درب
التبانة ( اللبانة )
يلتهم المجرات الصغيرة
لو
نظرنا الى مجرتنا “درب التبانة” من مجرة أخرى مثل مجرة اندروميدا، لرأيناها
عبارة عن شريط أبيض باهت في السماء. لكن يبدو هذا “الحمل الوديع” يخفي في قلبه
أسداً هصوراً، فمجرة درب التبانة تظهر اليوم للفلكيين وجهاً آخر لم نعهده من
قبل، وجهاً مكفهراً عنيفا مشحوناً بالغضب والتدمير، ف”درب التبانة” بكل بساطة
تفتح اذرعها الشاسعة كي تكون فخاً مخيفاً لكل ما يمر بجانبها، كما انها تأكل
نفسها كالنار تماما، فهي ان لم تجد شيئاً تلتهمه شرعت بالتهام نفسها!
هذه هي حقيقة المجرة المملوءة
بثقوب سود وليس بثقب واحد عملاق يقبع في مركزها، ولو أردنا ان نقيم مجموعتنا
الشمسية بكواكبها وأجرامها وشمسها، فهي كلها لا تساوي شيئاً في خضم ال 200
مليار نجم الموجودة في إحدى أذرع المجرة المعروفة بذراع أوريون (الجبار) التي
تبعد 26 ألف سنة ضوئية عن مركز المجرة. ويدور حول درب التبانة، مجرات صغيرة
قزمة كمجرتي ماجلان الكبرى والصغرى اللتين تنجذبان نحو مجرتنا بشكل يدل على
نيتها بالتهمامهما، وتشكل درب التبانة مع جارتيها أندروميدا والمثلث، بالاضافة
الى عشرات المجرات القزمة الأخرى ما يسمى بالعنقود المجري أو المجموعة المحلية.
وتشكل هذه الأخيرة مع عناقيد مجرية اخرى كعنقود العذراء، عنقوداً فائقاً يسمى
عنقود العذراء الفائق الذي يمثل جزءا من عنقود اكبر حجما يحوي مئات الآلاف من
المجرات التي تملأ الكون المرئي.
الغريب في الأمر انه من المفترض
ان تكون فرص اقتراب مجرتنا من المجرات الأخرى ضئيلة، نظرا لتوسع الكون وميل
الأجرام للابتعاد عن بعضها البعض، لكن تبين ان المجرات الواقعة ضمن المجموعة
المحلية تميل الى الاقتراب من بعضها بشكل مذهل. واليوم يمكن للعلماء من خلال ما
يملكون من معلومات وبرامج محاكاة، إعادة تكوين سيناريو التقاء مجرتين سواء أكان
ذلك بعد اقتراب بطيء حيث تأخذ احدى المجرتين بنجومها وغازاتها وأبخرتها
بالدوران حول المجرة الأخرى الى ان تندمج المجرتان معاً في كتلة واحدة، أو حدث
ذلك خلال تصادم مباشر وجهاً لوجه. وعلى كل الأحوال، فإن امكانية اصطدام النجوم
مع بعضها البعض تبدو ضئيلة نظرا للمسافة الكبيرة الفاصلة بينها، اما السحب
الغازية لمجرتين ما، فيمكن ان تندمج وتحتدم درجة حرارتهما بشكل مخيف ومدمر.
ملا حظة
منذ أواسط السبعينات من القرن
العشرين لاحظ العلماء ان مجرة درب التبانة تسعى الى ابتلاع مجرتي ماجلان الكبرى
والصغرى عن طريق جسر مادي يتخذ شكل الحلقة حول قطبي المجرة نفسها. وتبين
للباحثين ان مجرتنا لا تكتفي بتغيير شكل هاتين المجرتين فحسب (من خلال قوة
الجذب الهائلة التي تتناسب طردياً مع كتلتيهما الأمر الذي يؤدي الى تكوين ما
يعرف بظاهرة المد والجزر على غرار الظاهرة المعروفة على الأرض)، بل تحاول
انتزاع المجرتين بكامل مادتهما، الأمر الذي يثبت لنا شره درب التبانة غير
المتناهي. وتشير حسابات الفلكيين الى ان مجرتي ماجلان ستنتهيان يوماً ما خلال
دورانهما حول المجرة، (درب التبانة) داخل أحد ثقوبها السود. ويعتقد العلماء ان
هذا الأمر حدث قبل 8 مليارات سنة عندما كانت مجرتنا في عز شبابها، حيث قامت
بابتلاع احدى المجرات القريبة، وهذا ليس بالأمر الصعب، بل نجد آثاره في قرص
المجرة نفسها، حيث ينقسم هذا القرص الى قسمين: احدهما رقيق نجده في جميع
المجرات الحلزونية وتكون سرعة نجومه متشابهة، والآخر سميك ويتراكب فوق القرص
الأول لكن مادته أقل كثافة من مادة القرص الرقيق، إلا ان النجوم التي وجدها
العلماء في هذا القسم تنطلق بسرعات تختلف كثيرا فيما بينها، ويقول هؤلاء ان هذه
النجوم ليست سوى بقايا لمجرة تم ابتلاعها من قبل مجرتنا يوماً ما.
ويقول الباحثون إنه لو كانت هذه
النجوم قد ولدت في قلب مجرتنا بدءاً من تقلص نفس السحابة الغازية، لكانت تتميز
بماض هادئ بمعنى ان سرعاتها كانت اكثر تشابهاً بالنسبة لبعضها البعض.
وتشير الباحثة فرانسواز كومبس من
مرصد باريس الى ان بعض المجرات المشابهة لمجرتنا لا تمتلك قرصا سميكاً، وهو ما
يدل على انها كانت اكثر هدوءاً من غيرها وأقل شرهاً. وتضيف كومبس ان من أهم
الاشارات الدالة على حدوث اندماج عنيف بين مجرة درب التبانة وإحدى المجرات
الأخرى، عمر الكتل النجومية التي تحيط بنا حيث يلاحظ ان عمر هذه المجموعات
النجومية الشديدة التراص، قديم جدا وأنها تتشكل اثناء التقاء مجرتين متجاذبتين.
يذكر ان مجرتنا شوهدت في عام
1994 وهي في خضم احدى عمليات الالتهام، ففي ذلك العام اكتشف الباحث رودريجو
ايباتا اثناء تحضيره رسالة الدكتوراه في جامعة كامبريدج، منطقة نجمية قريبة من
مركز المجرة تتميز بكثافة عالية غير عادية، ولاحظ رودريجو ان هذه المنطقة كانت
اكبر من ان تكون مجرد تكتل نجومي، ولذا فقد أطلق عليها “مجرة القوس القزمة”
لأنها وجدت في كوكبة برج القوس، وعلى وجه السرعة اعتبر العلماء هذه المجرة أنها
أقرب المجرات الى الشمس حيث تقع على مسافة تبلغ 75 ألف سنة ضوئية منها مقابل
179 ألف سنة ضوئية بالنسبة لسحابتي ماجلان. وأثبتت الأبحاث اللاحقة على مجرتنا
انها في مرحلة تسعى فيها الى تفكيك المجرة المكتشفة في برج القوس، لا سيما ان
أذرعها تمتد حول قطبي مجرتنا. وتشير آخر الدراسات التي أجريت باستخدام برامج
المحاكاة الى ان مجرة برج القوس لن تقاوم لفترة طويلة، إذ لا تكاد تنهي دورة أو
دورتين حول مجرة درب التبانة، حتى تتشتت بنجومها داخل النواة المركزية.
ويعتقد الباحث باتريك سيزرنج من
مرصد باريس انه نظراً لوجود عدد كبير من النجوم المتغير (RR
Lyrae) في المجرات
القزمة، فإن هذه المجرات تشبه سحابة ماجلان الصغرى. ويرى سيزرنج انه من الممكن
ان تكون مجرة برج القوس القزمة، ثمرة لتصادم حدث بين سحابتي ماجلان، الأمر الذي
أدى الى وصول جزء من هذا التصادم نحو مجرة درب التبانة.
مجرة غير مرئية
من المفاجآت التي أذهلت الباحثين
اكتشافهم لمجرة قزمة اخرى في كوكبة الكلب الكبير اثناء دراستهم للنجوم العملاقة
الحمراء من النوع (M)
ضمن نطاق الأشعة تحت الحمراء، وكان الباحثون احصوا هذا النوع من النجوم في
منطقة تقع فوق مستوى المجرة وتحتها وتبين لهم وجود فائض محلي من النجوم (M)
بالنسبة للنماذج التي كانت معروفة سابقا، وتقع هذه المجرة على بعد 25 ألف سنة
ضوئية من الشمس أي انها أقرب من مجرة برج القوس المكتشفة سابقا لكنها تقع في
مستوى قرص مجرة درب التبانة لذلك فهي موجودة وغير مرئية حتى الآن.
علاوة على ذلك، فإن برامج
المحاكاة الرقمية المتوافقة مع المشاهدات المرئية، تظهر ان أذرع المد التابعة
للمجرة الجديدة تكون مجموعة هائلة من الحلقات المعقدة حول مجرة درب التبانة الى
درجة انها تعرضت لتشوه في شكلها بفعل هذه المجرة، وتؤكد هذه البرامج ان هذه
الأذرع هي السبب في وجود حلقة النجوم حول درب التبانة التي تم اكتشافها في عام
2003 والتي تبعد نحو 60 ألف سنة ضوئية عن مركز المجرة (درب التبانة) ويقول
العلماء ان المجرة الجديدة ستنهضم لا محالة في قلب القرص المجري بعد دورتين أو
ثلاث حول مركز درب التبانة، وذلك خلال مليارين أو ثلاثة مليارات سنة.
يرى خبراء الفيزياء الفلكية، ان
مسألة التهام الأجرام المجاورة تبدو من المسائل الشائعة لدى المجرات، فمجرة مثل
مجرة درب التبانة يفترض ان تلتهم على مدى حياتها مجرتين أو ثلاث مجرات كبيرة
وذلك كما حدث لدرب التبانة قبل 8 مليارات سنة ولبضع عشرات من المجرات، ومن هنا
يمكن القول ان هذا العمل الوحشي ليس غريبا على الاطلاق، وانما هو من المسارات
الطبيعية لكل المجرات خلالها حياتها. ويذهب العلماء الى القول إن عملية التهام
المجرات هي من الأمور الجيدة بالنسبة للنجوم، لأنها تسهم في ولادتها على شكل
توهجات هائلة. ويعتقد العلماء انه بناء على المعطيات المتوافرة لديهم عن بدايات
الكون وفقاً للقياسات التي حصلوا عليها باستخدام القمر الاصطناعي الامريكي كوب
المخصص للأشعة المتأحفرة (القديمة) للكون، وبناء على النماذج الرقمية التي
تحاكي تطور الكون، فإنه يبدو من الواضح ان المجرات المشابهة لمجرة درب التبانة،
لابد ان تكون محاطة بمئات عدة من المجرات المصاحبة. ومن خلال المشاهدات الأخيرة
لوحظ أن ما تم رصده حول المجرة لا يتعدى بضع عشرات من المجرات المصاحبة، فأين
ذهبت المجرات الأخرى؟ وهل يمكن لدرب التبانة ان يكون قد ابتلعها بطريقة نجهلها
حتى الآن؟
في هذا الصدد يقول نيكولا مارتان
المتخصص في الفيزياء الفلكية في مرصد باريس، انه من المحتمل ان تكون ثمة مجرات
قزمة اخرى قريبة منها لكنها تقع في مستوى قرص المجرة أو من الناحية الأخرى من
النواة المركزية، الأمر الذي لا يمكننا من مشاهدتها بالطرق المباشرة، بل ربما
يصعب علينا مشاهدتها في الأصل.
من الأمور التي أدهشت العلماء
بالفعل، ان كتلة الجرم المركزي في مجرتنا تساوي 3،7 مليون مرة قدر كتلة الشمس
وكل ذلك محصور ضمن حجم يقل عن حجم النظام الشمسي بخمسين مرة!
ومع هذه المعطيات لم يعد ثمة شك
في ان الجرم المعني هو ثقب أسود، وذهب البعض ليقول ان الشك ازيل تماما عن قضية
وجود أو عدم وجود ثقب أسود في قلب المجرة بل إن المسألة تكمن الآن في دفن كل
السيناريوهات البديلة التي اقترحها بعض العلماء لتفسير الظواهر المشاهدة
كسيناريو كريات الفرميون (جسيمات ذات دورة مغزلية شبه كاملة وتخضع لقوانين خاصة
وقادرة حسب هؤلاء على تفسير الخصائص الفيزيائية لبعض الأجرام حيث يقول العلماء
ان بعض الاجرام مكونة حصريا من الفرميونات).
الواقع ان دهشة العلماء لم تتوقف
عند هذا الحد، بل تبين ان هذا الثقب الاسود عبارة عن “غول” قادر على التهام
عشرة كواكب بحجم كوكب المشتري يوميا! وإذا كان ذلك كذلك، فهذا يعني ان المجرة
تأكل نفسها عن طريق هذا الثقب العملاق. والغريب ان الثقب (Sagr_A)
ليس الوحيد الذي يقضم قلب درب التبانة فحسب، بل اكتشف العلماء أخيراً (اكتوبر/
تشرين الاول 2004) في معهد الفيزياء الفلكية بباريس من خلال دراسة حركة النجوم
المحيطة بالمجرة، ان ثمة ثقباً أسود ثانياً اصغر من الثقب الأول وأخف منه (تبلغ
كتلته 1300 مرة قدرة كتلة الشمس) ويدور حول الثقب الاول، على بعد يبلغ سنة
ضوئية. وأطلق الباحثون على هذا الثقب المرافق (IRS
13E).
ويقول الباحث جون بيير مييار من
معهد الفيزياء الفلكية في باريس “لو تأكدت نتائج أبحاثنا بالفعل، فسيكون الثقب
الجديد من فئة “الثقوب السود المتوسطة””. ويضيف مييار ان الثقب (IRS
13E) يدور حول الثقب (Sagr
A) بسرعة تصل الى 300
كيلومتر في الثانية، ومن المتوقع ان ينهي حياته خلال بضعة آلاف من السنين في
قلب الثقب الأم، لأن الثقوب السود لا تخرج عن القاعدة، بل يمكن ان تتعرض هي
الأخرى لظاهرة الالتهام. ويتوقع الباحثون ان يستقبلوا خلال السنوات المقبلة
اشارات تدل على هذا الاندماج الفائق المتمثل في الموجات الجذبوية الفائقة التي
تدل على حدوث “تشوية” في حيز الفضاء - الزمن جراء هذا الاندماج الهائل بين
الثقوب السود.
ظاهرة الا لتهام الذاتي
يرى الباحثون ان ظاهرة “الالتهام
الذاتي” ليست محصورة في منطقة درب التبانة كمجرة، بل ثمة آلاف الثقوب السود
الأخرى الصغرى المعروفة باسم “الثقوب السود النجمية” والتي تقطن في بقية اجزاء
المجرة. ويشير دانييل روان الى ان هذه الثقوب عبارة عن بقايا لنجوم هائلة
انفجرت وانهدمت على نفسها من الداخل، ويمكن لهذه النجوم ان تكون ثقوباً سوداً
تصل كتلها الى عشر كتل شمسية لكن شريطة ان تكون الكتل محصورة ضمن حيز صغير نوعا
ما، أي ما يماثل كرة بنصف قطر يبلغ 3 كيلومترات وتحتوي على كتلة تعادل كتلة
الشمس.
ويود العلماء ان يطمئنونا بالقول
ان نظامنا الشمسي (وخاصة الأرض) بعيد من ان يكون يوماً ما طعماً سائغاً للثقب
الأسود المركزي القابع على بعد 26 ألف سنة ضوئية لأن جاذبيته غير محسوسة على
هذا البعد، لكن على الأرجح، سيؤدي التصادم بين درب التبانة ومجرة اندروميدا في
بضعة مليارات سنة قادمة، الى تدمير شكل وبنية المجرتين الأمر الذي سينتج عنه
نشوء مجرة ثالثة عملاقة بثقوب سود عملاقة كذلك.
يمكن للإنسان في المستقبل البعيد
ان يخترع مجسات فضائية قادرة على القيام برحلات ما بين النجوم فما الذي سيحدث
لو ان مجساً فضائياً اقترب من الثقب الأسود المركزي القابع في مجرة درب
التبانة؟ يقول العلماء: “لو افترضنا ان المجس الفضائي ينطلق بسرعة الضوء، فإنه
يلزمه من الوقت عشرات الآلاف من السنين قبل ان يبلغ هدفه، أي الوصول الى مركز
المجرة، ولو فرضنا ان المجس وصل الى مسافة لا تزيد على بضع مئات من الوحدات
الفلكية من مركز المجرة، فإنه سيتعرض الى جاذبية متزايدة شديدة، تجعله يتسارع
نحو قلب الثقب (Sagr_A).
وعندما يصل المجس الى هذه المرحلة سيكون شاهدا حقيقيا على “فوضى مجرية” لا مثيل
لها تتمثل بحرارة جهنمية وإشعاعات كهرومغناطيسية شديدة حيث تتعرض الغازات
والمادة لتسارعات غاية في الشدة تقترب من سرعة الضوء. ولو افترضنا اخيراً ان
المجس استطاع مقاومة فكي هذا الغول العملاق، فإنه ربما يرسل لنا صوراً وإشارات
قبل ان يعبر تلك النهاية الحتمية التي ستقوده الى ما لا نهاية وربما الى حتفه
الذي لا رجعة منه أبداً.