الجنون فنون فاطمة المنزلجي =

www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 ميرفت أبو دولة 

الأسيرة المحررة

حكاية بقلم : زكريا المدهون - غزة

 

                  وصفت الأسيرة الفلسطينية المحررة ميرفت أبو دولة عملية الإفراج عنها بهذه العبارة: "فرحة منقوصة سأبقى أعيشها حتى بعد تحرري من جحيم السجون الإسرائيلية، لأن الاحتلال نقلني من سجن كبير إلى سجن آخر صغير لتستمر معاناتي".

وتضيف ميرفت: لا توجد كلمات تصف ظلم وقسوة الاحتلال الذي حرمني مشاعر الفرح والسعادة بتحرري من القيود وظلام السجون، اذ قرر فرض الإقامة الجبرية عليّ في منزلي الكائن في مدينة القدس المحتلة حتى إشعار آخر. وبموجب هذا القرار يُحظر عليّ مغادرة المنزل من الساعة السادسة مساءً حتى السادسة من صبيحة اليوم التالي، مع إلزامي بمراجعة الحاكم العسكري كل أسبوع والتوقيع لديهم. فأي معنى للحرية في ظل هذه القيود التي ستبقى تذكرني بأصعب لحظات العمر خلف القضبان!..

لحظات الاعتقال

وأمضت ميرفت خلف القضبان 33 شهراً أنجبت خلالها طفلها الأول وائل الذي عايشها تجربة الاعتقال المريرة التي بدأت منتصف ليلة 29-5-2002 كما تقول، عندما دهمت قوات الاحتلال منزلنا في القدس بعد ثلاثة شهور من زواجي بالمواطن الفلسطيني أيمن أبو دولة. وتضيف: "لم نكد نفرح بزواجنا حتى فوجئنا بعشرات الجنود يقتحمون المنزل ويقومون بتفتيشه ومعاملتنا بشكل سيئ. وبعد رفضهم الإجابة عن تساؤلات زوجي حول أسباب الاعتقال قيدوني أمامه وجروني وسط الشتائم والكلمات النابية والإهانات، ثم نقلوني الى سجن المسكوبية.. عشت خلالها لحظات رهيبة من هول المعاملة غير الإنسانية التي تلقيتها".

التحقيق الوحشي

كانت معاملتهم ـ تقول ميرفت ـ "مقدمة لعملية التحقيق التي بدأت منذ صبيحة اليوم التالي لاعتقالي، فقد نقلوني الى سجن الجلمة، وهناك وضعوني في الزنازين لأعيش كل أصناف الأسى والمعاناة في التحقيق الذي كان يستمر أحياناً 24 ساعة متواصلة". تتوقف للحظات لتعود بذاكرتها الى الوراء ولحظات الألم التي لن تنساها ذاكرتها، فقد "أمضيت الفترة مقيدة اليدين والقدمين ويداي للخلف، وتعرضت للضرب على الرأس والرقبة خاصة، وعلى جميع أنحاء جسدي، كل ذلك وسط الشتائم والإهانات، وخاصة شتم الذات الإلهية وتهديدي باعتقال زوجي وأبي وعدم مغادرة الزنازين وعدم توكيل محامٍ.. وأسوأ موقف تهديدي باعتقال أختي منى (26 عاماً)، كان ذلك أصعب شيء لأنها متزوجة ولديها أطفال، فكنت شديدة الخوف من قيامهم بذلك".

استمر هذا الواقع المأساوي ثمانية أيام، لم تتمكن خلالها من معرفة الوقت أو الزمن، ومنعوها من مقابلة المحامي.. "ولأيام عديدة لم يغمض لي جفن وطواقم التحقيق تتناوب علي لإجباري على الاعتراف بالتهم المنسوبة إلي، وهي مساعدة كتائب شهداء الأقصى وإيصال استشهادي لتنفيذ عملية. فعشت وسط ظروف قاهرة من ظلم وإرهاب ومرارة وحزن ومنع النوم والاستحمام والذهاب الى المرحاض. أما الطعام فكان سيئاً ولا يصلح حتى للحيوانات، ونادراً ما كانوا يقدمون لي الطعام الذي كنت أرفض تناوله، حتى نقص وزني وبدأت أشعر بآلام حادة".

رفض الإفراج برغم كونها حاملاً

خلال التحقيق طلبت ميرفت من السجانين إجراء فحوص لها للتأكد من كونها حاملاً، وتقول: "قبل الاعتقال كنت أنوي القيام بهذه الفحوص لظهور أعراض الحمل، لكنهم رفضوا حتى انتهى التحقيق بعد أسبوعين، فتبين أني حامل. ومع ذلك رفضوا الإفراج عني ومددوا توقيفي وأعادوني الى سجن الجلمة ووضعوني في غرفة قذرة مع 6 أسيرات، برغم أن الغرفة لا تتسع لسوى أربع. وكانت ظروف الاعتقال سيئة، لا تتوافر فيها مستلزمات النظافة، والحمام الذي نستخدمه جميعا سيئ تماماً كما الطعام والمعاملة".

رحلة العذاب في الرملة

برغم حملها فإن إدارة السجون رفضت توفير الأدوية والمستلزمات الخاصة بالمرأة الحامل، وقامت بنقلها الى سجن الرملة، وهناك صدر عليها حكم بالسجن الفعلي مدة 4 سنوات. ورفضت المحكمة تقدير الوضع الخاص بها لكونها حاملاً.. وتقول ميرفت: "في سجن الرملة كانت ظروف اعتقال الأسيرات سيئة جداً، وبشكل خاص لي. وكلما اقترب موعد الولادة شعرت بحزن ومرارة لا توجد كلمات تصفها أو تعبر عنها، فقد كنت قلقة وفقدت القدرة على النوم والاستقرار، وأنا أفكر كيف سألد طفلي الأول الذي انتظرته وزوجي هنا داخل السجن. كنت أتوجه للإدارة في كثير من الأحيان، أطلب أبي أو أمي أو زوجي، لكنهم كانوا يرفضون، وكلما مر الوقت أحزن ويزداد ألمي وخوفي على حياتي ومولودي، فإذا كانت الولادة في المستشفيات وبرعاية كاملة فيها كثير من الخوف، فكيف في السجن الإسرائيلي حيث نُحرم أبسط حقوقنا!".

الولادة والعذاب

يوم الثامن من شباط/ فبراير 2003 سيبقى يوماً مميزاً ومحفوراً في ذاكرة ميرفت التي نُقلت الى المستشفى للإنجاب مقيدة اليدين والقدمين وحيدة بلا زوج أو سند، يحيط بها السجانون. وعن ذلك تقول: "كل تجربة الاعتقال شيء ويوم ولادتي شيء آخر.. لن أنساه، لأنه كان السجن بمعناه الحقيقي، وألمه وظلم السجان وقمعه. فقد دهمتني آلام المخاض منتصف الليل، فبدأت بالبكاء من خوفي وقلقي وفقداني عائلتي، وآلاف الصور تمر بمخيلتي حول مصيري ومصير الجنين. وسيطرت عليّ مشاعر الخوف حتى الساعة 6 صباحاً، فأبلغت الإدارة، فقاموا بفحصي ونقلوني الى المستشفى مكبلة بيدي وقدمي، وحتى السابعة والنصف مساءً أصرخ وأتألم وأنا مكبلة. وقبل الولادة وضعوني على السرير مقيدة، فقد ماتت في قلوبهم وضمائرهم كل معاني الرحمة والشفقة.. كنت أتألم ولا يأبهون لصرخاتي، وفقط قبل الولادة بخمس دقائق فكوا قيودي ثم عادوا وكبلوني، برغم أنني محاطة بالسجانين وبسجن لا يقدر أن يدخل أو يخرج منه طير. أمضيت ليلة واحدة في المستشفى لأنهم طلبوا مني العودة الى السجن من دون وائل (طفلها)، وعندما سألتهم عن السبب قالوا يجب أن يشاهده الطبيب. ونقلوني الى السجن وسط حزني، فالأم تفرح بمولودها، ولكن من أين أشعر بالفرحة وطفلي يولد خلف القضبان بعيداً عن والده وعائلته؟ وبرغم أن المعتقلات احتفلن بي وحاولن التخفيف عني، إلا أن مشاعر السعادة ماتت".

حرموا ابني من كل شيء

بعد ليلة انضم وائل لوالدته في سجنها، حيث الحياة القاسية وانعدام كل ما يحتاجه المولود. وكان أصعب موقف تقول ميرفت "عندما طلبت من إدارة السجن تزويدي بفوط، فأحضروها، ولكني وجدتها تالفة ومليئة بالعفن، فقمت بتمزيق ملابسي وصنعت له فوطة".

المشكلة الأخرى التي واجهتها ـ تضيف ـ أنني لم أتمكن من إرضاعه طول الشهر الأول، لأني أصبت بالتهابات ولعدم توافر الدواء. حُرمت من إرضاع ابني الذي بدأ يدفع ثمن ظروف السجن القاهرة، فقد رفضت الإدارة تزويدي باحتياجاته.

دموع وأحزان السجن

وتتوقف ميرفت عن الحديث بعدما اغرورقت عيناها بالدموع وهي تتذكر ما فرضه الاحتلال على ابنها من واقع مأساوي، وتقول وهي تعانق وائل الذي حُرم من الحرية، ناهيك عن تأثير السجن على صحته ونفسيته، وخاصة أنه ممنوع من رؤية الشمس.

كلمة عدد

وطول فترة اعتقالها منعت إدارة السجن وائل من عناق والده الذي كان شديد الحزن بسبب ذلك. تقول ميرفت: "رفضت الإدارة خلال الزيارات السماح لزوجي بلمس أو تقبيل أو عناق ابنه، وبرغم حزننا ومناشدتنا وصرختنا كانوا يصرون على عقابنا وحرمانه من هذا الحق الذي لا نعرف أي قانون أو شريعة تجيز ذلك! فحتى القانون الفاشي لا يتضمن مثل هذه السلوكيات".

 

وبرغم صبرها ورباطة جأشها، فإن ميرفت تؤكد أنها لن تنسى أبداً أن الاحتلال الذي حرم ابنها من حنان والده، حرمه من قول أجمل كلمة ينتظرها كل أب وعائلة، هي كلمة أبي، فكانت أول كلمة نطقها وائل "صبايا عدد"، وهي الكلمة التي يسمعها أربع مرات يومياً عندما تجبر الإدارة الأسيرات على الخضوع للعدد.

ففي أحد الأيام وبينما كانت الإدارة تقوم بتعدادنا، فوجئنا بوائل يقول "صبايا عدد"، عندها شعرت بالمرارة الحقيقية للسجن، وانهارت قواي ولم أتوقف عن البكاء. لن أنسى ذلك.. واليوم بعد مغادرتي السجن وبعد كل هذه الفترة الطويلة، بدأ وائل يتدرب لنطق كلمة بابا التي تفتح جراحي وتعيدني الى جحيم السجن الذي لن أنساه.

واقع اعتقالي سيئ في "تلموند"

بعد عام من الاعتقال نُقلت ميرفت الى سجن "تلموند"، حيث الإجراءات الأشد والمعاناة الأقسى.

وتقول: يوجد اليوم في هذا "الباستيل" النازي 34 أسيرة موزعات على قسمين، في كل منهما غرف مختلفة الأحجام، ولكنها جميعها سيئة. فالجدران مزيج من العفونة والرطوبة، والإدارة أغلقت النوافذ، والرطوبة تتفشى في أوساطهن، والصراصير في كل مكان، حتى في الملابس والطعام الذي "نحرم من تجهيزه، ويشرف عليه معتقلون جنائيون يهود يتعمدون وضع الحشرات والأظافر فيه ليزداد سوءاً على السوء الذي تفرضه أنظمة وقوانين الإدارة.. فهو ذو رائحة نتنة ولا نقدر على تناوله، ولولا "الكانتين" الذي يدفع ثمنه أهلنا لمتنا من الجوع".

وتصف ميرفت معاملة السجانين بأنها غير إنسانية، ففي كل لحظة يتعمدون إهانتنا وتوجيه الشتائم. فالأسيرات يتعرضن لذل حقيقي من خلال الزيارات أو المداهمات التي تتكرر ليلاً أو نهاراً من دون مراعاة كوننا بنات. والأشد إيلاماً سياسة التفتيش العاري، حيث نُجبر على خلع ملابسنا لأتفه الأسباب، والتي تعترض يكون مصيرها العزل والضرب والغرامات التي تصل 250 إلى ألف شيكل. وتمارس الإدارة هذا الأسلوب بشكل واسع، حيث تفرض الغرامة، والتي لا تدفعها تعاقب بمضاعفتها، وذلك يشكل عبئاً إضافياً على عوائل الأسيرات، خاصة ان غالبيتهن يتحدرن من أسر فقيرة. اذاً الإدارة تستغل أي شيء لتفرض الغرامة، فإذا تأخرت الأسيرة عن النهوض للعدد أو غير ذلك تواجه العقوبة القاسية.

الحرية المنقوصة

وسط هذا الواقع عاشت ميرفت وصغيرها وطأة المعاناة عندما رفضت قوات الاحتلال الإفراج عنها، برغم أن القوانين الإسرائيلية أقرت بالإفراج عن الحالات المشابهة، لكونها معتقلة وحاضنة لطفل بعد قضاء ثلثي المحكومية.

 وتضيف: "أمضيت من حكمي عامين و9 شهور، وخرجت بمحكمة "شليش" ثلث المدة بعدما عشت لحظات مريرة، لأن الإدارة أبلغتني أن وائل سيغادر السجن وحده، أما أنا فسأمضي باقي المدة. فشعرت بالحزن لأني سأفارق ابني، ولن يسمحوا له مرة أخرى بالحياة في كنف والديه. وأمضيت الأسبوع الماضي أبكي ومعي جميع الأسيرات، لم أتمكن من النوم حتى تمكن المحامي من الاستئناف والحصول على قرار بحريتي وابني، برغم القيود الجديدة التي فرضوها عليّ".

الحزن والألم

ودع وائل ووالدته السجن وسط بكاء وحزن وألم الأسيرات اللواتي غمرنه بكل الحب كما تقول ميرفت، والمحزن أن كل واحدة منهن تعيش على أمل الإفراج. وبرغم سعادتي بعودتي الى بيتي واجتماع شملي مع عائلتي، فإنني لن أعيش السعادة والفرحة الحقيقية، لأن زميلاتي ما زلن تحت العذاب والقمع.

 وتضيف: كن ينتظرن صفقة الإفراج على أحرّ من الجمر، ولكن الألم والحسرة كانا أكبر عندما شطبهم الاحتلال، فالقوائم الإسرائيلية لم تتضمن أي أسيرة، وهذا ظلم كبير على السلطة الفلسطينية أن ترفضه، وأن تكون الأسيرات وحريتهن الأساس قبل أي اتفاق. والأمانة التي أحملها باسم كل أسيرة، أن تتكاتف الجهود لرفع الظلم عنهن.. والمعتقلات يأملن الإفراج عنهن، وما يجري حرام، فمن المأساة أن تستمر معاناتهن، فخلف تلك السجون هناك معاناة من كل شيء، وعلى المفاوض الفلسطيني أن يتذكر كل لحظة أن كل أسيرة تموت في اليوم ألف مرة، فلا معنى للسلام ما دام هناك قيد واحتلال وأم تفرقها القيود عن أبنائها، وأخرى ينخر الألم جسدها من دون علاج.