
قصة
قصيرة بقلم:
د.
أحمد فنديس
عن أدبيات
http://www.adbyat.com/vb
أسعد
لحظات حياته هي التي يعود فيها إلى مدينته الساحلية
التي تحتضنها مياه البحر وتعانقها مياه بحيراته من كل اتجاه.. شاطئ المدينة هو
أجمل
مناطقها؛ حيث يستعيد ذكريات ماض جميل عاشه قبل أن يغادرها؛ مرغماً؛ طلباً للعلم..
ها هو الآن في أحضان شاطئ مدينته مرة أخرى؛ يحتضنه، يبثه أشجانه، يسترجع مع
رتابة
أمواجه ذكرياته الجميلة.. فما أن تبدأ شهور الصيف إلا ويسرع إلى شاطئ
مدينته،يلقي
بجسده على رماله الناعمة وبهمومه في مياه بحره؛علّها تأخذها بعيداً عنه، وتأخذه
ذكرياته ليعيش مرة أخرى أجمل أيام عمره.
على رمال الشاطئ فتحت شغاف قلبه
مصراعيها لأول حب في حياته عندما كان طالباً بالمرحلة الثانوية.. كانت أغاني
الحب
تملأ قلبه قبل أذنيه.. قابلها.. فتاة سمراء هيفاء، سوداء الشعر ناعمته..
جمعتهما
أغنية لحليم.. كانت تجلس تحت شمسية مجاورة لشمسيته، إلتقت عيناه بعينيها وحليم
يقول: ( لو شفتم عينيه حلوين أد إيه ها تقولوا انشغالي وسهد الليالي موش كتير
عليه).. لم يسألها يومها عن اسمها.. اكتفي بالنظر إلى عينيها.
اعتاد أن يذهب
إلى مدرسته سيراً علي الأقدام هو وزميليه، وفي الطريق قابلها؛ تلك السمراء
الهيفاء؛
رقص قلبه فرحاً عندما التقت نظراتهما، حيا كل منهما الآخر بنظرة خاطفة دون أن
يلحظ
ذلك أحد من الرفاق، ازداد احتضانها لحقيبة كتبها، فهم الرسالة.. وضع ذراعيه علي
كتفي زميليه وكأنه يحتضنهما.
تكرر اللقاء يومياً؛ في المكان ذاته والتوقيت
ذاته.. تمنى ألا ينتهي العام الدراسي الذي كان يتعجل نهايته التى ستوصله إلى
الجامعة.. كان يجد سعادة غامرة كلما رآها قبل ذهابه إلي مدرسته.. جعله حبها
أكثر
حرصاً على دروسه.
قبيل نهاية العام الدراسي بقليل انقطعت الفتاة عن دراستها،
لم يعد يراها.. جن جنونه، سأل بعينيه رفيقتها عن سبب غيابها.. لم يتلق رداً..
وفي
اليوم التالي تكرر الغياب فاندفع نحو رفيقتيها وسأل:
ـ أين هي؟
ـ
مريضة.
أمضي بقية أيام الأسبوع في قلق وحيرة.. طلب من زميلتها معرفة مكان
منزلها.. رابط أمامه.. سأل عنها.. عرف اسمها..سمراء
إذن هي تلك التى كان يرسم
صورتها دوما في مخيلته؛ يغمض عينيه عليها؛ يحفظها بين مقلتيه وجفنيه.. يغمض
عينيه
فيراها، يفتحمها فيراها أيضا
..
(
سمراء يا حلم الطفولة يا منية النفس
العليلة).. مطلع قصيدة سمراء لحليم؛ تذكرها وهو يقف عند باب منزلها عله يحظى
برؤيتها .. طال انتظاره، تذكر أغنية أخرى لحليم يقول مطلعها: ( أسمر يا سمرانى
مين
قساك عليا)، وفجأة خرجت من باب منزلها متجهة إلى مدرستها..اطمأن قلبه، عاد إليه
هدوءه.
غادر سكان المدينة منازلهم مهجرين إلى مناطق أخرى..انتهت قصة حبه قبل
أن تبدأ..التحق بالجامعة.. تخرج..عمل معيداً بها.. تزوج.. أصبحت السمراء ذكرى
جميلة، بل أجمل ذكرياته.
* * *
بعد ثلاثين عاماً؛ عاد إلى مدينته كما تعود كل صيف.. مر
مصادفة بمكان اللقاء...
آه.. كم تغيرت الأشياء، اكتظت شوارع المدينة بالسيارات،
اتسع الشارع، أقيمت بالموضع الذي شهد آخر لقاء بسمرائه إشارة مرور.. تغيرت
الأشياء
لكن إحساسه بمكان اللقاء لم يتغير.. تخيل وجهها بعد مرور هذه السنين...
لاشك أن
شعرها الأسود الليلي قد غزاه الشيب، لابد أنها لم تعد هيفاء.. لم يتغير حنينه
للمكان، داوم علي المرور يوميا في شارع ذكرياته.
أثناء ذهابة لزيارة صديق له
توقفت بسيارته في مكان انتظار مجاور لإشارة المرور، أدار جهاز تسجيل سيارته علي
أغنية يحبها: (من قد إيه كنا هنا.. من شهر فات ولا سنة).. نظر الي سيارة تقودها
سيدة سمراء.. يا إلهي أمعقول.. إنها تشبهها إلى حد كبير.. ألقت السيدة عليه
نظرة
عابرة.. خفق قلبه..أحس بشعور كان ينتابه منذ ثلاثين عاما.. إذن هي...
طرح من
عمرها ومن ملامح وجهها آثار السنين التى فصلتهما عن آخر لقاءاتهما.. عادت كما
رآها
آخر مرة؛ سمراء لكنها لم تعد نحيفة، لقد شاخ الزمن الفاصل بين اللقاءين.
تمنى أن
تتذكره.. ابتسمت، ظن أنها تذكرته بعد كل هذه السنين.. كانت تبتسم في أمومة
حانية
لطفلها الجالس بجوارها.. نظر في مرآة سيارته الداخلية.. وجد ابنته تداعب طفل
السمراء بإشارات طفولية بريئة.. نظر إلي الطفلين في حنو أبوي.. لم يأبه بعدم
تذكر
السمراء.. ظهر الضوء الأخضر.. انطلقت السمراء بسيارتها لتختفي بين عشرات
السيارات
بينما هو واقف في مكان الانتظار.