-8-
قصة بقلم : ميسون ابو بكر
تطرق
حبات المطر نافذة غرفتها وكأنها تدعوها لتحضر حفلة الشتاء هذا المساء، كم تحب
أن تراقب السماء وهي تبكي، ينزلق حزن السماء مع المطر، فتخلع ثوبها الضبابي
،لترتدي ثوبا ناصعا ..بينما هي تجلس تتذكر أوقاتا كانت أمضتها برفقته كهذه التي
تعود السماء لتحتفل بمراسم الشتاء لكن أمامها وحدها من دونه.
هي رائحة أحضانه تتسلل إلى مخيلتها ...دفء أنفاسه..نبضاته التي كانت تشعر بها
جيدا ..لقد رحل بكل هذا ولم يترك إلا ذكرياته تسكن المكان.
تركض نحو المكتبة كل تلك الكتب كان جلس برفقتها، تتصفحها علها تجده قابعا في
أحد صفحاتها، تتوحد مع فكره هذه اللحظة ، كيف كان يقرأ ؟..ما الصفحة الأخيرة
التي كان قرأها، وما التي عبرت إليها أنفاسه فاستوقفته أكثر من غيرها ؟ ما
الجملة التي استوقفته والحكاية التي حازت على إعجابه أكثر ....
تتسلل إلى أقلامه ودفاتره... حروف خطها بنفسه ..متشابكة كلماته..غير واضحة
لكنها كانت تقرؤها بسهولة ويسر، لم تسأله يوما عن كلمة عجزت عن قراءتها.
قصائد شوق وحب كان سجلها بصوته في أيام مضت، تدير المسجل فيحرقها هجير صوته
يتحول الصوت إلى صورة تقف أمامها ..ترتعد ولا تقوى على المتابعة تقفل على صوته
, تفتح خزانة الملابس ..ملابسه كما هي ما زالت معلقة في مكانها، تنفض عنها
الغبار بين الحين والآخر، ربطات عنقه مميزة ..كانت اختارت له معظمها، تدس يدها
في جيوبه واحدة ..واحدة، عله ترك شيئا ،وصية ما أو ورقة كتب عليها آخر كلماته.
غادر الحياة دون أن يتمكن أن يبوح لها بشيء، كان في جعبته شيء ما أراد أن يقوله
لها ،لكنه لم يفعل ، سرقه الموت بسرعة وبقيت الحسرة تملأ قلبها ، تتخيل ماذا
تراه أراد أن يقول لها؟ ماذا أراد أن يبوح؟
منديل أبيض أخرجته من جيب بدلة رمادية كان يحب لبسها كثيرا، كان هذا اللون يشبه
شعره الذي زحف إليه الشيب للتو ، كان غادر الحياة في منتصف العمر بعد أن كانت
أوهمته بحصاد قريب وغد مريح، ينسيه عذاباته وغربته، تضم المنديل ..تتنشقه ..فيه
ترك شيئا منه، ربما مسح به عرق جبينه بعد يوم عمل مضني ، أو عبق به بعض رذاذ
عطره الذي كانت تعشقه، أو علقت به بعض أنفاسه.
تركض نحو النافذة التي كان يتسلل منها إلى السماء بنظراته ، وتأملاته وأحلامه
التي كان يرسمها برماد نجومها المحترقة كل مساء.
كان يحدثها عن حلمه ..تعترضه أحيانا ثم تعود لتوافقه .. من شرفته تلك كان ينظر
لأبعد نقطة في الأفق ، يصل بمخيلته إلى وطنه الذي طالما تمنى أن يعود إليه، كان
يقول لها :هناك سأفتح لي مكتبا .. وسيكون لنا بيت جميل، تضيف هي: أريد أن تحيط
به أشجار السرو من كل الجهات، السروات شامخة أحب شموخها.. وكبرياءها
وحيث منزل والدي سأبني مسجدا، ليتذكره الناس ويتذكرونني للأبد.
وتقول: سنزور حيفا وعكا والقدس ورام الله كما فعلنا في السنوات الأولى لزواجنا،
سنبحث عن خطواتنا في الأماكن ذاتها التي كنا زرناها, كان لنا هناك ذكريات جميلة
لا تنسى.
تفتح ألبوم الصور ..ما أشدها إيلاما، هو هنا قابع فيها بلا حراك "أشياء الميت
أحيانا تؤلم أكثر من جثة صاحبها" يقهرها أنها لا تقدر أن تعيده إلى الحياة..
بيدها فقط مجرد صور له
حنطت الزمن في فترة أو مناسبة ما.
تستمع لضجيج الليل ... تختنق بصمته ، فهي وحيدة إلا من أشيائه، وسادتها بالقرب
من وسادتها لكنها خالية ..ومكانه بقي شاغرا يشغله في أحلامها.
هو كأوراق الخريف المتساقطة ،سقطت من أغصانها لكنها ظلت تحركها ذبذبات الهواء
المشحونة بالكهرباء.
استله الموت لكن ذاكرتها مليئة به ... مشحونة بخطواته وابتساماته وهمساته
يسكنها حتى العمق.
تنظر إلى المطر ..كأنفاسها بدأ يتسارع لا يمكنها أن توقف المطر وكذلك شريط
الذكريات.
في هذا المنزل كان يسكن ومن هنا مر نعشه يوم دفنه ..أصرت أن يمر ليودع منزله
الوداع الأخير، وقفت هناك بالقرب من النافذة الكبيرة وأخذت تلوح لموكب جثته حين
مرت من أمامها.
واليوم سبع سنوات مرت ..تابعت هي كفاحه في الحياة ونضاله الوطني،بقيت حتى
اللحظة تنبش في ذاكرتها تبحث عن أدق تفاصيلها ..أرهقها فراقه ،عيناها بعده
شاردتان .. حزينتان والساعة تسير عقاربها بطيئة يذكرها الوقت به، بأولى لحظات
الفجر التي كان يحب أن يشهدها ..بوقت تناول طعام الغداء الذي لم يتغير موعده
يوما ، وساعة العودة من العمل مساءَ وبيده ملفات القضايا التي كان يحملها معه
ليراجعها قبل أن يترافع بها في اليوم التالي ، كانت هي كل حياته وظل هو
كـــــــــل ذكرياتها.
*****

نص يعبق عذوبة .
( المسافة بين العرس و المقبرة ) نص ينضح عذوبة و هو يرصد دون زعيق أو هتاف
مشاعر امرأة رحل زوجها الحبيب فجأة تاركاً لها فيضاً من الذكريات الهادرة
المليئة بخطواته ، و نبضاته و أحلامه و أقلامه و دفاتره و ابتساماته التي سكنت
أعماقها التي أضحت خراباً و كومات فجيعة .
نص متدفق يحتاج عبقه إلى دراسة متأنية .
تمنياتي و تحياتي للمبدعة ميسون .
زكي العيلة .
حبكة
رائعة
روعة القص و الحبك و السرد تستولي على الحدث ، فتسبق الدموع الكلمات ؛ لاهثة
نحو النهاية المفعمة بالذكريات
محمد رمضان
إحساس عال
الأخت ميسون
إحساس عال بفراق الحبيب وتصوير لحالة حب لم يقض عليه الفراق الأبدي
أضم صوتي لصوت أخي الأستاذ زكي
النص يحتاج إلى وقفة ومساحة اكبر لدراسته
دمت معطاءة
عبد الهادي شلا
فيض المشاعر
ما أصعب أن يفارق الانسان من يحب و لاسيما عندما يكون من المقربين 00 تاركاً له
فيض من الذكريات
قصة ترصد تفاصيل الحياة ببعد انساني ووجداني00 يتدفق فيه فيض المشاعر الجياشة
التي لا نملك السيطرة عليها00 دمت مبدعة يا أخت ميسون
حاتم
الشاعرة /ميسون أبو بكر
أحاديث الذكريات هذه كانت أحاديث دموع مختلطة بأوجاع الفراق والوحدة... أحسنت
يا ميسون الصياغة وكانت صياغتك مؤثرة جدا لدرجت أنني انمجت في هذا النص وكأني
وسنا أو في حلم
بوركت يا ميسون
وبورك القلم ومن يحمله
عمر الهباش
هو لن يعود
القاصة ميسون أبو بكر... تحية وبعد
هكذا تنتفض الروح مع وقع كلماتك ضمن أقصوصة المتزنة أدبيا ... رزينة بتسلسلها
القصصي المكثف والوامض .... سريع السرد دون اقتضاب ... متأني الوصف دون تراخ أو
تمتطّ لا داعي له ..
ودون الخوض بتفاصيل الومضة الجميلة ... أقول لك أُُخَيّة .. ما قال العظيم
محمود درويش ..
رحل الذين تحبهم ... رحلوا
أما بطلتك التي تسري في عروقنا فهي النوار وقد تنهد ... وبطلك الراحل يندمج بها
...
..هما كالغصون إذا تميد بها الرياح
تعانقت ..
أحنت محياها الرقيق ..
كل المحبة لك وللوطن وللذكريات والراحلين والأحبة الذين لم يرحلوا رغم الموت
الكثير .
... لينا أبو بكر
عشرة مشاهد مؤلمة
.. فيها من المرارة ما يكفي لصلب الذاكرة
جهاد غريب / الرياض
alwatanjg@hotmail.com
إلى متى يبقى العقل .. يحسب عدد دقائق الفراق ؟
ولحظات الحداد .. لا تخطئ العد سبع سنوات
تعبر دقائقها في الرأس .. عبر كل قنوات الألم
:
بطلة القصة .. تخترق الصمت .. وتغتال الحزن ..
ثم تصلبه على ورقه .. تنشر عليها .. قضيتها الأولى معه ..
فيها كل اللحظات .. من دونه .. مبتورة
لكنها تعيش أجمل حكاية .. مع المعاناة
مصحوبة بعذب الحروف .. فيها الأحزان كبيرة .. والذكريات كثيرة
:
يااااه .. يا ميسون
كيف الصمود أمام تلك الأنفاس ؟.
أراها ترتشف التعب ، وترطب القدر بالعتب
عشرة مشاهد مؤلمة .. فيها من المرارة ما يكفي لصلب الذاكرة
:
مشهد (1)
زمن يحمل أحزان على هامة إنسان
تدب الروح في جسده ، والنبض حائر يؤرقه
غربة توزع الشجن .. وتظل في البحر كل السفن
في زوايا الشقاء .. خبأت في جوف السلة البلاء ..
ولم تزل ..
تحتفظ بفاكهة نضجت .. من المحن
:
مشهد (2)
قابعة الآن في بعضها .. وبعضها في كلها
داخل إطار لوحة .. رسمت ملامح كانت لها
في وجه المرايا .. تفوح المأساة ..
داخل غرفه تضخ كل الدماء .. في أوردة
وتسلك أرصفة .. تقبع تحت عتمة الأزقة
نسي بندول الساعة ترميمها !
والعقرب يمضي كيفما اتفق .. بخطى من غير نسق
:
مشهد (4)
الدمعة في العين عالقة ..
تستمد من المطر بريقها
والحلم أشبه بمسطره ..
بهتت كل سنتيمتراتها
:
مشهد (5)
ذكريات كتبت كل الكلمات في سطر ..
تنفس الزجاجة قبل العطر .. تنثره غزيراً كالمطر
تأكل من الحسرات حتى الشبع .. أشواكاً من الصبر
قلم مضيء تسرب بين الأنامل ..
يلهث خلف السراب .. ويُحّلق مع الأغراب
إلى حيث وهج القمر
:
مشهد (6)
وحيدة تحمل الهم .. وتنثر الحروف بلباس الألم
وماضي لبس ثوب الصورة .. قفز بهدوء فوق المائدة
يرتقب أسى الشموع .. تحترق بفتيل الخضوع
والحسرة حائرة لا تنطفئ .. لا أمل .. لا دفء .
في لحظة واحدة فقط !
سقطت من دفتر الحاضر كل النقط
:
مشهد (7)
بقي البطل في بطن القصة .. شاهد ومشهود على نهاية ..
رصدت وهن الفؤاد .. من شح الوداد
وقسمة تعانق النصيب .. تلوّح كالشفق عند المغيب
تنتظر نشوة الحبيب .. بالقرب من براعم النحيب
:
مشهد (8)
تحت أشعة شمس الميعاد .. في دوائر فارغة ..
داخل علبة سواد .. تتدحرج كالوهم على صدر القارعة
ترضع كالطفلة أيام الهدايا .. تحمل ملفات القضايا
كأجرار الماء فوق رؤوس الصبايا .
:
مشهد (9)
تساؤل مرير ..
ما ذنبها وقد رصد في قوائم المخبوء ؟
رحلة عشيق .. رفضته الدنيا ، فغادر منها .. وبقي الضيق
على مكتب أعز من في الوجود .. هو أغلى صديق
يوجد فقط ملف واحد ..
يحمل عنوان قضيتها معه ..
وتناجي الواحد ..
رحمة .. تعيد ترتيب ..
الزحمة .. في رأسها ..
وتبقى الصدمة .. قاسية .. مؤلمة
:
المشهد الأخير
بالذكرى وحدها .. تحيا ..
تعيش بها وتشقى ..
حتى تبقى أو لا تبقى .
:
ميسون
مثيرة تلك القصة
سلمت أناملك .. وبورك الإبداع بعقلك
:
جهاد غريب
حب و وفاء
" تركض نحو المكتبة كل تلك الكتب كان جلس برفقتها، تتصفحها علها تجده قابعا في
أحد صفحاتها، تتوحد مع فكره هذه اللحظة ، كيف كان يقرأ ؟..ما الصفحة الأخيرة
التي كان قرأها، وما التي عبرت إليها أنفاسه فاستوقفته أكثر من غيرها ؟ ما
الجملة التي استوقفته والحكاية التي حازت على إعجابه أكثر؟؟؟ " جمل قصيرة تصدر
من ألأعماق ، تراتيل في معبد الوفاء ، الوفاء حتى للأموات ، عشق و وله وآلام
فراق تطحن الأحشاء .
نص رائع يا ميسون بكل المقاييس
دمت و دام إبداعك
نزار ب. الزين