
قصة: يسري الغول
*
tamry2000@yahoo.com
موقع أدباء الشام
http://www.odabasham.net
تحت
الشجرة تعانقنا ، دعونا لأنفسنا بالنجاة من غرق الأرض ، نقشنا حروف أسمائنا
على أغصان الزيتون ، رسمنا وردة محاطة بالشوك ، ثم افترقنا .
كنا أربعة ، خامسنا كلب أخي الهزيل ، أولنا جاء يوم هبت الريح عاتيةً ، صرصراً
في جو السماء ، و كنت أنا الذي يليه . لم أكن مثل الآخرين أبداً ، أمي نادتني
بـ"مخيريق" ، وأبي دعاني " بإلياء " ، الجميع بعدها نعتني بذي العيون الدامعة ،
و الغريب في ذلك هو أنني لم أكن أبكي مطلقاً ، كنت حجراً أصماً ، لا أتكلم ، لا
أتزحزح من مقامي إلا عند نشوب المعارك ضارية في القرية حتى جاء أخونا الثالث ،
حضر زاويتنا المهددة بالانقراض ، كبر حتى اخضلّت لحيته ، و في أسبوع واحد فقط
بانت أسنانه ، تقوست حتى أصبحت كأضراسي التي صارعتُ بها لأعوام كالضواري
التائهة . وُلد ضعيفاً ، هزيلاً و حل معه القحط بيننا ، فتر الماء في الأرض ،
مالت الشمس نحو أرواحنا ، أطبقنا على صمتنا ، طفنا الأرض جيئةً و ذهاباً دون أن
نجد الماء ، صلينا ، بكينا ، بكيت و كانت المرة الأولى التي يطفر فيها الدمع من
مقلتيّ الناعستين ، و في المساء تغطت قريتنا بنواميس الظلام ، أطبق الليل كما
لم يكن من قبل ، أخرجنا أصابعنا الشوهاء حتى لم نكد نراها ، هذت أمي بالموت
القادم من الغرب ، ترنحت ، أسبلت جفنيها في سقف خيامنا ، استحلبنا ريقنا ،
بلعنا صمتنا ثم نمنا . و في الصباح كان أخي الرابع يقبل مع انتهاء الحليب في
ضرع بقرتنا الصفراء ، الفاقع لونها . وُلد و الحرب على الأبواب ، أوشكت اجتثاث
أرواحنا . القذائف تطير ، تتساقط ميتة . و الهرب من دوامة الصفر أضحى ضرورياً
جداً ، خرجنا و أجفلت أمي عن فعلتها المريعة ، تساقط الحليب من ثدييها على
وجوهنا ، أخبروها بأن الرجل إذا لم يصبح كذلك فسيموت شوقاً لآلام الانهيار .
كبرنا جميعاً في آن واحد معاً ، كان الفيصل بيننا أعواماً قليلةً . فقط كنت أنا
المتخلف عنهم ، تحيطني هالة من الحب و المجون . أرعى بقرتنا حتى المساء ، أعود
، تتلمسني يد أمي الحانية ، تبتهل إلى الله من أجلي ، تصلي ، ثم في الصباح تفطر
على قطرات الماء القليلة و حبات البصل الناشفة . لم يكن هناك القمح ، اختفى
عندما ضعنا في زحام شوارعنا ، تركنا متاعنا ، كؤوسنا و عدنا ، رجعنا نحمل همنا
، مات الرجال أمامنا ، تخبطوا في أزقتهم ، تضجروا بدمائهم . و عدت صغيراً مع
أخوتي بين أقدام والدينا ، مات أبي منتحراً بحزنه ، و بقيت العجوز تهدهدنا ،
الشجرة مالت نحو الجنوب ، تبايعنا تحت ظلها ، و الكلب تمدد منصهراً في حزننا
حتى مات . تقافزنا تجاه دهاليز محيطنا ، ارتفعنا ، انخفضنا ، و جاء العام
المنتظر ، هتف الحكيم ، قال :" إنه العام الذي فيه يغاث الناس ، و يعصرون " .
تهالك الماء إلى حلوقنا ، أمطرت السماء تحت ظل وجوهنا ، امتلئ البئر و صعدت
الروح إلى الجسد ، أنبتت الأرض بعد قحط . تواردنا إلى البحر الممتلئ في مزارعنا
، سقينا الحقول الباهتة ، ماجت الصحراء ، اضطربت ، تفسخت حتى بانت الشقوق كما
وجوهنا المتألمة . عشنا هناك دهراً . ماتت الأم في روح الانتظار القديم ،
أعطتنا مفتاحاً صدئاً ، أوصتنا بأقفال غرفتها الوارفة ظلال الصورة و العودة
بقبرها إلى هناك حيث خيام الأرض المخضبة بالدماء ، و في مزارات الزمن تهنا ،
تفرقنا ، تعاهدنا على اللقاء ، و افترقنا . ظلت الشجرة تحفر أسماءنا واحداً ،
واحداً . غادروني و بقيت محاصراً تحت ظل أمي أحرس قبرها . انطلقوا يتتابعون
مسافرين ، مهاجرين عن الأرض اليباب . غار الأول مع طيف ظلامنا . و في عام الظلة
اختفى ، لم يحترق بنارها كما أُشيع . فقد تواردت الحكايا بشأنه ، هلاكه حتى
صدقتهم ، ليلتها رأيته في منامي ، يقظتي ، يبتسم ، يهتف :
- أيها المجنون ، أوتظن أنني سأموت معهم هناك .
اختفى ، انتهي صوته ، و أنا بجوار الضريح أتألم لفراقهم ، أتضرع لنجاتهم . حل
الهزيع الأول من الليل و سافر الثالث إلى بلاد الرماد البعيدة ، التي لم أكن
اعرفها أبداً . انطلق يجتاز سباق المسافات التائهة في جسر جروحنا . و هناك مات
، قتل ، أُغتيِل على أيدي الدَرَك ، ، انبئتني أمي بمقتله عند بوابة الطريق إلى
البلدة ، و أنا هنا بكيت ، لم أتوقف عن البكاء حتى غادرت حبيبتي و الدمع يرزح
تحت قدميها ، تمنيت لو لم يخرج ، ينتقل إلى بلاد العدوى المميتة ، جاءوا به
جثةً متفحمة . قبّلته ، و الرائحة تحفه ، لم نضع عطراً على جسده ، كانت رعاية
المبدع في خلقه تتلمسه ، مِسك ينتشر في فضائنا ، هلّل الرجال حينها ، كبّروا ،
زغردت النساء ، هتفن بشهيد اليوم الأربعين في ضريح الأشهر الثمانية . وضعته في
قبره ، و في الدرك الأسفل من الأرض حفرت خندقاً أنتظر نبأ مقدمهم جميعاً . سقطت
في وحل البكاء ، و بدأت أبكي بحنق ، رغبة عارمة في النشيج تبدت مع ظلال الذاكرة
. أخي الأكبر الذي لم يعد ، الصغير التائه في لوحتنا ، و الميت في قبري ، حتى
كلبنا الوفي بكيته .
صرخت حتى اهتزت الأرض ، ضجت . خرج الرجال بملابسهم الممزقة ، العارية من لحومهم
، دمائهم ظانين بأنه الزلزال المنتظر ، أطلقت لصوتي العنان حتى هاجت البسيطة ،
ماجت ، خرج الجميع حفاةً عراةً من أبراجهم ينبسطون في سكون الشوارع المجهدة ،
كان الزلال ندائي المستغيث . تحطمت أوداجي ، وجهي ، حتى أخذ الجسد يهرم شيئاً
فشيئاً . باتت لحيتي كثةً ، مخيفةً . لم أستطع أن أقوم من مقامي القاحل . أردت
الشجرة ، لقاءهم هناك ، إدراكهم . انتصبت على هراوتي البائسة ، ووجه الأخير
يغادرني في طفولتي المتأخرة . وعدته باللحاق به بعد تطهير قبور أوليائنا من
شوائب الريح ، وعدته و أخلفت موعدي القديم . سافر و لم أعد إنسانا كما كنت .
خشيت الاضطرام في صهد الاشتهاء المر . ألبسته درعه ، أسداله ، ثم أوصيته
بالوصايا العشر . ذكرته بجدته المتلفعة ثوب بركانها ، قبّلته ثم انطلق متخلفاً
عن بلاده . جثا في أعماقي ليلتها مشتعلاً بالهموم ، ووحدي بقيت . سقيت الزرع من
دمائي المنتفضة . مر عام ، ألف عام و لم يحضر أي منهم ، بدأت الشجرة تشيخ ،
أصاب أغصانها الهرم ، تحطمت أجزاؤها المنسابة مع ألوان قزح الطاهرة . لكنها
بقيت شامخة ، رأيتها قبل أن يأتي الرجال بآلاتهم ليقطعوها .
الليلة كانت الشجرة تغرق في ماء النهر مسافرة إلى بلاد لا أعرف طريقها . تودعني
بأغصانها و كأنها تنتظرني بأن أعتليها ، أصعد مغارتها . حتى بقيت أحدق بهيكلها
الذي يشبه صورنا . أتيه في أوراقها ، ثمارها . أجري نحوها ، أقفز كما لم أقفز
من قبل ، أنطلق تجاهها ، أجتاز الضباب المتلفع حكايتنا . أدندن بأنغام شبقة ،
أهاجر و هناك أنتهي كما الجميع . أغرق في دوامة الموت القديم ، حيث الحفل الذي
ما زال ينتظرني منذ مساء ولادتي الثانية في ردهات الأرض الحبيبة .