|

المرايا
هاهي
الشمس تخترق صفاء الأفق الهادىء الساكن تخرج
في هيبةٍ من السطوع المشرق،تلقي تحية الصباح على فلوات الأرض وهو ما زال على
سريره
يتقلب يمنة ويسرة،يحس بلزوجة العرق يعكر من هدأة نومه القلق،يفكرُ ؟!
ينهض
متثاقلاً، يتثاءب، يحاول ألّا تقع عينه عليها يرغب في فنجان قهوة، يدخل المطبخ،
يرى
نفسه غريباً على الأشياء الموجودة فيه، يعود إلى غرفة نومه،يلبس قميصه وبنطاله
ويخرج إلى عمله
.
في الطريق يخاطب نفسه: " ذاك العصفور داخل قفصه أفضل مني،
في أسبوعٍ واحدٍ وضعت عصفورته أربع بيضاتٍ ..."، آه، يقولها ويقف على الرصيف
.
يهز رأسه كأنه يرد على أحدهم "إن عرفت الحقيقة على أي رصيفٍ من أرصفة
الحياة سأضع رأسي ! ؟ كلّ المساعي باءت بالإخفاق، الليلة سأفاتحها بالموضوع،
سأطلق
وجه السر بلا خوفٍ، وأترك آهاتي تتصاهر مع وسائد حرماني،أنا غارقٌ في دهاليز
الوجع
حتى الخدر تآلفت مع مغاليق السدود "النتيجة سلبية" يقول الطبيب ولدى سماع أبي
صباح
بالقصة يصف لي العسل وحبة البركة،حتى هذه لم تفلح في صناعة الفرح، ماذا أفعل
بعد
كلّ هذا ؟ لن أفعل شيئاً بعد اليوم، سأفوض أمري إلى الله وأنتهي
!!
ينعطف
نحو اليسار،تلوح على وجهه الكآبة، يرتجف شارباه حين يذكر كلام العراف المغربي
"أنت
مسكون بهم!"
حين يذكر قول العراف يكتم ضحكة تكاد تكون عالية ويتابع سيره
نحو عمله فيشعر حينذاك بشخصٍ يلاصق خطواته خطوة، خطوة، يتوقف، يقف الشخص الذي
تصوره
يسكن في داخله، وحين يحاول التخلص من وهم ما تراءى له، يبدو للمارة كأنه يحكي
مع
نفسه وهو منشغل عنهم يشير بيده في فراغ الهواء
:
"هه
... ألن تخرج إلى الضوء كي
أراك ويراك الناس؟هيا أظهر نفسك،ألسنا شركاء؟ أنت غضب عليك قومك وأنا من غضب
عليّ ؟
لماذا لا ترد؟ هل لأنك مثلي مسكون بالمذلة وبمواجيد القهر تقاسمني ضفيرة الألم
الكاتم على فرح القلب!"
ما زالت رائحة البخور معششة في صدري كيف رآك ذلك
المشعوذ الفطن،هه، ياله من حاذقٍ ماهرٍ في جلب الزبائن إليه، كانت مشورة أحدهم،
كنت
مضطراً وضعيفاً، حاجتي إلى وجود طفلٍ يحمل اسمي هي التي دفعتني إلى المثول
أمامه
!!
ينتبه إنه كان شارداً في حديثٍ قد يؤدي به إلى الجنون أو إلى إصابته
بحادث سيرٍ، فبوق السيارة نبهه من شروده مع هذا الغامض الذي ما إن يذكره حتى
يتراءى
له أنه يتعقبه خطوة،خطوة
!!
يشاهد وهو يقطع الشارع رجلاً كهلاً تبدو عليه
هيئة التسول فيرشقه بنظراتٍ من عطف ورثاء ويقول في سره:
"ألا
يوجد عنده أولاد
"؟
يمضغ آلامه وهو يحط رجليه على رصيف مبنى الدائرة وقبل أن يدخل يرمق
بعينيه المتعبتين المرأة التي تزاول مهنة التسول بعرض صغارها ضمن دائرةٍ
منكسرةٍ
على قطعة قماشٍ مهترئة وقد التحفت بالسواد فلا ترى منها شيئاً ، سوى ذلك الصوت
الذي
يعبث بآذان المارة
:
-
الله "يخليلك" شبابك وأولادك، من أجل خاطر النبي حسنة
للأيتام، والعاجز المسكين
!!.
حين يهم في صعود الدرج تستيقظ من نومها،
تتثاءب عدة مراتٍ، تمط يديها ثم تنهض وتقف أمام المرآة، تفرد شعرها، تنفجر
أحزان
الصمت المطمورة داخل مقبرة الوجد فتخاطب نفسها:
"يوم
عرفته كنت كالفراشة أزهو
بتألق الصبا وأنا أرقص في حدائق الربيع، ملء جوارح حلم الروح قلت:
-
نعم أريده،
ولن أختار سواه
!
ليلة الخطوبة همس في أذني
:
-
أريد دستة أولاد
!!
أجبته بدلالٍ عفويٍ
:
-
ماذا لو كنت لا أنجب ؟
ضغط على يدي بحرارة
ما زلت أذكر وهج ارتعاش روحي من ملامسته لها بهذا الدفء الآسر ثم قال
:
-
ستكونين أنتِ واحة الأولاد وغبطة مسائي
.
"يا
إلهي كم يكذب الرجال ؟" وتتحرك
نحو المطبخ ترى كلّ الأشياء في مكانها "كالعادة لم يشرب القهوة! وكالعادة سأشرب
القهوة وحدي ! الليلة سأضع حداً لذبول الحب، سأترك له حرية الاختيار"
!!
حين فتحت باب الشرفة نفض العصفور جناحيه داخل القفص وبدأ يغرد، وبلا شعورٍ
وضعت يديها على صدرها وضغطت، أحست بسخونةٍ تسري فانسلت الدموع من عينيها، هي
الأخرى
تبحث عن صوت الرضيع وفمه الذي يتلمس بشفتيه الصغيرتين الحلمة التي لم تطلق
الماء
الأبيض المحلى، ولن تطلقه
!!!
تراءت لها وهي تُشعل مفتاح الغاز أم تركي
عرافة الفنجان، تراءت لها وهي تتأمل قعر فنجانها، وكيف قالت لها بعد صمتٍ غير
طويلٍ
:
-
إياك والملابس الحمراء، إنها تثير جنون ملك الجن الأحمر الذي يهواك وهو
الذي حال دون إنجابك، لا تسخري وتضحكي من كلامي، أحذرك وأنتِ حرة
!!
أطفأتِ
الغاز وهي تبتسم، تترك القهوة على المنضدة وتعود إلى غرفة نومها، تفتح الخزانة،
تشرق ابتسامتها وهي تذكر أن أبا صباح إذا أراد التلميح إلى شيءٍ خاصٍ كان يشير
عليها أن تلبس الثوب الأحمر قائلاً لها وبمداعبةٍ تحبها:
-
إذا كان حبيبك كالثور
فالبس له الأحمر
.
قضت يومها أمام الخزانة والمرآة، وحين دخل الزوج الذي
اتخذ قراره بمصارحة الزوجة في قضية الانفصال عن بعضهما، دغدغ اللون الأحمر
خلايا
قلبه فضمها إلى صدره وضمته إلى صدرها، وعزف جنٍ راح يتلاشى بين الجدران!! |