلعب الرجل بذيله، فما جدوى حريتنا ؟"
42
حكمة
بدا عظم وجهه بارزا ، واصطك فكاه ، وهو
يقول لزميله المستلقي على بعد أمتار منه :
-
في تلك الأيام كان
أشد ما يؤرقني المرأة . أتعرف من هو الرجل الوحيد .. أعني الوحيد من بين خلق
الله كلهم الذي لا تلفت نظره امرأة متبرجة مهما بلغ جمالها؟
-
من ؟
-
إنه الميت .
فصدرت خشخشة غيظ من عظام زميله وقال:
-
أطبق فكيك ،وأغلق
تابوتك .
43
غزاة القبور
فتح التابوت لدى سماعه أصواتا كثيرة
ونحيبا فوق سطح الأرض . أدار جمجمته ونظر ، فرأى رجالا يحملون تابوتا ،ورجالا
آخرين ونساء حوله . كانت النساء ترتدي فساتين سوداء . لكن الفستان منها كان
بحاجة الى فستان آخر كي يغطي ما انكشف من البدن.
نادى الميت زميله : هيه عبد الله.
-
ماذا ؟
-
أترى نساء الدنيا؟
-
نعم كل يوم نراهن ،
ماذا في ذلك ؟
-
أتعرف لم يلبسن هكذا
؟
-
إنهن حزينات .
-
حزينات يا حمار و
يكشفن عوراتهن؟؟! إنهن يفعلن ذلك من أجلنا . ألم اقل لك؟ لم يبق سوى الأموات !
44
اختبار مرفوض
ابتعد كثيرا حتى نسيت ملامحه.
وعاد . فعرفته على خليفته الجديد. و
ألقت إليه بصورة من ورقة التفريق بالغيبة، وهي تقول :" أنا لا احب الاختبارات".
46
هو و الطاولة
كان شعرها المستعار ، و"طقمها" الأسود
يقول للجميع إنها سيدة مجتمع . وكانت أحاديثها الصحفية والإذاعية، واتهامها
للمجتمع(الشرقي ) بأنه متخلف تقول إنها من النخبة . ورغم أنها عودته أن يكون
وراءها دائما ،فقد كانت تراعي مشاعره أحيانا. ولهذا كانت تحب أن تجري الكثير
من الأشياء من تحت الطاولة .
ولما تعب ذات يوم من المشي وراءها ،
قال لها :" إما أنا وإما الطاولة ؟!!"
فاختارت الطاولة .
47
فوضى و حمقى
في الطريق الى عمله في شركة التامين
التقط عددا من الصحف المحلية وبضع مجلات. على مكتبه وجد تقريرا حول حريق مصنع
دهانات كبير قدرت خسائره بالملايين. فضل ان يبدأ بتصفح الجرائد والمجلات مع
فنجان قهوته المعتاد. لم يجد شيئا في المجلات غير ما تقيأته من صور نساء فضلن
أن يتصورن دون لباس . في إحدى الصحف طالعته عناوين " الإساءة الجنسية للأطفال"
و "رجل يسجن لاعتدائه جنسيا على ابنته" ،" و"كاهن بريطاني يغتصب ولدا " "
وعنوان " مدافعة قوية عن حقوق المرأة تطالب بتشريع يحمي السحاقيات " وعنوان
آخر : " متهم باغتصاب امرأة يعترف :" لم احتمل كل ذلك العري ؛ انه ضرب من
الحصار ؛ طوفان لا يتوقف ". ألقى الصحف جانبا والتقط التقرير :" مادة( الثينر)
سريعة الاشتعال كانت موضوعة في براميل غير محكمة الإغلاق في ساحة المصنع .
بالقرب منها موقف سيارات و مرآب تشحيم وتعبئة وقود . العمال يدخنون ،ولا توجد
لافتة ممنوع التدخين ، أسلاك الكهرباء مدلاة ، وغير مغطاة وغير موضوعة في
أنابيب ."
غمغم :" فوضى كبيرة . كل شيء تُرك
للحمقى. لا عجب أن يحدث كل ذلك" وألقى بالصحف والمجلات في سلة المهملات.
48
سلم التحدي
"سأقول للذي رماني الساعات في قاعة
الانتظار .. سأقول له بعد أيام من "اذهب وعد ، ورح وتعال " .. أجل سأقول له
بصلابة أن ليس من حقه ان "يمرمطني" بسبب حركة تحركها لساني لغير الأكل.
سأقول له بتحد إنني مواطن ، ولي حقوقي
التي كفلها الدستور .
وسأقول له بقسوة إن أساطيل الأمم
المتحدة ستتحالف لحمايتي لأن غصن إعلان حقوق الإنسان لا يزال أخضرا.
سأقول له بشجاعة إنني مثله بالضبط من
لحم ودم ومشاعر .
سأقول له بكرامة إنني فقير معدم وعلى
وشك ان "اشحذ " في " مجمع رغدان".
سأقول له ما هو افظع .. سأقول له :"
اتركني ،ولك علي أن أخرس ما حييت."
ولكن مهلا !
هذا بئر السلم ..
لا.
علي صعود السلم .. استعنا بالله."
49
سُنَّة
كان عمره لا يزيد على عدد أوراق زهرة
، أما جسمه فكان بحجم كلب فتي.
كان ذلك عندما صرخ :" دعه يعمل .. دعه
يمر ".
بعد موت والده ، استقر في بطنه ميراث
اخوته ،وعلمهم السياحة في الأرض. وبعد ان أكل كل الخراف والعجول في مزارع
جيرانه صار بحجم فيل . وأصبح من الصعب ان يشبع ، فصار يقتل ويأكل بني البشر .
ازداد ضخامة حتى صارت قدمه بحجم بلاد
ما بين النهرين . وصار يقول ويفعل ما يريد. ولم يشته زوجة جاره وحسب ، بل جعله
حاملا لمنشفته أيضا.
ولما صار طوله قريبا من طول جبال
الأوراس ،وعرضه كعرض صحراء "أريزونا "،ولم ير من حوله إلا نعاجا ،جلس على قمة
جبل، و صرخ صرخة عظيمة : " أنا ربكم الأعلى."
ولما خرجت الألف من حلقه ،امتشقت
الغيوم ألسنة حمراء و لسعته بها، وماج البحر حتى علا ناصيته، و تشقق الطور من
تحته.
ولما الماء غيض ، و الجودي لملم ما
من أجزاءه تبعثر، و ألسنتها أغمدت الغيوم، و فيما بينها الأشياء تناجت: أين من
زعم إنه ربنا؟!
50
حيثما تكون" غايوس" أكون" غايا"
تواجها مرة بعد مرة.
في كل مرة كان يقول لها إنه يريد امرأة ودودة ولودة تقر في بيتها ، وتضمد آثار
السياط من على ظهره وتمسح على رأسه حتى ينام .
وفي كل مرة كانت تقول إنها تريد رجلا
لا يعاملها كمطية لم تركب ،ودرة لم ثقب، ويردفها خلفه . تريد زوجا يركب وإياها
عربة بحصانين .. رجلا لا يسأل عن الغبار على فستانها، ولا يعد شعرات رأسها
ليعرف إن سقطت إحداها على وسادة رجل آخر. ونفخا في صور الوداع.
وصادفت رجالا كثيرين قبلوا شروطها ؛
لكنهم وقفوا على عتبة القلب ، وطرقوا الباب فلم يفتح.
وصادف نساء كثيرات قبلن الشروط ؛لكنهن
وقفن على عتبة القلب ،وطرقن الباب فلم يفتح.
حين وجدت الساكن بين أضلعها يفتح
أبوابه فجأة ،قررت أن تقبل شروطه.وفي اللحظة التي فتحت بابها لتخرج إليه، كانت
يده تمتد لتطرقه.
51
الواحة
مر بدوي برجل بدا من سحنته أنه من أهل المدينة . وكان المدني يتفيأ يافطة.
سأل البدوي :" ما يبقيك في هذه الصحراء القاحلة ؟"
قال المدني :" لا سيارة عندي و لا حمار ."
قال البدوي :" على ذكر الحمار ، أنا أمي لا أقرأ . ما المكتوب على اليافطة
وما قصتها؟
قال المدني : تعلم يا أخا العرب أن
واحة كانت في هذه البقعة .وقد فرح بها ساكنوها أول الأمر. ولما وجد كبراؤها أن
صغارها غرهم النعيم وصاروا ممن يحبون العلم والتعليم ،وطالت رقابهم الى ما متع
الله به غيرهم، اخذوا يقطعون الأشجار من أطراف الواحة، ويجففوا ينابيعها
ينبوعا ينبوعا حتى لم يبق من الواحة إلا هذه اليافطة التي كتب عليها " واحة
الديمقراطية ".
52
الحجاب والحرب
كانت تضغط على لوحة المفاتيح بحرارة وضيق :
-
قلنا كما نصحتمونا إن
الحجاب كمبيالة سقطت بالتقادم. رجال الدين كذبونا. جعلنا الكاميرا والمحجبة
مثل العين المجردة والجرثومة ، وجعلنا الحياة جنة لمن رأته نارا تحرق رأسها
،وتوجنا للجمال ملكات ؛ لكن الشعر والنحر والصدر عزت على ضوء الشمس، و على
العيون التي تلهث وراء الصيد . قلنا في المدارس كما قال الإنجليز في الصين :"
ممنوع دخول الكلاب والحجاب " فازداد سمكا ."
جاءها الرد يقطر سلاسة:
-
"قوانين منع التجول
جميلة إذا جربت ."
53
سقوط
لاحقت عيناه التفاحة وهي تهوي على
الأرض من أعلى غصن في الشجرة . ولم يفته ارتعاش أوراق صفراء اخرى، وهي تنزل ثم
تستقر على الأرض جافة لا أمل في عودتها.
لم يفكر في نيوتن ولا قوانينه . لم
يفكر كذلك في الحياة أو الموت.
فكر فقط في أن المسألة مسألة وقت .
عندها صار ضروريا ان يختار بين الحركة
أو الانتظار .
54
تعريف
سأل البروفيسور طلابه الذي جلسوا
كمجموعة من قطع إسفنجية جاهزة لامتصاص ما يرشح من علمه:" ما معنى الدولة
المارقة ؟"
صمتوا إذ عودهم أن يسأل ثم يجيب . لكن
طالبا كان قد تلقى منذ يومين إنذارا بالفصل بتهمة التفكير المستقل قال: "
الدولة التي تفضل ان تزول هي وشعبها ولا تسلم ذقنها لأمريكا."
قال البروفيسور وقد شعر بأنها المرة
الأخيرة التي سيراه فيها:" فما معنى الدولة غير المارقة؟"
رد الطالب وقد صار عند الباب :" إنها
الدولة التي تفضل ان يموت شعبها إن لم يسلم ذقنه لأمريكا".
55
هذيان
هز البروفيسور ديفيد شتاين أستاذ
علم النفس الاجتماعي في جامعة(اكسوايزي)رأسه وهو ينظر الى بطاقة تشخيص
الحالة التي وردته من أحد الأصدقاء شرق الأوسطيين . وبعد أن وضع سماعة الهاتف
دَوَّن ملاحظات زميله الدكتور برايان والاص . ثم عاد وطلب الرقم المقابل لكلمة
الاتصال المباشر وقال : " هاي . شتاين يتكلم . تحليلنا لحالة خلط المريض بين
هولاكو وبوش، وشارون و هتلر وجدار الضفة وجدار برلين بأنه ضرب من " الهذيان
الأصولي "، ومظهر لنوازع إرهابية غائرة في اللاوعي . وبما ان الكاتب المعني
أصولي فانصح بأن تسلطوا عليه أصدقاءكم من العلمانيين . ستجد الكثير منهم في
الصحف والمجلات والحانات والمواخير وبجانب أربطة أحذيتكم.
56
صيف المدينة
في كل صيف يجمع مؤونة أشهر ، يغلق
الأبواب ، وينزل الى بئر السلّم ،و يقاطع الشوارع طيلة الصيف .
ومن خلال العتمة التي لا تتيح له ان
يرى شيئا ،كان يذكر نفسه دائما بأنه حاول ان يغض البصر كثيرا حتى تعب من السقوط
على وجهه.
57
بانتظار البعث
حين أحس بأن هاتفه أصبح كمجاري باريس
يصب في نهر السين والجيم، ودماغه كفأر ابيض في القفص المتلفز ، والأقمار
الصناعية تصور العصارة النشاز في خلايا دماغه.
وحين نظر حوله ،ووجد الأفواه مفتوحة
لأي شيء ، ولغير شيء ،و الأيدي تصافح الجديد مع أنها تعرف انه القديم .
حزم أمتعته القليلة ،
و آوى الى الكهف.
58
طاقية الإخفاء
بعد أربعين يوما في حجرة مغلقة
أبوابها حديد وراءها صنديد ،
خرج؛ فصفعت الشمس عينيه . ولما أحس
انهم زرعوا العيون في ظهره، بحث عن طاقية الإخفاء ،وبعد تعب ونصب ، وخسائر في
الأموال والأنفس وجدها . لكنه لم يهنأ بلبسها ،فقد دخلت البلاد في عهد
الديمقراطية السعيد.
59
بارادوكس
-"بعد مفاوضات شاقة مع صندوق النقد
الدولي صارت البلاد تعيش في بحبوحة ."
-
"وفيم كانت قبل ذلك
؟"
60
أحلام قابلة للهضم
نصفه الغربي يأكل نصفه الشرقي.
نصفه الغربي يطعم نصفه الشرقي.
نصفه الغربي يحرم نصفه الشرقي.
نصفه الغربي يبتعد غربا ويمعن.
نصفه الشرقي يقترب شرقا ويمعن.
والشق يكبر.
والشق يخرج منه ألف شق.
وكل شق يقضم جزءا من أحلامه .. ينتظر
لعلها تعود .. لكنها لا تعود.
61
الخارطة
دفع إليه بورقة ملفوفة : " هذه هي
الخارطة ، ستدلك على الطريق ."
-
"هل ستوصلني الى هدفي
؟"
-
" ما هدفك ؟"
-
" أن ارتاح ."
-
" سترتاح بالتأكيد،
ولكنك ستضحي وتتعب حتى تصل الى نهاية الطريق ."
وحين وصل الى نهاية الطريق لم يكن قد
تبقى منه سوى قدميه، وضبع آخر ينتظر بفارغ الصبر.
62
أمنية
تابعها ببصره وهي تسير في أرجاء البيت
بهمة رغم أعوامها الستين. حاول ان يتذكر عدد السنوات التي ربطتهما معا ففشل .
لكنه عرف فقط انه حين تزوجها كان في بداية اكتشاف ذكورته، وأن أول حيضها كان
بعد الزواج.
قال لها بحنان عز على النضوب : " ليت
يومي يأتي قبل يومك !"
نظرت بجزع إليه وقال :" لماذا ؟
-
إن مت قبلي ستكون
المرة الأولى التي تتخلين فيها عني "
-
" و ان مت قبلي
ستكون المرة الأولى التي تتخلى فيها عني"
-
" ليت الموت وسادة
واحدة تجمع رأسينا معا؟؟!!"
63
حيران
-
ما رأيك هل سيمنح
فلان الثقة ؟
-
لا .
-
إذن سأمنح الثقة .
ولكن ماذا عن فلان الثاني ؟
-
سيمنح الثقة .
-
إذن سأمتنع . و ماذا
عن فلان الثالث ؟
-
سيمتنع أيضا .
-
إذن سأتغيب عن
الجلسة.
64
تداول للسلطة
اتفقا على تداول السلطة في البيت. وأن
ينفذ كل منهما ما يأمر الآخر.
اليوم الأول كان يومه . نسيت ان تعد
قهوته ،فوبخها . وكسرت كوبا، فشتمها، رفعت صوتها محتجة، فصفعها.
وانتهى اليوم وهي تتوسد ذراعه بعد أن
اقسم إن عقله لم يكن معه.
اليوم التالي كان يومها. لم يقل لها
"صباح الخير يا حبيبتي" . فأمرته ان يغسل السجاد، وينظف المطبخ، ويلمع حذاءها
. سألها الى أين هي خارجة، فحلفت بأن تخلعه . رفع صوته محتجا. فأشارت إلى الباب
وقالت :" برّه !"
مع أن النهار لم يلوح بيديه مودعا.
65
شرق وغرب
كثيرا ما كان يصاب بدوخة . رشة ماء
ويصحو . أو ينقل إلى المستشفى . حقنة "أنسولين " فيقوم كالغزال. لكنه ذات يوم
كحلي اللون كان يسير في الجزء الغربي من المدينة .جاءته الدوخة، فسقط أرضا.
وسمع صوتا من وراء زجاج أحد المتاجر يقول :" اطلبوا الإسعاف."
في السيارة تذكر المرة الأخيرة التي
سقط فيها . كان ذلك في الجزء الشرقي من المدينة . اجتمع عليه خلق كثير ، ورشوا
الماء .أوقفوا سيارة تاكسي، وصعد معه اثنان إلى المستشفى، وظلا معه حتى خرج.
وفي اليوم التالي جاءا يقرعان جرس
بيته، ومعهما شيء قد لف بورق هدايا .
66
المدينة والحصان
حين كان بدويا في الصحراء كان يركض
كحصان بلا سرج .
وكان أيضا ينام على الجنب الذي يريحه .
وعندما دهمته المدينة وتعلّب في
إسمنتها؛ صار حصانا مسرجا يطوق فمه حبل، وينام على الجنب الذي يريح غيره.
67
الرحلة
على ضفة النهر العظيم جلس يرقب الماء
الجاري الذي لا يعود.
و بعينين قاومتا سنوات ثمانين ،راقب
الفقاعات –صغيرة وكبيرة- وهي تطفو على السطح وتختفي .
ارتفعت نظراته الى الأفق متأملا . ومن
بين الطعام الكثير الذي جمعه لرحلته
أكل قليلا،
وشرب قليلا ،
ثم صلى طويلا ،
ثم تكور على نفسه منتظرا كفقاعة.
68
سؤال عمره ثلاثمائة
عام
دخل المنزل ومعه بعض أكياس الطعام .
بدت مارثا كأنها عادت من الخارج للتو. كان وجهه شاحبا . سألته: " هل أنت بخير
"
رد بفتور :" أظن ذلك ."
-
" ما هذا الشحوب
إذن؟"
-
" كدت اقتل في وسط
المدينة في تبادل إطلاق نار بين الشرطة وأفراد عصابة. خذي هذا طعام الكلب ."
-
" ما هذا ؟ لماذا
أحضرت نوعا رخيصا . ماثيو لن يحبه ؟"
-
"أنت تعلمين الظروف
إرهاب وضرائب وغير ذلك من القاذورات. يقولون من اجل أبنائنا في الشرق الأوسط؟"
-
" أجل ."
-
" ولكني لا أفهم
هؤلاء السياسيين . لماذا يجب علينا ان نعلم العالم كيف ينام المرء مع زوجته ؟!"
-
" يا عزيزي . من قبل
الاستقلال ورجالنا يتوهمون انهم الأكثر فحولة في العالم؟"
69
الكلاب البيضاء
حين عاد من زيارة لأقاربه في الولايات
المتحدة ، كان يحمل في ذاكرته صورا ومشاعر مختلطة . كان لا يزال يذكر تلك
الملاحظة الغريبة التي التقطتها عينه وأذنه.
رأى الكثير من الكلاب هناك . كانت
سائمة في الشوارع والأزقة الخلفية . كلاب ضالة . ولم يقبع في ذاكرته كثيرا ما
وجده لوهلة غريبا من أنها كانت سوداء أو ملونة .و إنه لم يشاهد بينها كلبا ابيض
. فحين سأل قالوا إنها ليست بحاجة لأن تبحث عن طعامها . الطعام يأتيها الى
البيت. ما أدهشه حقا هو أنه في كل مرة كان يمر بكلب ضال يشعر بأنه لا يحفل
به. وفي كل مرة كان يمر بالقرب من بيت فيه كلب ابيض يرتفع النباح :كأجراس
الإنذار .
70
حمل كاذب
جاءها المخاض،
فاستندت الى جذع النخلة القديمة
الوارفة . هزتها . و أعطت وأعطت لكن المولود المنتظر لم يأت.
جاءها المخاض ثانية ،فاستندت الى إطار
السيارة الطويلة الفاخرة. أعطت وأعطت لكن المولود لم يأت.
جاءها المخاض ثالثة . وحارت ِإلامَ
تستند . ولم تعط . وظلت تنتظر .عيونهم تراقب بطنها ،والأرض من بين رجليها .
وتصارخ أصحاب الحمل وأولياؤه ومحبوه و كارهوه واختلطت دعاواهم . قال نفر منهم
:" النخلة القديمة هي السبب." قال نفر اخر :" بل السيارة التي لم تصنعوها
بأيديكم هي السبب."
بصقت عليهم وقالت :" بل ظهوركم الناشفة
هي السبب."
71
رجلان وظل واحد
افترش عشب الأرض غير عابئ بما يدب تحته
. راقب الشمس وهي تتقدم على استحياء من حبيب مجهول تواعده ساعة الغروب . ومسح
ببصره الأجواء ليلتقط نجمة طالما انتظرت بلهفة ان ينام السميران. كانت كلمات
الاعتذار قد أخذت ألوانها من شفتيه المزرقتين نزقا . كان سيشرح لها لماذا لم
تعد ترى إلا سامرا واحدا يتأوه وحيدا في ليل إفريقي المولد .وكان سيرشوها ببعض
العزاء بأن الشمس أيضا افتقدت رجلين كانا يتبادلان الظل، والآن أصبحا رجلين و
ظلين حين اكتشف أحدهما فجأة ان في علم الحساب ما يسمى عملية القسمة. وتنهد
وفي خياله صورة تهتز ،وفي صدره حشرجة قلب عند ذلك اللقاء الذي لا تعرف متى
يحين. كان ذلك بعد ان جف ورق الشجر، وسقط . وبعد ان كفكفت السماء من بكاء
دموعها، وبدأت في نسج بساط علاقة مع الأرض ينوء بألوان تجهل البساطة.
مد الآخر يده مسلما : كيف الحال ؟
علت وجهه دهشة بدأ برسمها منذ قال الآخر ذات يوم ساحبا ظله:" واحد والباقي
واحد"، فرد قائلا:
-" يبدو انك تعرفني ؟ من الأخ ؟
دهش الآخر أيضا :" ألا تعرفني ؟ ألا تعرفني ؟"
مرارة تجتاح المساحات المتبقية في حلقه :" لو عرفتك من قبل أكنت أسال الآن؟