علوم  و  رعاية صحية

 

          

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 

 

 


 

- 2 -
العلماء يسعون إلى استكمال شجرة المادة
بعد الكشف الجديد للجسيمات الذرية
عن دار الخليج



للكشف عن أسرار المادة، لا يفتأ العلماء ينقبون في اوضاعها بحثا عن جسيمات أولية جديدة، وربما يثمر مسعاهم الاهتداء الى احداها، أو انهم لا يجدون شيئا البتة، لكن العام الماضي سيبقى بالنسبة للفيزيائيين عاما استثنائيا، حيث عثروا على جسيمين جديدين، في حين لم يعثروا منذ ثلاثين سنة تقريبا على أي نوع جديد من الجسيمات دون الذرية.
ففي بداية عام ،2003 وقع الباحثون على الآثار الاولى لما يسمى “البنتاكوارك” وكان فريق من الباحثين اليابانيين تمكن من مشاهدة هذه الاجسام في مختبر “سبرينج 8” الموجود في اوساكا، وبعد اشهر عدة، تمكن باحثون جامعيون تابعون لجامعتي هاواي وجيونجسونج في كوريا من التعرف إلى الجسيم (3872) X.
وقد دفع هذا الاكتشاف الباحثين للتساؤل عن مصداقية النموذج المعياري الذي يقدم لنا تصنيفا منظما لكل جسيمات الكون، وهل ان هذا النموذج مهيأ لاستقبال جسيمات جديدة؟ أو ما اذا كان على علم الفيزياء ان يعيد النظر في القاعدة الأساسية لنظرية تنظيم المادة؟

طبقا للنموذج القياسي، نلاحظ ان المادة تتخذ بالفعل اغرب الاشكال فلبناتها الأساسية تترتب على هيئات متعددة بدءا من الكائن البشري وانتهاء بالطاولة التي يجلس عليها أو بالسحابة التي تمطر الماء، فالكل يتكون من ذرات متجمعة مع بعضها بعضاً لتكوين جزيئات الحمض النووي (DNA) أو السيليلوز، أو الماء أو الغاز الكربوني.. الخ، وكل واحدة من هذه الذرات تتكون بدورها من نواة تحيط بها جسيمات أساسية دقيقة هي الإلكترونات، والهبوط الى الجسيمات العنصرية الادق من ذلك لا يتوقف عند هذا الحد، فالنواة نفسها مكونة من جسيمات اخرى اصغر تتمثل في النيوترونات والبروتونات، والتي هي بدورها تتكون من الكواركات المرتبطة بدورها فيما بينها “بصمغ أو غراء قوي” يسمى الجلوون.
والكواركات والجلوونات هي كالالكترونات تماما، عبارة عن جسيمات اساسية في الكون، مع ما يضاف اليها من جسيمات أخرى كالفوتونات والميونات والنيوترينو وكافة الاجسام المضادة الشبيهة، ومن الممكن ان يكتشف العلماء أجساماً أخرى يوماً ما، ولكن ذلك لا يمنع من أن نتوقف للحظة عند الرؤية الحالية لما توصل اليه علماء اليوم، فاللبنات الأساسية التي توصلوا اليها تشعرهم أنهم اقتربوا كثيرا من اللامتناهي في الصفر، بحجم يبلغ (10) أس ( 18) من المتر. ولو أردنا ان نمثل فكرة عن الذرة وما حولها، نطرح المثال التالي: لو تخيلنا ذرة يبلغ قطرها 10 كيلو مترات، فإن الكواركات أو الالكترونات سيبلغ قطرها مقارنة مع قطر الذرة 1.0 مليمتر.
يقول ميشيل دوسيه الباحث في فيزياء الجسيمات في الهيئة الاوروبية للابحاث النووية “سيرن” في جنيف، انه منذ تشييد معجلات الجسيمات في ستينات وسبعينات القرن العشرين، استطاع الفيزيائيون اكتشاف بضع مئات من الجسيمات دون الذرية.
ويضيف دوسيه صاحب كتاب “مراجعة خصائص الجسيمات” الذي يعتبره الفيزيائيون الكتاب المرجع لفيزيائيي الجسيمات الذرية ان الأمر يشبه الى حد بعيد علم قوانين التصنيف، فالهدف يكمن في فهرسة أو جدولة جميع اشكال الحياة على الارض ووضعها ضمن اطار العائلات المختلفة لكافة أنواع الجسيمات.
وتشير التجارب التي اجريت في معجلات الجسيمات إلى ان الكواركات لا تتحرك على الاطلاق بمفردها بل هي “كائنات اجتماعية” مرتبطة فيما بينها بأجسام اخرى هي الجلوونات، وتتجمع الكواركات والجلوونات على هيئة مجموعات ثنائية تنتمي لعائلة الميزونات أو على هيئة مجموعات ثلاثية تنتمي لعائلات الباريونات.
يذكر ان الميزونات عبارة عن دقائق كهربية ذات كتلة وسط بين الالكترون والبروتون في حين ان الباريون عبارة عن دقائق كهربية وينتمي الى مجموعة تخضع لتفاعلات داخلية قوية وله كتلة اكبر من أو تعادل كتلة البروتون ويتكون من ثلاثة كواركات.
كرة صمغية: تثير هذه السلسلة من التجارب عددا كبيرا من التساؤلات النظرية، فعلى سبيل المثال، هل من الممكن وجود جسيمات تتألف من اكثر من ثلاثة كواركات؟ وهل من الممكن ان نتخيل وجود جسيمات لها كوارك واحد أو من دون كواركات على الاطلاق، بل مكونة فقط الجلوونات؟
يرى دوسيه انه حتى بداية التسعينات، لم يجد العلماء في المعجلات ما يمكنه ان يخرج عن الحالة الطبيعية للمادة، فكل مرة كان العلماء يكتشفون جسيما جديدا، فإن هذا الجسيم كان ينتمي لعائلة معروفة مسبقا من الجسيمات الذرية أو دون الذرية، ولكن منذ 15 سنة شرع الفيزيائيون في البحث عن اشياء غريبة، حيث يعتقد فريق منهم انهم اكتشفوا كريات صمغية مكونة فقط من الجلوونات، ففي التجربة التي اجراها هؤلاء في هيئة الابحاث “سيرن” ضمن ما يسمى “بالأسطوانة البلورية”، قام الفيزيائيون بإطلاق سيل من البروتونات والبروتونات المضادة في معجل للجسيمات، وقد احدثت التصادمات عملية افناء لهذه الجسيمات ونتج عنها جسيمات اخرى، وكان الهدف من التجربة مشاهدة آثارها ومراحل عملية الافناء المتتابعة، ومعرفة ما اذا كان وجود ما يسمى بكريات الصمغ شيئا واقعيا في الذرة. وبعد تحليل الصور التي لم تخل من التعقيد الكبير، لا سيما بعد 15 سنة من البحث، لم يتمكن الفريق العلمي من وضع اليد على كرية الصمغ تلك، وكذلك كان الحال بالنسبة للجسيم دون الذري المسمى باي 1 (1400) والذي يعتقد انه مكون من كواركين و4 جلوونات، إذ لم يتمكن الفيزيائيون من اثبات وجوده على الرغم من انهم اكتشفوا آثاره عام 1993.
ومع ما توصل اليه العلماء الآن من جسيمات جديدة مثل البنتاكوارك و(3872) X، يبدو ان الأمور غدت اكثر وضوحا، فعلى النقيض من الجسيمات المكتشفة سابقا والتي لم يثبت وجودها بعد، نلاحظ ان الاثباتات المقدمة حول وجود هذين الجسيمين لم تزل تتراكم يوما بعد آخر فبعد الاعلان عن اكتشاف البنتاكوارك في جامعة كيري الكورية، تم التأكيد على مشاهدة الجسيم (3872)X في مختبر فيرمي القريب من ولاية شيكاغو بالولايات المتحدة الامريكية.
يقول ستيف أولسن من جامعة هاواي في الهونولولو وأحد المشتغلين المعروفين في فيزياء الجسيمات: “ان الفريق العلمي الامريكي استطاع التوصل الى اشارة تتوافق تماما مع القياسات التي اجريناها في جامعة هاواي بالنسبة للجسيم (3872)X.
يذكر ان الحرف (X) يشير الى المجهول والرقم (3872) يشير الى كتلة الجسيم بالميجا الكترون فولت.
ويؤكد أولسن ان هذا الجسيم يشبه اجتماع ميزونين. لكنه يعتقد انه يمكن ان يكون جزيئاً مكونا من كواركين مضاعفين (كما لو كان جزيئاً مكونا من ذرتين).
وفيما يتعلق بالبنتاكوارك. فالمفاجأة كانت بالنسبة للعلماء كبيرة، اذ لم تتنبأ اي نظرية بوجود جسيم مكون من خمسة كواركات ومن هنا يقول دوسيه: “لقد انخدعنا حقا” ومنذ ان تم الاعلان عن اكتشاف البنتاكوارك قامت سبعة فرق علمية بإعادة التجربة اليابانية (Spring- 8) التي اوصلت الباحث الياباني (تكاشي ناكانو) الى اكتشاف البنتاكوارك للتأكد من وجوده وتركيبه (4 كواركات وكوارك مضادة).
ويرى الباحث ناكانو ان البنتاكوارك يتميز بفترة حياة طويلة نسبيا وهذا ما يجعله مرئيا ويجعل عملية التأكد من وجوده بواسطة التجارب شيئا سهلا.
ولكن ما الذي يعنيه هذا الاكتشاف في عالم الفيزياء؟ يعتقد دوسيه ان هذا الاكتشاف يعني بالنسبة للفيزيائيين التعرف إلى بعض الخصائص الجديدة للمادة ويمكن تشبيهه باكتشاف نوع جديد من القردة عند علماء الاحياء، ولو حدث ذلك مثلا لتغيرت نظرتنا لعملية التطور ذاتها.
ويؤكد دوسيه ان ثمة نظريات منافسة عدة تحاول تفسير خصائص الميزونات او الباريونات تبعا للكواركات او الجلوونات المكونة لها، لكن هذه النظريات توقفت عن التطور ولم تزل تراوح مكانها لعدم وجود تشكيلة مهمة من الجسيمات التي يمكن ان تقدم لها الدعم المناسب والقوي.
ويؤكد تاكاشي ناكانو انه مع ظهور الجسيم (3872)X والبنتاكوارك فلا بد من اعادة النظر في هذه النظريات لتثبيت بعضها واستبعاد بعضها الآخر.
ومن جهته يشير ستيفن أولسن إلى ان الكتلة الضعيفة التي حللها العلماء للبنتاكوارك ستكون بلا شك التحدي الجديد المهم لعلم الفيزياء خلال السنوات المقبلة.
والشيء المؤكد هو ان اكتشاف هذين الجسيمين يعتبر المؤشر على ولادة فيزياء (الهادرون) وهي تسمية للجسيمات المنحدرة او المتفرعة عن الكواركات والجلوونات، ويختم الباحث دوسيه الموضوع بمقولة مفادها انه بفضل البنتاكوارك و(3872)X فإن بعض العلماء سيتمكنون من اكتشاف جسيمات جديدة لتكملة الشجرة الوراثية والسلالية للمادة والتي ستجمع كل جسيمات الكون التي وجدت منذ حدث الانفجار العظيم