-1-

لبنى ياسين ـ دمشق
كل يوم ادفن نفسي في السرير
لاشعر بيديه تضغطان على رقبتي ...و اشعر بالدموع و قد أصبحت محيطا باردا غرقتُ
بين أمواج حزنه العاتية.
منذ بلغت السابعة
من عمري و أمي ترسلني كل يوم إلى جدي في البناء المجاور لنا لآخذ إليه الطعام و
آتيها بالأواني الفارغة و لاجيب مطالب جدي التي لم تعرف يوما حدا لبشاعتها.
قبل أن يحدث ما
حدث كنت ادخل إليه بقلب مفعم بالحب , أضمه و أقبله و أقفز حوله كأرنب صغير و
أخطف منه أصابع الحلوى بفرح طفولي غامر ... بعدها صرت ادخل إليه مفعمة بالهم و
الأسى , ذلك الهم الذي كنت صغيرة جدا على إدراكه , لكنه ادركني وجعلني كل مرة
اخرج من منزله غارقة بالشعور بالذنب و بشعور بشع بالقذارة بات يتعشق كل خلاياي
و يجثم صخرة كبيرة فوق صدري ... و من وقتها راح يكتنفني شعور بالغثيان جعلني
أتمنى أن أتقيأ كل قرفي مرة واحدة ...لكنني لم اكن أستطيع فاجري إلى أمي لاطلب
منها أن تغسّـلني فتردني قائلة انه ليس وقت الاستحمام .
لم استطع أن
اردعه مرة واحدة ... كنت ابتلع قرفي و دموعي و ذلك الشعور القاتل بذنب لم
اقترفه بينما أتحول تدريجيا إلى كائن تتجّمع على جسده الصغير كل أنواع
القذارة , أمي قالت لي أن الكبار دوما على حق و أن علي أن أطيعهم و لم تخبرني
مرة واحدة ماذا افعل إذا شعرت في أعماقي أنهم ليسوا على حق و أن ما يفعلونه قذر
جدا و ليس بصواب , أما أبي فقد قال لي مرات و مرات احذري الغريب يا صغيرتي , لا
تتكلمي مع الغرباء و لا تقتربي منهم و لا تدعيهم يلمسونك , ووددت لو صرخت مرة
واحدة : بل احذر أنت أقرب الناس إليك , احذر أباك , أبعد أصابعه القذرة عن جسدي
. لكنني لم افعل , و كثيرا ما سألت نفسي ِلـمَ لم افعل ؟ ِلمَ لم اخبر أمي
أو أبى ؟ ِلمَ لم تسألني أمي مرة واحدة عن السبب الذي يجعلني اطلب إليها أن
تغسلني كلما عدت من منزل جدي ؟؟!! ليتها فعلت , ربما استطعت أن أبوح لها بالسر
الذي زلزل كيان طفولتي و اغتال بريق الفرح من عيني و حول ليلي إلى عرض متواصل
من كوابيس دمرت سكون نومي , لكنها لم تفعل.
أخضعني جدي لطقوسه
القذرة حتى بلغت الرابعة عشرة من عمري, ثم توقف عن ذلك تلقائيا , تراه خاف بعد
أن بدت علي معالم الأنوثة أن افهم ما كان يفعله ؟؟ أم أن الكبر هد البقية
الباقية من قذارته ؟ لست ادري ... كل ما اعرفه انه توقف تماما و لم يعد ينظر في
عيني أبدا , بل انه كان يتحاشى أن يكلمني و ذلك ما اثلج صدري و أزاح جزءاً من
عبء وجوده الذي اكرهه عن كاهل أعصابي و لو أن نزيف مشاعري لم يتوقف لحظة واحدة
.
بدأت سن
المراهقة و لم ابدأ معها لعبة الأسرار , ذلك أني تمرست بتلك اللعبة تماما بفضل
جدي و لم يعد صعبا علي أن اخفي نزيفي و جراحي و خوفي و حتى قذارتي ... كل ذلك
كان سهلاً جدا علي ... لكن الصعب كان دخولي إلى سريري حيث تبدأ أصابعه كل ليلة
بالإطباق على رقبتي فتتحشرج أنفاسي و أصرخ دون صوت و تغرق مخدتي في دموع الألم
و نزيف الأحاسيس.
بعدها تعددت
مشاويري برفقة الأصدقاء و بدأت أمارس امتدادات تلك الطقوس , لم يكن جدي هذه
المرة من يجبرني , بل كان شيئا خفيا في داخلي يدفعني دفعا لاستجيب لأي إشارة
من أي شاب أو رجل و امضي برفقته و أمتع نفسي بعدها بتمزيقي له واللعب بأعصابه ,
كنت كتمثال من الجليد لا املك إحساسا تجاه أي واحد منهم ولا حتى قليلاً من
التعاطف ... كل ما كان يعنيني هو تحطيمهم وإتعاسهم وإفلاسهم وتمزيق أسرهم و
هدم استقرارهم و رميهم ورائي, بعدها كنت اشعر بالرضا و الفرح , أشعر أني
انتقمت من جدي و قتلته , كنت اعلم تماما أنني اقتله مع كل دمار اسببه لأحد
هؤلاء , و كنت استمتع بقتله و تعذيبه مع كل تدمير اسببه لواحد من جنسه البغيض
... و أتلذذ بما افعله كما يتلذذ طفل بأكل الحلوى .
أعود بعدها إلى
منزلي ليختفي شعوري بالنشوة بمجرد أن تضمني جدرانه ... و أرجع طفلة لم تتجاوز
العاشرة واسمع صوت أمي وهي تردني عن الحمام فينفلت شعوري بالقذارة ليطال كل شئ
حتى الطعام , و أعاف كل شئ و امضي إلى سريري , و بمجرد أن أخبئ جسدي في وحشة
ظلامه أعودلأشعر بأصابع جدي تلتف حول رقبتي فأصرخ دون صوت من جديد بينما نزيف
مشاعري يجتاح كل شئ في طريقــه .