|

عن ميدوزا
الرجل
:
الصمت موحش ، ولم يكن أحد في البيت سوى ذلك الرجل المتقاعد الذي
ماتت زوجته بسرطان الثدي ، يتابع برنامجا تافها على الشاشة الصغيرة .
فجأة افتض الصمت الموحش عواااااء البرد ، ومواااااء قطة في السطح،و.. انفتح
شباك النافذة بعنف ، ليتسلل للغرفة الدافئة برد قارس ،ولينقطع التيار
الكهربائي، ثم ريثما يعود .
سقط شيء ما في المطبخ ، والبرد يصفع بجنون دفتي الشباك .
أحكم الرجل القصير إغلاق الشباك ، بعدما أطل على الزقاق الذي بدا له ضيقا ،
ساكنا،مظلما ، و كما لو كان ملفوفا في كتانة كحلة ،ثم عاد لمكانه ليتابع أخبار
النشرة الأخيرة .
ملأت مخيلته في لحظة ما ،صورة ثدي زوجته وقد نخره الداء الوبيل، التفت بهدوء ،
فوقع نظره على صورتها معلقة على الجدار ، بقي ينظر إليها صامتا ، كان شعرها
الأشقر مقصوصا باعتدال ، وكان صدرها منتفخا كالبالون .
تهشم صحن ما في المطبخ ، هكذا خمن الرجل ، وقد يكون تهشم بالفعل، انقطع التيار
الكهربائي ثانية ، انفتح الشباك بعنف ثانية .وعاد الظلام للغرفة ثانية .
الرجل المتقاعد يشعر الآن بانزعاج خفي يتسلل إليه، عاد التيار الكهربائي، انفتح
الباب من تلقاء نفسه ، نظر لعقربي ساعة الحائط ، لعقربي ساعة معصمه ، كانت
متوقفة، سقطت صورة المرحومة ، تناثر زجاجها على أرضية الغرفة ، قام الرجل ليغلق
باب الغرفة والنافذة ، محاولا أن يدفع عنه تهمة الخوف ، وحين هم بإغلاق الشباك
وصل إليه مواااااااءالقطة ، وكان ثمة مطر يهطل في الخارج .
القطة :
لقطة التي تتكوم على نفسها في السطح ، ، تحت السماء السوداء ، نظراتها تائهة في
فضاء غير محدود ، تتلمظ طعم الفأر الذي نشبت فيه أنيابها العتيقة ، وافترسته
على مهل قبل قليل .
تحرك البرد ، اقشعر جلد القطة، سقط شيء ما في السطح المجاور ، وانتبهت القطة
على قلبها يدق بسرعة ، أرهفت أذنيها ، وسقط شيء ما ثانية في نفس السطح ، لتطلق
موووووواء عاليا .
حينها كان الرجل القصير جالسا بانكماش على مقعد قريب من الشاشة الصغيرة ، وقد
جلب له قبل هنيهة كوب شاي من المطبخ ،وتأمل كأسا وصحنا مهشمين على الأرض ، وقد
عرش شعر رأسه من الفزع .
توقف عواء البرد ، وتوقفت مواء القطة ، التي عادت تتأمل بعينين لامعتين نور
نجمة صغيرة هناك في السماء .
بغتة ، سمعت القطة خشخشة ما في الجدران الوسخة ، لتتسع حدقتا عينيها حتى كاد
بؤبؤ ا ها يسقطان ويتدحرجان كالبلي الحليبي الذي يعشقه الأطفال ،بعدها بدأت
إشعاعات ضوء خاطفة ، وتلتها أصوات الرعد .
القطة والرجل
:
أحس الرجل المتقاعد ذو اللحية البيضاء التي تتخللها صفرة قاتمة ، بقشعريرة
تتسكع في رجليه النحيلتين ، سحب اللحاف إليهما بقلق
وتلمظ فمه ، كان ناشفا ، احتسى جرعة شاي ، ليلدغه طعمها المر.
الرجل أحس بارتباك وبانقباض في صدره ، بدت له الغرفة كئيبة وموحشة ، فخطر له أن
يصعد السلم إلى السطح ، ليفتح الباب للقطة التي يشق موووواؤهاالجدران ، فقد
تؤنسه ، وقد يؤنسها.
كما خطر للقطة أن تقمش باب السطح ، فقد ينفتح الباب ، وقد تتلذذ بدفء الغرفة،
وتتلمظ لذاذة الصراصير .
صعد الرجل القصير الدرج ، فتح باب السطح ، فدخلت القطة بين رجليه متمسحة ،
حملها بين ذراعيه ، قبلها ، ونزل الدرج وهو يخلل ظهرها بأصابعه ، والقطة ترتعش
.
كان المطر في الخارج يهطل بغزارة .
كانت القطة تنام على الكرسي .
وكان الرجل القصير قد وضع نظارتيه فوق التلفاز ، و أطفأ المصباح ، ثم استرخى
على السرير مطمئنا.
وكانت عقارب الساعتين تتكتك... تك .. تك ..تك .. ت..ك..ت |