صديقتي ... أعلم انك الآن تلعنينني ألف لعنة و تصبين على شبحي ألف تميمة
غدر تصمينني بها ... و الحق معك .
أكره نفسي كلما فكرت بما فعلته بك , لكن هل اطمع في بقية من سعة صدرك
التي اعرفها فتكملي قراءة رسالتي.
كنت اعتقد مثلك أن الدنيا لونان فقط ابيض أو اسود , صواب و خاطئ , حلال و
حرام , عيب و مسموح , كنت أجالسك و زوجك و أنا لا أرى في زوجك الرجل بل أرى
زوجا لصديقتي لا غير, شـيئاً يشبه غمامة مشاعر أخوية تظلّـل صحراء الحياة
فينهمر دفء المشاعر مطرا لطيفا ربيعيا على قحط حياتي و تنتابني لحظات ود ليس
كمثلها شئ في الدنيا .
و مع الوقت العصيب الذي مررت به خلال مرضك , و جلسات العلاج الكيميائي و
أوجاعك المدمرة , كنا نذوي معك شيئا فشيئا , كان اكثر حزنا مما تتصورين ,
دموعه كانت تنهمر بصمت فتذيب قلبي , و بحكم غرفة الانتظار و ساعات الوقوف بجانب
سريرك المتألم , نشأت بيننا حوارات صامتة , حوارات أخبرتني بأن روحا متألمة
تقبع في جانب بعيد قصيّ لرجل يطلب الرحمة , ما فكرت يوما بأن احبه .. اقسم لك
بأني ما فكرت لحظة واحدة بأن احبه , لكن لقاء الأرواح أثمر عن جنين الحب الذي
كبر و نما و أنت في غفلة المرض , أمسكت أحاسيسي .. ربطتها عنفتها .. قتلت نفسي
ألف مرة .. تهربت منه .. أبعدت عيني عن عينيه و رحت اخفف من زياراتي لك
فتلومينني بكلماتك المبطنة قائلة : هل مللت من الجلوس في غرفة الموت و في
حضرته ؟
لم يكن بمقدوري أن اعتبرك كما كنت دوما صديقتي المقربة فابوح لك بمكنونات
قلبي... بأحاسيس ذبحت إخلاصي لك قربانا لعينيه , كيف أقول لك أن مشاعري خانتك
و هي تمطره وابل حب جعلني لا أستطيع أن ارفع عيني في وجهه لئلا تصافحه مشاعري ,
ألم أكن أدرك أن مشاعر كهذه ليست من حقي ؟؟ بالطبع كنت أدرك خصوصا و أنت حبيبة
العمر و ربيبته على سرير الموت تصارعينه و يصارعك.
سامحيني لو اعترفت لك بأنني للحظات كنت أتخيل انك ... لا سمح الله , فيباغتني
شعور بالارتياح لاستفيق منه مثقلة بالشعور بالذنب , كيف اشرح لك أنني ما تمنيت
لك الموت يوما لكنني تخيلته غصبا عني . قفز إلى مخيلتي عنوة فكنت كأم تتخيل موت
طفلها ؟؟ هل تتخيلين أن أما تتمنى موت صغيرها ؟, صدقيني يا غاليتي أنى ما تمنيت
الموت لك بقدر ما تمنيته لنفسي المعجونة بالخطيئة و الخيانة.
هل يكفي أن نحترق بنيران الألم و أن نذبح مشاعرنا في محرقته حتى نتطهر من
خطايانا؟؟ هل صحيح أن الدموع تغسل الخطايا و تكون قربانا للغفران أم أن ذلك
مجرد أسطورة اختلقها الإنسان لكي يتصالح مع نفسه الخاطئة؟؟؟
بعدها بدأت اشعر انك تقلبين نظرك بيني و بينه , أدمتني نظراتك التي اخترقت
خيانتي حتى العظم , ماذا أستطيع أن افعل ؟ كيف أصارحك بالانشطار الذي أعانيه
لتعفيني من زيارتك اليومية ؟ للحظات كان يخيل إلى انك تعرفين كل شئ .. و اذهب
بعيدا في رجائي الخائب لاسرح في فكرة سخيفة مفادها انك تباركين مشاعري فاستيقظ
من خيالي هازئة من نفسي التي بعتها للشيطان .
كانت الطامة الكبرى عندما رن الهاتف و أنت نائمة بعد موجة ألم اكتسحتك
فأغرقتك في بحر من التأوه فنمت بعدها بصعوبة بالغة و أنفاسك صدى مد و جزر
شرسين .. تسابقت يدانا إلى الإمساك بسماعة الهاتف لإيقاف صراخه المحموم فامسك
يدي التي سبقته إلى السماعة دون قصد , صدقيني كان بإمكاني أن ارى الشرر يتطاير
من بين كفينا و من عيوننا و من سائر جسدينا فأفلتنا السماعة معا في لحظة واحدة
لترتطم بالأرض و توقظك , عندها سللت من عينيك ألف خنجر و طعنتني بها كلها في
لحظة واحدة من خلال نظراتك المغرقة في استفهام مغلف بارتياب واضح .. بقيت يومها
عندك لدقائق أخرى في محاولة لإخماد الحرائق التي اشتعلت في كل مكان في الغرفة
ثم استأذنت في الذهاب .. لم يمنعني أحد منكما و كأن العبء الذي كان قد جثم فوق
قلبي من وجودي بينكما في تلك اللحظة كان يجثم فوق قلبيكما أيضا .. خرجت من
الغرفة و أنا لا ادري أهذا صباح أم مساء؟؟ و من أين و إلى أين أسير؟؟ و ماذا
افعل؟؟ , نيران الحب تستعر بي و زوابع الغدر تمزقني فاتشظى ألما , و عيناه ...
آه من عينيه , وحدها فعلت بي ما يفوق كل ذلك .. مضيت و أنا اشعر بأن كفه ما
فارق كفي منذ امسكنا السماعة , كنت أتفقد موضع كفه كل لحظة و أنا ابتلع ظمئي في
حلق تقرح من كثرة الجفاف , أي ارض تستطيع رفض المطر ؟؟ أي كائن يقف في وجه
الشمس و لا يحترق ؟؟ ماذا أقول صديقتي ؟؟ كيف لي أن اشرح لك ما عانيته لئلا
تندلق مشاعري مني أمامه فاوصم بخيانة اعز صديقة لي؟؟ كيف لي أن أفسر وجع الروح
و أنا لا أستطيع حتى أن أشكو أوجاعي لصديقتي المقربة و اخبرها بما أكتوي به ؟؟
سامحيني صديقتي فلن أقوى على زيارتك بعد اليوم إلا في غيابه .. و لا
تلوميني فذلك صار فوق احتمالي .
طويت الورقة و مضيت باتجاه المشفى , و ألف فكرة تغتصب تفكيري , أمن الحكمة
أن أعطيك رسالة كهذه و أنت على سرير الموت تحتضرين ؟ و إن لم أعطها لك كيف
سأحتمل نظراتك الحبلى بارتياب واضح ؟؟ كيف سأغيب دون أن تلوميني ؟؟ أنا اعلم
انك تقرئين أفكاري بمجرد أن تنظري في عيني ... لم اعد أقوى على النظر إليك و
أخشى انك تعتقدين أن بيننا علاقة ما ...
تعمدت كعادتي أن اذهب إليك أثناء دوامه في العمل علي اخفف احتكاكي به و احتقان
المشاعر في داخلي لمجرد وجوده في نفس الأفق الذي اشغله, و إذ وصلت كانت غرفتك
فارغة و السرير مرتب بانتظار قصة ألم لإنسان آخر يرقد فوق جثمانه الأبيض ,
انتزع قلبي من مكانه عندما لمحته في زاوية الممر يتقدم باتجاهي و على وجهه آثار
أخبار سيئة , وددت لو أضع أصابعي في أذني و أهرول خارج المبنى قبل أن ينطق
بكلمة مما يريد أن يفصح عنه , آثار الدمار كانت واضحة على محياه و لم ادر بنفسي
إلا و أنا بين ذراعيه ابكي , و لم ادر اكنت أبكيك أم ابكي خيبتي في نفسي و أنا
عاشقة لزوجك أم أبكي حبا يستعر في فؤادي .. لم يتكلم , كانت دقات قلبه تتغلغل
في أذني بينما كانت دقات قلبي قرع طبول لحرب ضروس ضد قلب لم يستطع أن يحتمل
وجودكما معا في طيات انتمائه , معادلة صعبة : إما أنت أو هو ؟؟
حتى بعد أن انتقلتِ إلى رحمة الله لا يزال المكان لا يتسع لكليكما إذ
أنني أتخيلك تقفين بيني و بينه تنظرين إليّ تلك النظرات الحبلى بلوم مرير ...
و كيف لا تفعلين و أنا صديقة عمرك التي أحبت زوجك؟؟
دون أن يتكلم وضع في يدي ظرفا لم يكن عليه إلا كلمة واحدة ... اسمي ...
توجست خيفة مما فيه , انه خطك .. شئ مفروغ منه .. ما الذي وضعته داخل الظرف ؟
أتراها ـ و على غرار ما فعلته اليوم أنا ـ رسالة تلومينني فيها و تخبريني بأنك
كنت تقرئينني كما فعلت ِ دوما بمجرد أن تنظرين في عيني ؟ أتراك تقولين لي كيف
تجرأت و فكرت به و أنا أمامك أتلوى على سرير الموت يعتصرني الألم و ينتهك حرمة
جسدي و أنت تـنتهكين حرمة مشاعري و تنافسينني على مشاعر زوجي ؟ أتراك تخبرينني
بمدى خيبتك بعد أن خانتك صحتك و تخلت عنك فاستلقيت على أعتاب الموت شهورا
طوالا تعانين ما تعانينه والقدر قد استكثر عليك صحتك و أنا استكثرت عليك مشاعر
زوجك في أيامك الأخيرة ؟ ماذا عساك كتبت في رسالتك؟؟ ... أأتجرأ و أفكر في انك
كتبت لي انك تسامحينني على ضعف قاومته حتى ماتت روحي ؟ تراك فكرت أو شعرت بذلك
؟
كنت ارتجف و دموعي تهطل من عيني شلال ألم و خوف و ندم حينما نظر إلي و الألم
يرسم خرائطه البشعة على ملامحه قائلا : افتحيه ماذا تنتظرين ؟؟ أم انك ترغبين
ببعض الخصوصية ؟؟
لم اجبه , فكرت في نفسي : صعب أن تعريني الحقيقة أمامه فبعض الخصوصية إذن... و
جريت باتجاه الحمام النسائي , و عندما فتحت الظرف وجدت في داخله ... خاتم زواجك
منه .
-4-
لبنى ياسين ـ دمشق
منذ
نعومة أظفاري و أنا ارتدي ملابس الصبيان , العب ألعابهم, أتشاجر و اشتبك معهم
كما يفعل الصبيان تماما , استمتع باللعب بالبلبل و الكرات الزجاجية بل و أتفوق
بلعبها على اعتى الأولاد , حتى اعتاد الجميع على مناداتي برامي بدلا من رامية و
تندر الأهل و الأقارب على تصرفاتي الصبيانية , و كثيرا ما سمعتهم يهمسون لامي (بكرة
بتكبر و بتوعى و بتصير بنت).
و عندما بدأت أخطو نحو الثالثة عشرة من عمري تجمع سحاب القلق على سماء أمي و
حاصرني ببرقه و رعده و أمطر وابلاً من الاستفسارات والتساؤلات ذلك أن تضاريسي
لم تظهر بالشكل و الحجم الذي يرضي أنوثة أحلامها , فجرت بي إلى الطبيب الذي طلب
منها أن تجري لي تحاليل لها أول و ليس لها آخر , و قام طبيب التحاليل بسحب
عينات من دمي و طلب عينات أخرى من البول لاجل تلك التحاليل اللعينة التي
أصابتني بغثيان الملل و هو يحدجني بنظرات أشبه ما تكون بازدراء لأنوثة لا
املكها و ذكورة لا يعترف بها أحد سواي , نظرات لم ترقني البتة.
و ما أن أحضرت أمي نتائج التحاليل و ألقى الطبيب عليها نظراته المتفحصة حتى قال
مستبشرا و على فمه ابتسامة نصر ساحق : لا تقلقي ... ليس ثمة خطب في الفتاة ...
إنها مسألة (ولدنة) و ستتلاشى وحدها مع الأيام.
نظرت إلى تقاسيم وجهه بغضب, أردت أن الكمه على انفه المتعالي , هل تستطيع بضعة
تحاليل غبية و شخص لا يعرف عني شيئا أن يقرروا أدق خصوصية في هويتي الشخصية
اكثر مني أنا ؟ و ما أدراه هو ؟ و كيف علم أني فتاة طبيعية على حد قوله ؟
فتاة !!! و أنا لا أشبه الفتيات في شئ , كل مشاعري لا تمــتّ للإناث بصلة.. كل
تصرفاتي لا تشبههن في شئ... و هو يقول : ليس ثمة خطب ... يبدو أن الخطب في
عينيه... بل في عقله ... نعم لن يكون هناك خطب في حال تم إخضاعي لعملية تستكمل
فيها تفاصيل ما أنا عليه من ذكورة .
و استطلت اكثر و استدارت بعض تفاصيلي قليلا لكنني بقيت رامياً , كنت احبس رامية
بين جدران منزلي و أعيش طبيعتي خارج جدران المنزل و المدرسة و يحدث أن اضطر لحل
وثاق الفتاة ضمن تلك الجدران قليلا لكن شكلي كان يفضح طبيعتي التي وددت لو تصبح
هويتي المتعارف عليها و لكن كيف؟؟ ذلك هو السؤال الذي كان يلتهم أعصابي ببطء
فاضح.
ذات يوم دخل أبى المنزل كعادته عائدا من العمل فوجدني أمامه ارتدي بيجاما
صبيانية , فما كان منه إلا أن صفعني بقوة صارخا : لن أراك ترتدين شيئا صبيانيا
بعد اليوم فهمت؟؟؟ أنت فتاة فتصرفي على انك كذلك.
راعتني صفعته , رفعت نظري إليه , كان يحدق بي , لم ابك كما تفعل الفتيات عادة
إنما صرخت في وجهه : هل تظن أن ارتداء ثوب نوم نسائي سيحولني إلى فتاة ؟؟ ...
ثم أكملت بدون صوت : لم لا تجربه بنفسك و تخبرني ... هل سيتغير جنسك إن غيرت
ثيابك ؟؟ و بدت لي جملة عقيمة غبية , فهي ستضع الكرة في ملعبه ليعيد لي الجملة
بمنطق مقلوب .
أنا فتى ... كل مشاعري ...كل حركاتي...كل سكناتي ...كل رغباتي تؤكد هوية الذكر
في داخلي .
أصدقائي ماهر و احمد و صالح يعرفون قصتي بحذافيرها , أزورهم خلسة ـ دون أن يشعر
والدي ـ متذرعة بذهابي إلى إحدى صديقاتي في المدرسة, و لا يعرف أحـد من أهلهم
أن القادم شخص غير رامي, اخرج معهم إلى الشوارع لنطارد الفتيات, لم يسبق أن شعر
أحدهم باني أنثى أو تحرج من وجودي أو أبدى أي لفتة تشعرني بغربتي عنهم , تلك
كانت سويعات عمري الذي احتسبه و أعيشه على طبيعتي ...دون تكلف أو خوف من صفعة
أو ملاحظة جارحة تنقض على كياني فتحيل نهاري إلى بؤرة تعاسة لا متناهية ,و قد
اخذ أصدقائي على أنفسهم عهدا بمساعدتي بكل طريقة ممكنة عندما يحين الأوان
لإجراء عملية تعديل تعيد لي حقوقي في هوية شخصية يرفض جميع من حولي الاعتراف
بها .
صعبة هي الحياة و أنا لا أجد من يفهمني أو يسمعني , الكل يكيلون لي نصائح
فضفاضة ليست على مقاسي ... لا تشبهني البتة , و المصيبة أنها تبدأ دوما بكلمة (يا
ابنتي ) فاتمنى من قلبي أن تنزل صاعقة من السماء على تاء التأنيث فتلغيها و
تلغي عذابي معها و لكن من أين تأتي تلك الصاعقة ؟! لست ادري ... ربما من غلياني
عندما تبدأ اسطوانة يا ابنتي بالدوران فيدور رأسي معها متمنيا موتا لا أجده .
أصبحت في الثامنة عشر... و انسياب الزمن على عمري لا يحول فيّ شيئا و لا يغير
من قناعاتهم و رؤيتهم لي ... ما زلت أنا أنا...شاباً في مقتبل العمر يظن
المقربون انه فتاة متمردة و يعلم حقيقتي الغرباء فقط ... يوقفني رجل في الطريق
يسألني كم الساعة يا أخ فأود أن اخلع له ساعتي عرفانا , تستعطفني امرأة فقيرة (الله
يخليلك شبابك يا ابني) فاود أن أهبها روحي و هي تعترف بهويتي و أتمنى أن اشكرها
لكنني ابتلع شكري في اللحظة الأخيرة ليتحول إلى ومضة فرح تبوح بها عينـــــاي .
عدت اليوم من المدرسة لأجد منزلنا يغص بورشة تنظيف غير عادية , فأسرعت إلى
غرفتي هربا من واجبات ليست على مقاس تطلعاتي و ما هي إلا دقائق حتى وافتني أمي
و في عينيها بريق غريب و على شفتيها ابتسامة لم افهمها و قالت : رامية حبيبتي
...عائلة صيداوي آتية اليوم لزيارتنا.. توقفت أمي و شعرت بأن ثمة تتمة ما
للجملة المبتورة التي قذفتها في وجهي لم تجد طريقها العاثر إلى فمها... أكملت
انهم يخطبون لابنهم و هو مهندس وسيم الشكل طيب السمعة ... ويريدون أن يروك من
اجل ذلك فتجهزي الله يرضى عليك .
للحظات فقدت إدراكي تماما لدى إشارتها إلى أن الزوار قادمين لأجل الخطبة ...كل
ما خطر في بالي أن أختي ربى متزوجة و دانية ما زالت صغيرة ... لم أفكر أبدا أن
أحدا ما قد يرغب بي أنا شخصيا كأنثى .. و لم يدر في خلدي مطلقا أنى سأواجه
موقفا كهذا في يوم ما.
قلت لها : لن اخرج يا أمي ... أنا لست فتاة ...كيف تريدين تزويجي من شاب و أنا
شاب ...حرام عليك... تدافعت الدموع في عينيها و خرجت من الغرفة دون أن تنبس
ببنت شفة .
أردت الخروج من المنزل مستجيرا بأصدقائي لكن أبي منعني و صرخ قائلا : سترتدين
ثيابك و ترينهم ...آن الأوان لتتصرفي كالفتيات و إلا سأقتلك و ارتاح منك ...
يبدو أننا دللناك حتى أفسدناك تماما .
دخلت إلى غرفتي ... دفنت نفسي في سريري , و عزمت أن لا أقوم منه إلا إلى القبر
, لكنني فوجئت بذراعي أبي تزيح الغطاء عني و الشرر يتطاير من عينيه وهو يهمس
بصوت غاضب يبتلع حدة ارتفاع نبرته بالصرّ على أسنانه: الناس في الخارج ينتظرونك
...ارتدي ثيابك و تأنقي ... أمامك عشرة دقائق لتكوني مزروعة أمامي في غرفة
الضيوف .
لم اعرف ما الذي بوسعي أن افعله , لم يعتد أحدنا في الـــمنزل ـ حتى أخي الكبير
المعترف بهويته رسميا ـ على عصيان أمر لوالدي مهما كان صغيرا ... و لان أحدا
منا لم يفعل ذلك مسبقا , فأنا لا اعلم ما الذي يمكن أن يفعله بي بالضبط إن أنا
تمردت و لم اخرج.
ارتديت ثيابي على عجل و أنا اشعر بنيران الغضب تخرج من كل أنحاء جسدي ... لم لا
يريدون أن يروني كما أنا... لا كما يحبون؟ ... لماذا علي أن أتطابق و مواصفاتهم
لا وطبيعتي و نفسي؟ ... كيف بإمكاني أن افصل هويتي على مقاس معرفتهم السطحية لي
و أن أنكر إدراكي العميق لذاتي؟ ... لم لا يشعرون باني لست بأنثى... لست بأنثى
.
خرجت من غرفتي باتجاه غرفة الضيوف و قد أعماني الغضب و ما أن ولجت الغرفة حتى
تدورت عينا أبي و شهقت أمي و هرولت حواجب الضيوف للأعلى دهشة ... كانت تلك
المرة الأولى التي يراني فيها أهلي و أنا بكامل أناقتي... ارتدي زيا رسميا و
أضع ربطة عـنق .
-5-
لبنى ياسين - دمشق
نظر إلى حقيبته الفارغة ..تبدو
كجيفة بعد أن افرغ أحشاءها و قدم لكل فرد هديته التي أتاه محملا بها من بلاد
العم سام ... لم يعد بحاجة إليها الآن , فقد رست سفينته للمرة الأخيرة على
ميناء وطن سكن قلبه لسنين طويلة و لم يسكن به منذ الصبا... جال بعينيه أرجاء
المنزل الذي اقتناه حديثا كآخر محطة يحط بها رحاله بعد أن أدمن الرحيل كبدوي
أصيل... وجد أن عليه أن يرفعها إلى السقيفة واضعا فيها ما لا حاجة له به .
عاد أخيرا إلى الوطن ... انثري يا شمس
دفء اشعتك الذهبية فوق قلبه و ليذب الجليد فقد عاد إلى الوطن... انثر الشذا يا
أيها الورد البلدي و يا ياسمين بلاده ... فقد أتى الغائب أخيرا حاملا متاعه
قلبا تجرح بالشوق و ُصِلبَ بالغربة حتى اقترب من الموت كثيرا...لا يكاد يصدق
أن قدميه تقبل أرصفة وطنه... أن عينيه تعانق الأزقة و الشوارع التي تغيرت كثيرا
كما تغير هو ... لا يكاد يصدق انه أخيرا يمشي في الشارع ليسمع مفردات أمه و
أبيه ... قال في نفسه (لا للهجونة في كل شئ ... لا للوطن الهجين ... لا للقلب
المهجن ... أعيدوني إلى أصولي ... ففروعي تكاد تموت من اليباب)..
عندما ا تخذ قراره بالعودة أدمته
كلمات أصدقائه... وقفوا في وجهه ... نعتوه بالجنون ... مزقوا فرحه و ذروه في
وجه الرياح ... حتى فؤاد اكثر الأصدقاء التصاقا بشغاف قلبه ... وقف في وجهه ...
قال له هل جننت لتترك منصبا كل العيون تربو إليه في اكبر مشافي المقاطعة , و
راتبا لن تتقاضاه و لا بالحلم هناك , و تولينا ظهرك و تمضي ... تنسحب هكذا؟؟
لم يفهمه فؤاد و لا حتى هو فهم نفسه
... كان الحنين يأكل أطرافه كمرض مستعص ٍ ... كان يشعر بالبرد ... يشعر بوخزة
مؤلمة هناك في حنايا الفؤاد ... لا بد من أن يشفى .
لم يفهم فؤاد كل ما أسهب في وصفه ...
بل المصيبة انه كان يبدو مصدوما ... و كأنما أصيب صاحبنا بمسٍّ ما ... كل ما
شرحه له عن أيامه التي باتت لا تزيد عن أصابع اليدين في أقصى احتمالات نبوغ
الحظ ... قال له بردتُ كثيراً ... أريد أن اشعر بالدفء ... فرد ذاك : و هل ستجد
مدافئ المازوت التي انقرضت منذ العصر الحجري اكثر دفئا من أجهزة التدفئة
المركزية المزروعة في شقتك ؟
لم يفهم أحد ما قاله ... كأنه كان يرمي
ألغازا في وجوههم ... باع كل متاع الدنيا و صعد متن حنينه طائرا إلى الوطن.
تسابق الاخوة و أولادهم - الذين ما
عادوا أولاداً - إليه ... كل منهم يريده ضيفا في بيته ... كل منهم يريد
الاحتفاء به بقدر الشوق و البعد و الغربة التي كانت تحتل مكانه في العائلة ...
و ما أن تناهى لاسماعهم بأنه تبرع بكل ما لديه لبناء مشفى حديث للأمراض الصدرية
في بلده وأنه استقال من عمله و لم يعد مواطنا هناك إذ انه اثر مواطنيته
المتواضعة في بلده فكرّ عائدا ... حتى انفضوا عنه كما ينفض الناس عن طاولة
الغذاء بعد أن تفرغ الصحون من محتواها و تمتلئ البطون بها .
لا بأس ... قال في نفسه ... إنها
الصدمة ... سيعودون فالظفر لا يخرج من اللحم أبدا .
طال انتظاره مصلوبا في حدود الوطن بعد
أن صلب في الغربة طويلا ... كان يستفيق كل يوم و هو يعتقد انهم اليوم سيأتون
إليه معتذرين عما بدر منهم لأن الظفر لا يخرج من اللحم ... لكنه و بعد انقضاء
أربعة اشهر لم يجد فيها دواء لآلامه و لا هو أحس بالدفء و لا وجد له أصولا
يركن إليها , هاجمته الغربة ثانية ... هاجمته بشكل اعنف كانتكاسة المرض في
فترة النقاهة , مؤلمة حتى أنها صهرت روحه , موجعة حتى أنها بترت أطراف أنامله
,عندها أيقن أن بإمكان الظفر أن يغادر اللحم عندما يغدو الأخير عظما لا خير
فيه.
لم يمض وقت طويل حتى تذكر حقيبته تلك
التي رماها في السقيفة ... حشر فيها سنوات عمره المتبقية ... و حمل من الهم ما
سيدفع ثمنه باهظا في وزن الأمتعة بالعملة الصعبة ... و بضع صور ممزقة لذكريات
لم تعد له ... و قفل راجعا إلى وطن هجين .
-6-
لبنى ياسين
دلفتْ بأناقة غير متكلفة و ثقة ترتديها
باعتزاز و حضور قوي جذاب طغى على كل من في الصالة الأنيقة الفاخرة التي ُأعدت
لاستقبال ما يربو عن عشرين سيدة .
أنتِ ... لا تعرفين ما الذي يزعجك
منها , قطعاً ... ليست ثقافتها العالية ... فلست من محبي الثقافة ... و لا هو
حضورها الرقيق الأخاذ الذي لا تعترفين به أصلاً ... كثيرا ما تبجحت في غيابها
أن كل ما ترتديه من قمة رأسها حتى أخمص قدميها , مرورا بخاتم الزواج و سوار
ذهبي دقيق لا تخلعه ... لا يوازي سعر حذائك الذي تقتنيه دوما من ماركة فرنسية
معروفة.
ما الذي يجعلك تطلقين سهامك بشراسة
صوبها و تتسكعين بأنظارك خلسة على مساحات جسدها جزءا ً جزءاً ... لا يفلت حتى
ظفرها من استراحة محمومة لعينيك فوق سطحه.
ما الذي يجعلك ترتعدين بمجرد دخولها
من الباب كل مرة... هي لم تعرك اهتماما مرة واحدة , لم تلق مرة نظرة متفحصة
على مجوهراتك الباهظة , و لا ثيابك الفرنسية الصنع , لم تلفتها مرة حقيبتك
الجلدية التي تضعينها كل مرة في مكان بارز يواجه الأنظار جيدا في محاولة
للتباهي المبطن بعدم الانتباه لم تهتم يوما بأي من تفاصيلك ... فلماذا
تعيرينها كل هذا الانتباه؟؟؟؟
ألقت تحية مرحة جذابة على كل الحاضرات
بما فيهن أنت دون أن تخصك حتى بنظرة , و على ثغرها ابتسامة الشمس عندما تتمطى
في جبين السماء صباحا ... شئ ما فيها يجبر الجميع على احترامها بمن فيهم أنت ,
لكن احترامك أنت تحديدا مغلف بالحسد... محشو بالغيرة .
يلفت انتباهك قميص ازرق ترتديه ,
تعلمين قطعا أنه ليس أمريكي القماش و لا ألماني الصنع , لم تنسج خيوطه في لندن
و لا صممه مصمم فرنسي معروف , تجدين في هذا القميص ضالتك ... ستنشبين أظافر
السخرية في عينيها ... ستنالين منها قطعا هذه المرة .
و بلؤم مغلف بابتسامة هشة أجدت رسمها و
ارتداءها بتصنع واضح على محياك ... تسألينها...
- سارة ... قميصك في غاية الجمال ... من أين اشتريته؟؟
ترد هي بابتسامة ودودة صادقة :
- من شارع الحمراء ... من محل اسمه
ألوان اعتدت أن اشتري ثيابي منه, فأسعاره معقولة ... و بضاعته مرتبة , و أنا...
تقاطعينها بدهشة مصطنعة و قد سرك
إشارتها إلى أسعاره غير الباهظة :
- صناعة وطنية؟؟؟
- أجل ...
- ... أنا لا ارتدي صناعة وطنية أبدا ... أفضل أن أسير عارية على أن ارتديها
... اشعر أنها تحيل من ترتديها إلى مهرج مضحك أو كائن فضائي بشع .
تبتسمين في داخلك مزهوة بانتصارك
موقنة أن سهمك أصاب منها مقتلا , خاصة و أن العيون كلها اتجهت صوبها و قد حلت
لعنة الصمت على الجميع من وقع الدهشة التي خلفها كلامك الجارح...
ترد هي بسخرية يكسوها أدب جم ...
- عفوا سيدتي أعتقد انك أنت شخصيا
صناعة وطنية ...و في حال أن ما تفوهت به توا هو ما تعتقدينه
صحيحا و لو أنني لا أوافقك الرأي , فأنت أمام معضلة حقيقية , إذ أن الغلاف
الفرنسي الأنيق لن يغير من قيمة المحتوى السخيف الفارغ .... أليس كذلك؟؟؟
تتحولين في هذه اللحظة إلى صندوق
سخافات ... تدفنين رأسك في حقيبتك محاولة البحث عن شئ ما .. . ربما كبرياء
أهدرته تلك بمنتهى الأدب ... بينما تتعالى أصوات الضحك في الصالة و تصبح قهقهة
... و تتعالى اكثر فتطغى على صوت تنفسك الذي علا و علا و علا حتى اصبح يملأ
الفضاء ضجيجا... تستأذنين متذرعة بصداع فتك برأسك , هو في الحقيقة تصدع حاد
أصاب كيانك كله و نال من كبريائك.
-7-
لبنى ياسين
انبثق
أمامي فجأة بهامته الباسقة , لكن انحناءاً ما أصاب شموخها , فأصابني
بالذعر , وقفت في حضرة انكساره مندهشا حد الألم وبادرته بالسؤال :
لمــاذا ؟ .. لمـاذا ذهبـت إلى هناك
يا رجــل ؟ لماذا ورطت نفسك؟
رفع نحوي عينين متعبتين إلى حــد
الإعـياء و لم ينبس ببنت ألــم , بل تابع سحب قدميه ميّممـًا شطر منزله ,
لحقــت به .. و في سكون الليـل المدقـع لم يكن ثمة صوت سوى صوت اجتـثاث قـلبه
من هاوية الوجع المدمر, كان في عينيه شئ ما .. شئ كسرته العتمة و محـا بريقه
الألم , لم يغـب سوى شهور قاربت أن تـنهي حبلها بسنة .. لكني أحسست أن دهوراً
وقـفت بيني و بينه , و كما تقابل شخصا غادرته لسنين فتحس انه صار شخصا آخر ,
اصبح هو شخصا آخر, هناك في داخله كان ينبت عشب بـّري يرفض اجتـثــاثـه و لو
حتى بالتـنويـه .
أوصلته حتى داره .. تراكض الجميع يرحبون بعودته ويسلمون عليه بلهفة موجعة
بينما هو تائـه النظرات , لم يعـر أحـداً اهتمامه وكأنمـا فقـد القـدرة على
التواصل مع العالم الخارجي وانكفـأ إلى عـوالـمه الداخلية يجــّر ذيول
خيـبته وألمـه .
تركتهم و مضيت في حال سبيلي , قـلت
سآتي غـداً للاطمئنان على صحــة أغـلب الظن ما عاد يملكها , لربما استطعـت
التواصل مع إنسان قـدم حواسه الخمس للتقاعــد المبكـر .
استوقـفتـني زوجته (أختي) .. قالت
لي ابقَ الليلـة عندنا فهو صديقـك المقـّرب , و لربما ساعـده بقـاؤك .
لكنني وجدت في ذلك إزعاجا ً سافراَ له , لقد اجتـاز مسافة طويلة للوصول إلى
محافظة البرتـقـال ( ديــالى ) حيث منزله , أغـلب الظن انه يـــتوق إلى وحـدة
ٍ و سـرير ٍ و ظــلام ٍ و صمــت .
تسابقـت الأفـكار على رأسي طيلة
الطريق , كيف وصل إلى مدينتـنا الصغيرة بحاله هــذا ؟ أعلى أقـدام الخيـبة أم
على أجنحة الوجع ؟ و ما الشيء الفظيـع الذي مر به حتى يقـلبه إلى هذا الكائـن
الغـريب في اقـل من سنة ؟؟ هـو .. الرجـل الذيكان يستـفيض مرحــًا , كان يحمل معه حقيبة الفرح
أينما حل يفتحها أمامنا ..كحاو ٍ ماهر , و ينثر محتواها عبقا ً يزيح به ضباب
الملل و كآبة الأيام , لم يكن ثمة رجــل بيننا أخف ظـلاً أ و اكثـر ضحكا أو
اقـل هـَمّاً منه .. فما الذي قـلبه بهذا الشـكل ؟؟ .
مضيت إلى منزلي , لم أنم ليلتـها ,
غالبني النعاس و لم يغـلبني , و كبْوم ٍ مكابـر بقيت ساهـد الطرف سادرا ً حتى
خيوط الصباح الأولى , استسلمتُ بعـدها لكوابـيس مــوت مؤلـم مدمـر .
حلمت به .. كانت الذئـاب تطــارده
مطاردة عـنيفة , ثُم أحاطت به و تكالبت عليه تنهش لحمه , رأيتهـا تهاجمه ..
تعـض أطرافه فـتـتساقط أشلاؤه شـلــواً تلو الآخـر , و رأيته يعاود التـقاط
أشلائـه و يضعها كيفما اتفـق لـتـلتـصق بجسـده , تـشــّوهَ شـكله .. صار
أشبه بمسخ مرعب , لكنه لم يفـرط بقطعة من جسده المتمـزق ولا حتى بظفـر , ما
زال الجسد جسده رغم كل التـمزق , رغم كل التشوه , و برغـم جميع الألـم .. ثم
انبثــق الدم من جسده واصبح نهــراً .. جـرى نهـر دمـه بتدفـق مهـول ..
فيضانـاً اقـتـلع كل ما وقف في طريقه حتى ثـلة الذئاب التي حاولت في البداية أن
تشرب من نهر الدم , كان مصيرها هي الأخرى الغـرق في فيضـانه.. بينما هـو ما
يزال واقفاً حيث هـو, صامداً يحاول معالجة أعضائـه الكليمة و إعادتها إلى
مكانهـا .
أوجعـني كابوسي .. واستيقظـت
غارقـاً في عـرقي بـدلاً من أن اغــرق في دمه , كنت اخـتـنــق .. واكتشفت
للتــّو أن عـينـيّ لم تغـمضا لأكثر من ساعـتين .. لكن الصباح أعـلن عن
إشراقـه مزيحـاً ستائر الظلماء عن وجه الكون بجيوش من أشعة الشمس .
ارتديت ثيابي كيفما اتفق ناسياً أن
اغسل آثـار خرائب الليل و فيضاناته عن ملامح وجهي , ويـممـتُ مسرعا شطر داره
ثانيـة و قد نـال مني كابوس الـدم ذا ك .
فتحـت أختي الباب واجمة وكأنها
أصيـبت منه بعـدوى الذبول و الصمت .. قـلت لها
ــ كيف حالـــه ؟؟
رد ت :
ــ لا حـال لديه تسأل عـنه .. لم
يـأكل .. لم يتـكلم .. لم يصغ ِ .. و لو آ ل الأمر إليه لما تنفس , ارتـمى
فـوق سريره بعـد أن أغـلق الباب وراءه في محاولة لإبلاغـنا بوجوب البقاء خارجا
بطريقة مهذبة , دخلت إليه بعـد قـليل فوجـدته غـارقاًً في نوم متعـب , بيـنما
تجمعـت ملامح وجهه وتقـلصت وتمركـزت في منتصف وجهه , فخـرجت مغـلقة الباب
ورائي لعـل النوم يزيح عنه شبح الإعياء الذي يهيمن عليه .
اتجهتُ إلى غرفـته بعـد أن قـدّرتُ انه نام فترة مناسبة تماما لإيقاظه
بعدها .. طرقت الباب , وإذ لم أتـلـقَّ جوابا فتحته بهدوء شديد و دخـلت , كان
قد حرص على استضافة الظلام في غرفته بإغلاق النافذة الوحيدة و إسدال الستائر
جيدا , وجدته كما وصفته أختي تماما , ولـولا إيقاع أنفاسه المتعـبة لاعتقـدتــه
ميتـاً .
فتح عينيه بشح ٍ شديد كأنما خاف أن
يهرب منهما النوم قائلاً :
ــ و ما نفع الكلام .. افتح الباب
و انظـر خــارجاً .. هـل بعـد هـذا كله كلام يُـقــال ؟
قـلــت له:
ــ قــم يا رجـل ..أولادك
بانتـظارك .
قال لي :
ــ قـلْ لهم إذن ألا ّ
ينتـظروني .. فلم أعــد هـنا.
أربكـتـني كلماته .. هـزتـني في العـمق
.. بل قل أوجعـتـني , وحرت في أمره لكني احترمت رغبته و خرجت مغـلقـا ً
ورائي بابـا أظنه يريـده بابا ًً لـلحــده .
جلسنا في الصالة .. لم تكـن صالة
بمعـنى هـذه الكلمة , إلا أنها مع ذلك كانت تؤدي وظـائـف الصالة وغرفة
الضيوف وغرفة الطعـام معا في النهار .. أما ليلا فكان لها عمل إضافي غير مأجور
إذ أنها تتحول إلى غرفة نـوم للصبيـين الكبيرين الذين تجاوزا سـن ّ الثالثة
عشر فتم فصلهما عن أخواتهما الإنـاث , وخصصت هذه الصالة لنومهما بعد أن تفرغ
ليلا من أشغالها الأخرى . أحضرت أختي إبريق الشاي , وجلست قبالتي , كانت
تمنع دموعها من الإفلات من فتحتي عينيها و هي تسألني بسذاجة طفـل ما الذي يجري
؟؟
بماذا أجيب و ليس لدي أي شئ يحمل
بريق إجابة .
قلت لها : صبرا يا أختي .. إنها مسألة وقت , ما مر به ليس بالقليـل ,الحمد
لله انه عاد .. أما كنا قد يئسنا من ظهوره ثانية؟؟
ردت أخـتي : حقــا ً !!! لقد
أصابني اليأس من عـودته , و اعتقـدت انه ربما ... وسكتـت برهة لتنجو بنفسها من
احتمال موته و لو شفهيا , ثم أضافت :
ــ لا قـدّر الله !! الحمد لله الـذي أعـاده لنا سالما ً.
شعـرت بوخـزة غـريبة للسخرية تمتـزج
بجملة ( عاد سالما ً) .. وربما تطال وخزتها هـذه كلمــة ( عــاد ) أصلا َ,
فأنا شخصيا لم أجـد شيئا عـاد منه حتى اللحظة .
بقيت إلى جانب أختي اشد أزرها إذ
لم يعـد لديّ ما أقوم به طيلة النهار سوى انتظاري اليائس لاستيقاظـه من مـوت
مؤقـت يـريد أن يعتـقـده دائمـا .
فـتـح باب غرفـته .. خرج إلينا
بخطوات وئيـدة وكأنه يضنّ عـلينا بحضوره , هالني شكله في الضـوء , فلـم أكـن
قد رأيتــه من خلال نـور واضح قبل اللحظـة , كان مـيتـاً يخطـو على أرجـل حـي
.. كان ميتـاً حقـا ً .. و قد فقد مع فرحه كثيراً من وزن جسده المتعب... و
كرشا ً كان يبارينا بها وفي عينيه تلك النظرة التي تفيض ألماً حتى فرغـت من
المعـنى و امتلأت وجـعــــاً .
لم يحفــل بنـا ولا بشيء حولــه ..
لم يحاول حتى أن يخـصّ أي شئ كان قـد فارقه قرابـة السنـة بنظـرة خاصة ولا حتى
زوجته المشتاقة .
جلس على كرسيه وكأنما كان قد تركه قبل النوم فقـط , بدون كلام , فـقط بـكل
ذلك البؤس المطـلّ من عينيه الذي لم تفارقـني مفـردات له حتى اللحظـة لم
أفهمهـا .
قامت أختي بتجهيز الغــذاء الذي
يحـب , وربما الأصح أن أقول العشاء , نظرا لأفول الشمس مصادرة معها دفئا لم
اشعر به, إلا أن إصرار أحـد منا لم يثـنه عن مقاطعتـه للطعـام .. فما عاد
الطعام من اهتماماته مطلقــــاً .
أ رِ قٌ هـو .. تـَعِـبٌ .. مهـزومٌ .. مخـنوقٌ .. متألـمٌ .. ضائـعُ ..غاضب..
لكنه حـتماً ليس بجـائع .. على الأقـل ليس إلى الطعـــــــام .
احتراماً مني لشهيته المفقودة لكل
شئ .. قاطعت بدوري الطعـام .. وأومأت لأخـتي بأن تـتركنا وحـدنا عـلّ رياح
الصداقة المتينة التي ربطتـنا منذ نعومة أظفارنا تهب على هـمومه و تشد أزر
رغبة دفينة في إزاحة عبء ثـقيل عن كاهله فتــأذن له بالبــوح .
ــ هـيا يا صديقي , فأنـا بئر
أسرارك كنت وما أزال .. أنا من شاركك آلامك وأفراحـك و مغامراتـك ومقالبـك
وتقـلباتـك وأسـرارك الصغيـرة تـلك التي كانت يومها بحجـم المحـيـط .. ما زلت
أنا رغم تقـلبات الدهـر علينا , رغـم الأوقــات الصعبة التي مرت على كل
منـا , رغم كل شئ .. لم ينقـص من صداقـتـنا سوى شـوائب الزمن فازدادت متـانة
مع تقــدم العـمــــــر .
بكى صديقي , وانفرطـت لؤلؤتـان
غاليتـان من عـينيه نزلـتـا باستحياء وإبـاء ذكوري على خـديه , أوجعـتـه
دمعـتــاه وهـما تنهمران قسرا على مرأى مني , فما زال يريـد أن يـبدو قويا..
ربما ذلك الجانب مني الذي اصبح قريبـه بالمصاهـرة هو تحديدا ً ما أوجعه ببكائه
أمامي , تمتـم بكلمات لم تكن مفهومة أبـدا .. بضع كلمات منها زايلها الغموض
ففهمتهـا , لكنها وصلتني دونما ترابط كما في الكلمات المتقاطعـة , ثم
انفجر بالكلام دفعة واحدة .. و أجهش بالبــكاء كمـا لم أ رَ رجلا ً يبكي من
قـبل , أصبحت عباراته تأتيني متقـطعة الأوصال , أليمة الأشلاء , لكني صرت
افهم و أحس كل ما كان يقوله وما لم يقـلــه , صرت اشعـر بحـواسه و أرى
بعـينيـــه .
قال لي بصوت متهدج يكاد يطغى عليه صوت
أنفاسه المكلومة المتـقطعة :
ــ تصور امرأة تـُخـلّـد انتصارها
بصورة فوتوغرافية فوق عـري رجـولـتي , و تقـف بوضعـيـات فاحشة و بأخـرى مذلـّة
فوق جسدي العاري , ضابط هـي في الجيش الأمريكي , لم أذق طعـما أمـّر من الذل
.. و الله لم اعـرف طعـما أمــّر منه , وودتُ لو أشبعتها ضربا ... وددتُ لو
قتلتها ألف مرة ... وددتُ لو متُ... لو تفجرتُ ... لو احترقتُ ... وأحرقتُ كل
شئ معي , لكنني ما زلتُ حياً .
في هـذه اللحظات بالـذات شــاركته
البــكاء , أجهشت ألمــا و مرارة و وجعا .. أجهشت ذلاً .
أردت أن اصرخ به لا تبــك ِ فالجــرح جرحي أيضا , لكن صوتي اختـنـق مع دموعي
, فلم اعـد قادرًا إلاّ عـلى العـويل كالنساء .
آه يا جـرحي الهرم وأنت تمتـد خنجرًا في الخاصرة يطال كرامتي كما طال
كرامته قبلي .
سكتَ قليلا , كنتُ أعلم أن في
جعبته الكثير من الألم المتحصن خلف قسماته الموجوعة , لكنه آثر أن يذيل حديثه
بالصمت ...مواريا ً عوراته النفسية خلف سكونه , بعد أن كُـِشفتْ عوراته الجسدية
أمام عيون لصوص الحضارة , فرحت أغيـّر مسار الحديث صوب أطفاله عــله يسلـو ,
ومضات غـبيــة اختبأتُ وراءها عـندما أدمته الــذاكرة في محاولة للنيل منه
ثانيـة .. إلا انه لم يكن يسمعـني .. لم يكن يـراني , كان وحــده تماما في
الغــرفة .
تركته و خرجت ... مضيت تائها في
سواد الليل .. اختلط بكائي بعويلي بذهولي بصمتي بتشردي .. بذلي.. لم اعد
اعرف من أنا.
تتقاذفني الأزقة الضيقة و متاهات الضياع في داخلي , وددت لو خلعت حواسي
الخمس ووضعتها عند اقرب جمعـية خـيرية .. فـلربما احـتاجها غـيري ليعـزز
صلاته بما حوله لكي يـرى و يسمع و يحس جيــــــدا بما يـحــــد ث..و ربما كان
اكثر شجاعة مني فاستطاع أن يفعل شيئا ً .
على أطـلال خرائـبي مشــيت .. على وهــم ٍ كان اسمه أنــا .. على ذيـول
الخيـبة الحـمقاء اسرج فتيـل حـزني , فــــــلا أستطيـــــــع أن احـــــــزن
اكـثــــــــــــر .
يا له من مـــــوت مفجـع ٍ أنــاخ
بلعـنـتــه على كل ما حــولي .. و تركني إمعانـاً منه في تعـذيـبي و إذلالـي
.. أ للمـوت مفاضلات وتفضيــل كما للحـــــــــياة ؟؟
فـقـدتُ قـدرتي على الرؤيـة
بمباركة العـتــمة التي حــلت فجــأة حولي وفي داخلي و صرت أتخبط في محاولة
مستميتة لتحديد وجهتي , لكني و لدهشتي وجدت نفسي حيث أنا .. على خطوات من
منزل أختي , كأني غادرتـه للـتـّو , كان نور الصالة مضـاءاً مما يعـني انه ما
زال هناك يلوك أوجاعه و تلوكـــــــــــه .
أحنيت شموخ رأسي بألم مخيف و مضيت
صامتا نحو منزلي , مشّيعا بقايا أمل باغتني يوما ما , لا اعرف من أين أتى ,
لكنني اعلم تماما كيف مات .
ديالــى : محافظة في العراق مشهورة بالبرتقال
-8-
لبنى ياسين
كان أبو عـدنان بأسماله البالية التي سقطت
كيفما اتفق فوق هامته المنحنية يراقب بفضول هادئ رهطا من القطط أمام محل الجزار
وهي تخطف ما يرميه الرجل إليها و تهرول به بعيدا عن عيون الفضوليين و ربما عن
مخالب قطط اكثر شراسة منها .
تساءل بينه و بين نفسه لماذا لا يكون
البشر هكذا .. لمَ لا يكتفي الإنسان بقوت يومه ؟ لماذا عليه أن يحشر الثلاجة من
قمة رأسها حتى أخمص قدميها بالطعام , ثم يختزن ما تبقى من معلبات و حبوب داخل
خزانات المطبخ ؟ .. و حدث أن نقم في متاهات ذاته على مخـترع الثلاجة موقـناً
بينه و بين نفسه أنه السبب في جوع من لا ثلاجة لديه , إذ منذ ظهر هذا الاختراع
الغبي إلى الوجود , أصبح الناس يخزنون الطعام حتى ذلك المتبقي اثر انتهائهم من
وجباتهم .. بل وأصبحت الحياة كلها تخضع لمبدئي التجميد و التعليب , فآراؤنا
صارت مجمدة .. مشاعرنا صارت مجمدة .. بينما أفكارنا أصبحت معـلبة حتى إشعار
آخر.
في هذه الأثناء اقـترب هـّرٌ هَر
ِمٌ من وليمة القطط .. لم يقـترب تماما .. بل ظل على مسافة كافية للأمان تنبئ
بقية القطط انه جاء مسالما و لن يدخل بعراك مع أي قط آخر لأجل طعام هو في أمس
الحاجة إليه لولا وضعه الراهن الذي لا يسمح له بالعــراك .
تماما كصاحبنا هذا وقف يراقب
بسكون قطع اللحم التي تطير من يد الجزار في الهواء , فيقفز هر ما من هذه القطط
.... و يلتقطها و يغيب في إحدى الزوايا .. لم يدنُ .. لم يلتقط قطعة واحدة ..
كان يعلم تماما أن الضعف البادي بوقاحة على أنحاء جسده و ملامح وجهه سيشجع
اضعف هذه القطط على مهاجمته إن فعل .
دار في خلد أبى عدنان .. لعل
القط أيضا يلعن الثلاجة و ينقم على من اخترعها, إذ انه لولاها لكان فائض اللحم
بكامله نصيبا للفقراء و القطط , و ليس بضعة قطع غير صالحة للاستهلاك البشري
فحسب .
حانت منه التفاتة نحو القط ,
فرأى القط بدوره ينظر إليه بإمعان أيضا ... لربما هو الآخر يرثي لحال هذا
العجوز .. إذ بينهما تواطؤ خفي أحدثه الجوع و الفقر و الهــرم .
خطر في بال أبى عدنان أن هناك توارد
أفكار بينه و بين هذا الحيوان الهرم .. بل أن هنالك عـدة نقاط التقاء و تشابه
بينهما .
اقترب منه بهدوء و هو ينظر إليه ,
لم يمانع القط , بل ظل يحدق مباشرة في عيني أبى عـدنان دون أن يرمش له رمش ..
مـّد أبو عدنـان يديه والتقـط القــط .. رفعه إلى صدره .. ضمـه بـود قديم هرم
, و مشى به بعـيداً عن وليمة القـطـــــط .
-9-
لبنى ياسين
انطلق
يجوب شوارع العاصمة الموغلة في القدم والعراقة..دمشق..تلك المدينة الأسطورة,
قال في نفسه :
يا الله كم احب هذا المكان...من لم ير
الشام لم ير شيئا من ملكوت الله ...(وجهة نظر ).
مر في جولته تلك بمنطقة يعشقها
بأشجارها الطويلة المتكاثفة معا- أيكة مسحورة - و التي يتراوح لونها من الأصفر
حتى الأحمر مرورا بالبرتقالي و درجاته , انه فصل الخريف
,يوما ما قال نزار قباني : وحده الخريف يشبهني .
هو قال في نفسه: أنا أشبه الخريف.
تناهى إلى سمعه صوت أغنية يعشقها فرفع
صوت الراديو حتى جلجلت في أنحاء سيارته الصغيرة:
قالت يا ولدي لا تحزن الحب عليك هو المكتوب
لا بأس ما دام هو الحب .
بحياتك يا ولدي امرأة.....
تذكر عندما وقعت عيناه عليها للمرة
الأولى , كان ذلك منذ سنة تقريبا عندما أوفدته شركته لدراسة اللغة الإنكليزية
في معهد خاص ,كان ذاك درسه الثاني عندما - و بعد ابتداء الدرس بدقائق - قرعت
الباب المفتوح , فاتجهت الرؤوس إلى هذه الطالبة المتأخرة ..أومأ لها الأستاذ
بالدخول فتحركت بارتباك واضح إلى الداخل ..و هناك على مرمى نظر شعر بشيء ما
كأنه ارتعاش اجتاح مفاصله ...لم يستطع أن يدرك ما الذي أثر به إلى هذا الحد في
تلك الغريبة.
عيناها سبحان المعبود...
لا بد أن نزار قباني قد رآها في مكان
ما , فمن غير تلك العينين يستحق جملة كهذه ؟؟ما أحلى عيناها..عندما تقدمت على
استحياء متجهة للمقعد المجاور له , و على محاذاته تماما كان قدره يشاكسه جالساً
على مشاعره التي لم يستطع أن يفك رموزها حتى هذه اللحظة ... استدارت إليه
..التقت عيناهما ..تشابكت لوهلة كانت كافية تماما لتغور طعنة نجلاء في فؤاده,
ثم نزعت عينيها مرة أخرى , و تابعت اهتمامها بالدرس, دون أن تشعر أنها - و
بلحظة واحدة فقط- استلت من عينيها شعاعاً و شهرته في وجهه ,شعاعا أشعل حرائق ملتهبة اكتسحت مشاعر من على
يسارها و أحاسيسه.
فمها مرسوم كالعنقود
لا تعليق
ضحكتها أنغام وورود
بالتأكيد ضحكتها أحلى من ذلك كله, يحدث
أن تستطيع قراءة تفاصيل صمت كائن ما لمجرد انبهارك به.
و الشعر الغجري المجنون ...يسافر في كل الدنيا
يا لشعرها الكالح السواد الممتد على
خصرها الدقيق شلال فتنة و هو يتمايل راقصا مع رأسها مرافقا كل حركة تقوم بها,
حتى إذا ما انهمكت في تدوين ملاحظات الأستاذ ,فمالت بقامتها إلى الأمام لكي
تكتب, أغار شعرها معها إلى الأمام متجاوزا كتفها و ساعدها بشغب ملحوظ , و جلس
بحركة مشاكسة على منضدتها , فإذا بها تعيده إلى الوراء ثانية بحركة من أناملها
العاجية ..حركة تسكنها نعومة الكون كله و أنوثته و تسكن أعمق مشاعره حتى
الآن.
قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب ...هي الدنيا
كان يزداد إعجابا بها مع كل درس
يحضرانه..شئ ما في صمتها و هدوئها .
يشده..شئ غامض فيها يسحبه لقاع التعلق
بشدة لا هوادة فيها , و بمرور أيام كان يفــيض تورطاً و يزداد غرقاً.
قال في نفسه يوماً ما أجملها....كأنها حورية البحر..كأنها أسطورة بغموضها
..سأكلمها ..سأحاول أن أجد ذريعة ما لأكلمها ..سأطلب منها شيئاً ما ..ربما
كتابها.. أي شئ ... لا بد أن أكلمها.
ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان
.
ما أن أذن الدرس بالانتهاء حتى لمت
كتبها على عجل و اتجهت إلى الباب و كأنها تهرب من شئ ما ..أما هو فقد ترك كتبه
على طاولته كما هي و جرى وراءها ... كانت خطوات الفتاة سريعة كفهد, رشيقة كغزال
, و هو يسارع خطواته وراءها بقلب مترقب يكاد لوقع دقاته المرتفعة أن يُسمع من
حوله إيقاع لهفته.
لماذا هي على عجلة من أمرها ؟؟ تساءل
في نفسه بينما لا يزال يحث خطواته وراءها.
و ستسأل عنها موج البحر و تسأل فيروز الشطآن
و عند باب المعهد الخارجي , أبطأت هي
الخطى , مما أثلج صدره قليلا ...كان ثمة سيارة حديثة هناك ,يقف إلى جوار بابها اليساري شاب وسيم برفقة طفلة
صغيرة لا تتجاوز السنتين من العمرلها نفس العينين الساحرتين , و ما أن لمحت الطفلة
فتاته خارجة من باب المعهد , حتى جرت إليها بخطاها الحديثة العهد بالمشي رافعة
يديها العاجيتين الصغيرتين و هي تهتف بصوت شجي : ماما..... ماما
مطلع شهر
.................
لا شئ يبهج و يمقت في ذات الوقت كمطلع شهر... حين يأتي و زوجته على جناح اللهفة
إلى رحاب المنزل الصغير ...يحملان في جعبتهما بعض الفواكه ...التي تنبئ بأن
حدثا كمطلع شهر اطل برأسه على تضاريس البيت المكتظ بأكثر مما يتسع ...
و في جيبهما كنز متواضع من الليرات ... عليه أن يبتلع مشاكل الشهر كله و
فواتيره و ديونه المبعثرة هنا و هناك ... عليه أن يسكب دفئا في حنايا المنزل و
يطرد شبح الديون و يمحو بردها ...
يأتيان على أمل أن هذا الشهر سيختلف ـ لسبب ما لا يعرفانه ـ عما قبله و ما قبل
ما قبله و ما قبلهما ... فلربما ـ أقول ربما ـ كان هذا الشهر أقصر عمرا .. أو
أطول فرحا أو اقل مصروفا أو اكثر بركة ... من يدري ... لعل شهر شباط يطرح بركته
على بقية الأشهر فيقص من أجنحة أيامها الطويلة .
و ككل شهر ... يعقدان اجتماعا هاما ... تبدو على ملامح كل منهما جدية مؤتمرات
القمة العربية و لا جدواها ... يمدان النقود على قدر الفواتير ... يحاولان
تقصير المصروفات و الفواتير على قدر النقود ... فلا ينفع هذا و لا ذاك ...
و كالعادة يقصان من هذا ليلصقان فوق ذاك و يقومان بالترقيع بين هنا و هناك ...
عل ذلك يجدي نفعا ... لكنه لم يجد يوما.
فاتورة الهاتف , الكهرباء,الماء, دين البقال,مصروف كريم و ديمة, أقساط البراد
الجديد...
انتزع الرجل نفسه من لجة اللاجدوى المرعبة التي غرق فيها حتى الضياع و جر قدميه
جرا نحو السرير ... آملا أن يستفيق غدا و قد حصلت معجزة ما ... أو هبط عليه
مالا من السماء ...يزيح عن كاهله عبء معضلاته التي لم يجد لها حلا.
استفاق في اليوم التالي و لا شئ هبط عليه من السماء سوى فاتورة إضافية كان قد
نسيها في معترك الفواتير التقليدية التي اعتاد مراجعتها
شهرا بعد شهر ...
ارتدى ثيابه على عجل ... ليتيح لجسده المهترئ كجيبه الوصول إلى شركة الهاتف
لدفع مستحقات الفاتورة قبيل الذهاب إلى العمل ... جذب الباب وراءه مقفلا على
بقية هموم النهار باب التأجيل لساعات عدة ... و مضى في طريقه ... و لم يصل إلى
هناك إلا وقد تراشقت آلاف الأفكار العدوانية في رأسه مسببة له صداعا حادا .
و لحسن حظه المتعثر عادة ... لم يكن هناك من قد سبقه إلى صندوق المحاسبة ...
اقترب من الصندوق.. لقم رقم هاتفه بسرعة للموظفة المتذمرة التي كانت راسخة في
مقعدها كما لو أنها ولدت عليه ... فكستها رتابةُ الأيام غبارَ القرف و
الاشمئزاز ... بينما ظهر على ملامحها قدم هذا المكان و إيغاله في عبثية الأشياء
حوله ....
تلقفت الموظفة الرقم بسرعة اكتسبتها من جلوسها على ذات المقعد منذ آلاف السنين
... ضربته بسرعة على جهاز الكمبيوتر أمامها ... نظرت في الشاشة المضيئة ... ثم
رفعت رأسها دون اكتراث قائلة تسعة آلاف و خمسمائة ليرة...
تسمر الرجل في مكانه بينما هرول حاجباه إلى أعلى دونما إرادة منه و تشنفت أذناه
في محاولة لاقتناص الكلمات بشكل أوضح ...و بدا على المسكين انه لم يصدق ذلك
الرقم الفلكي الذي قذفته الموظفة للتو في وجهه .
نظر إليها قائلا : غير معقول ... لا يمكن أن تكون هذه فاتورتي أنا ... ربما
أخطأت ضرب الأرقام...
أجابته الموظفة بنزق واضح : أليس الرقم (7754354) با سم عبد
القادر محروس .
أجابها و قد اسقط في يده : نعم تلك هي
ردت : إذن هذه فاتورتك بإمكانك أن تحصل على بيان تفصيلي بالأرقام ...
و بدون أن تنتظر جوابه طبعت البيان و رمته في وجهه بطريقة وقحة ... تلقفه الرجل
بلهفة و أمعن فيه باحثا عن خطأ فادح قام هذا الجهاز اللعين بارتكابه ... لكنه
تسمر في مكانه إذ رأى تكرار رقم إحدى المحطات الفضائية التي تبث أحد البرامج
الذي تطلب مقدمته و بإلحاح عادة من الشبان و الشابات الإسراع بإنقاذ نجمهم
المفضل من بين المتسابقين إذ انه في قائمة (نومينيه) فكر في نفسه و من غيرهما
كريم و ديمة ... قاما بعمل بطولي لإنقاذ المتسابق الذي تعرض لخطر الخروج من
البرنامج نهائيا... و لكن من سينقذه هو بعد أن اصبح راتب الشهر (نومينيه) في
جيبه و ليس ثمة محطة فضائية واحدة تقف في صفه لتعيد الراتب المبعد.
----------------------
*نومينيه : كلمة فرنسية بمعنى الاستبعاد ...استخدمت
كثيرا في برنامج ستار اكاديمي للترشيح المشترك للبقاء او الابتعاد عن البرنامج.
-شهرزاد
-أمر مولاي
-أريدك أن تقيمي حفلا رائعا لتأ بينك ..فقد آن الأوان ...افهميني جيدا
..أنا احبك..بالطبع أنا احبك...بل ربما أعشقك...لكنك خلقت من اجلي ..من اجل أن
ينمو مجدي و يتناسل ..و لاجل هذا الهدف النبيل ..علي أن اغرس قدمي في كبريائك
..و ارتدي فؤادك نعلا لارفع هامتي عاليا في السماء.
-أمر مولاي
-عليك أن تعي تماما باني أهواك بجنون و سيؤلمني حتما ...تماما ... أن أراك
تموتين ..لكنه قدرك...قدرك أن تموتي من أجلي ..كما عشت من اجلي كل هذه السنين
..و قدري أن اتسامق مجداً و أنا اعتلي هامتك , و ألامس النجوم على أشلائك....و
أن اسطع في سماء الخلود مقتبساً نوري من نارك التي سأخمدها .. و عليك أن تعي
تماما أن ألم موتك و فراقك وحده يكفيني ...سيزعجني... سيؤرق نهاري , ...و ربما
ليلي( حسنا لا أظن انك ستزعجين ليلي فلي شؤون أخرى تحت وشاحه القاتم )...لذا لا
أريد أن أراك تبكين ..أريدك أن تبتسمي ..كما تفعلين عندما آتيك موشحا
بانتصاراتي ..رافعا رجولتي علما فوق جماجم النساء ..و أن ترتدي اجمل حللك و
تتزيني ..لا أريد أن يُعكر صفو مزاجي مرتين في يوم واحد ..فذاك كثير على
احتمال مزاجي الرقيق.
-أمر مولاي...
-شهرزادي سيكفيك مجداً أنك صنعت مجدي , و أني غرست كفي في أحشائك و امتصصت رحيق
حياتك فأصبحت أنا شهريار سليل مجد يلامس السحاب ..فلا تحزني من نهايتك ...فهي
نهاية مجيدة .
-أمر مولاي .
-واحبسي دموعك ...و زغردي تحت قدمي ...فأنت لي وحدي ..خلقت من
اجلي و ستموتين من اجلي ..و مجد كهذا أظنه حري به أن يجعلك تطئين السحاب .
ماتت شهرزاد و هي تضع انفس حليها و ترتدي حزنها وشاحا صامتا و تتزين بلآلئ لم
تبارح عينيها
قسراً... جميلة كانت كحورية البحر , حزينة كأوراق الخريف , و على شفتيها تفتر
ابتسامة الرضا,
مخطئاً ظن شهريار بأنها من اجله ..من اجل موتها تحت قدميه, أما هي فقد ابتسمت
عندما ُأطلقت روحها من سجن الجسد , و حلقت عاليا في السماء ...كان عزاؤها في
الموت أنه لن يستطيع سجنها بعد اليوم .
تهالكت
على كرسي جوار جهاز الهاتف, رفعت السماعة وأدارت رقما, كانت تشعر بالحرج,
ففي وقت كهذا لم يعتد الناس أن يستقبلوا اتصالات من أشخاص غالبهم التعب
والحزن, فانبروا يبحثون عن صوت في الظلام يحتوي أوجاع غربتهم, لكنها صديقة
العمر, لا بد أنها ستفهم هذا الظمأ إلى وجود شخص آخر في ظلال الوحدة, على
كل ..لن تسمح للهاتف أن يرن كثيرا, ستعلم سهى إن كانت مستيقظة بأنها
المتصلة فتعيد الاتصال, وان كانت نائمة لن توقظها رنة أو رنتين.
هناك لهفة كائن ما على الطرف الآخر التقطت السماعة بمجرد أن أعلنت عن ورود
صوت ما من مكان على الارض, لكنه ليس صوت سهى ولا حتى زوجها, هو صوت غريب
باغته ارق الملل أو الوحدة أو تشظي الروح كما باغتها تماما فجعل يهتف على
الطرف الآخر: الو, ارتبكت مرام وهي تطلب صديقتها عالمة أنها لن تجدها بسبب
خطأ ارتكبه إبهامها وهو يطلب الرقم, فرد الصوت على الطرف الآخر معتذرا:
يبدو انك طلبت رقما خاطئا, لكن دعيني أسألك سؤالا, هل أنت معتادة على
الاتصال بصديقتك في مثل هذا الوقت؟
أجابت : تلك هي المرة الأولى التي اطلبها ليلا.
فقال: أتمنى أن لا يكون هناك طارئا ما!!
أجابت: إن لم نسمي نحيب الروح طارئا... فلا شئ إذا.
-لا
أريد أن أكون فضوليا...لكن إن أردت أن تريحي نفسك بالإفضاء لي فلا مانع
عندي خاصة واني أعاني من الأرق والملل ...بل ربما الاختناق.
-هل
سبق أن شعرت أن أصابع الوحدة تضغط على عنق أيامك فتجعلك تشعر بغثيان الأمل.
-
ياه...يبدو أنني أمام شاعرة!!
-من
...أنا؟؟ أنا لم اجتز الثانوية العامة.
بنبرة تفضح استنكارا ودهشة:
-طالبة
ثانوي؟؟!!
-
كلا...لم اعبر جيدا, لم أصل إلى الشهادة الثانوية, تزوجت قبلها.
-
مممم..وأين هو زوجك الآن؟
-يغط
في أحلام لن يراها.
-يتركك
وينام؟؟
-وماذا
تريد من رجل يشغل وظيفتين, ولا يكاد يدخل إلى منزله الا وقت النوم.
-كما
نعود للفندق؟؟
-
باستثناء أمر واحد, انك تعود إلى الفندق اثر تجوال سياحي يطرز روحك بألف
حافة للفرح, بينما يعود وهو يجتث بقية أحلامه ليرمي أشلاءه على سرير التعب.
أحيانا استغرب من تلك القدرة التي يمتلكها على العطاء, لا يفكر في نفسه
أبدا, لا يشتهي شيئا له, كل ما يبحث عنه هو متطلباتنا أنا والأولاد, فاسأل
نفسي:هل هو حقا لا يملك أي حلم صغير لاقتناء أي شئ, أم أن قائمة الاولويات
التي رتبها لم تصل إلى اسمه بعد...ومتى ستصل؟؟متى سيطلب هذا الإنسان شيئا؟؟
-ربما
أزهده التعب؟؟
-على
العكس, فهو راض دائما, يمطرنا في لحظات لقاءه القليلة معنا حبا يتسع للأرض
بكاملها.
-و
أنت؟؟؟
-
أنا؟؟؟ماذا؟؟؟
-هل
أنت راضية؟؟
-هل
تصدق إذا قلت لك أني لا اعرف, اشعر أني أعيش حلم فتاة أخرى, أظن أننا نحلم
سرا بصمت فتنطلق أحلامنا إلى سماء الأماني دون ترتيب وتختلط, فيحصل كل واحد
على حلم شخص آخر لا يعرفه...ربما لأننا في الظلام لا نستطيع أن نتعرف على
ملامح حلمنا... فيلتبس علينا , أكيد أن هناك من حلمت أن تعيش حياتي, لا شئ
حقا اشتكي منه, زوج يحبني بجنون, أطفال في غاية الصحة والجمال
والهدوء...ماذا أريد أكثر؟؟؟لا ادري, لكنني لست راضية, اعتقد أني قرأت قصص
سندريلا حتى اعتقدت أن أميرا ما سيبحث عني من بين كل فتيات الأرض, لكن ذلك
لم يحدث...قد تكون فتاة ما في هذا العالم قد حصلت على حلمي...ومن يعلم...قد
تكون غير راضية أيضا.
-بدأت
الآن تتكلمين كفيلسوف... يبدو انك تقرئين كثيرا؟؟
-
أنا...ربما..أحيانا..أطالع بعض الصحف التي يجلبها زوجي.
-إذا
دعيني أعرفك بنفسي أنا الصحفي وليد الجابي من جريدة الأيام...هل قرأت
زاويتي يوما؟؟
-
الحقيقة...لا اذكر
-لا
عليك...اعتقدت انك قد قرأتها بسبب شعبيتها, إنها زاوية يوم في حياة مواطن .
-
عرفتها...نعم قرأتها...عدة مرات ...تكتب بأسلوب ساخر عن معاناة
المواطن...صحيح؟؟
-
نعم..على فكرة ...لم تقولي لي اسمك حتى الآن!!
-
اسمي...ما الذي سيضيفه اسمي...أنا مجرد امرأة.
-الا
تعتقدين أن الأسماء لها دلالات تنطبع على صاحبها.
-
لا..اعتقد كما غنت فيروز (عينينا هن اسامينا).
-إذا
لن أستطيع أن اعرف اسمك حتى أراك.
-ولن
تعرف اسمي حتى لو رأيتني...(اسمي خبيتو بنسمة وقلتلا غيبي).
-يا
ابنتي قولي اسمك ببساطة وخلصينا.
-لا
أريد, لو أنني فكرت لحظة في تعريفك على نفسي لما عريت نفسي أمامك حتى هذا
الحد.
-لم
اشعر انك قد عريت نفسك.
-تلك
لوازم الحد الأدنى من الحشمة الأديبة, فعوراتنا النفسية لا يمكن أن تظهر
بكل وقاحة أمام الآخرين.
-هل
أنت متأكدة انك لم تتجاوزي الشهادة الثانوية, يبدو حديثك أعمق بكثير من أن
تكوني مجردة من الشهادة الجامعية.
-وهل
تؤمن أن الثقافة لا تستجلب الا من الكتب؟؟ استفق إذا فالحياة هي مخبر
العلوم والآداب, أنت تخبر الأشياء في الحياة بحواسك كلها كما في درس عملي
ثم تنتقي مفرداتك للتعبير عنها فان كنت متميزا في انتقائها صرت شاعرا, وان
رسمتها بألوان خرافية صرت رساما. وفيلسوفا إن نمقتها بأفكار واستنتاجات
وموسيقيا إن كانت أداة تعبيرك صوتية, وإلا فشخص عادي...لا تشغله الملاحظة؟
-هل
افترض إذا انك تقولين الحقيقة طالما انك لن تعرفيني عن نفسك؟
-
للحقيقة وجوه كثيرا
-هذا
قول يصدر من كاذبة متمرسة.
-لا
أبدا...بل يصدر من امرأة صادقة تماما..
-لما
بررت بوجوهها الكثيرة التواءك عن الحق.
-
لا..أنت ذهبت في اتجاه آخر...أنت تسألني عن الحقائق التي قلتها عن نفسي, ما
هي الحقيقة ؟ هل ما أنا عليه فعلا أم ما حلمت به وتقمصني حتى الإغراق.
-
الحقيقة هي الحقيقة.
-إن
كنت ترغب في أن تصبح رساما لكنك درست الطب لظرف أو لآخر, فمن أنت من
بينهما...هل أنت الرسام أو الطبيب...سيظل الرسام يلح على خباياك ويتسلل من
فجوات ذاتك, وسيبدو اختلافك واضحا إلا إذا وأدته...قتلته تماما...هل
تعرف...الكل من حولي يعتقد أنني أم وزوجة رائعة, لكنني في الحقيقة لست
كذلك...أنا مجرد كذبة...لم احلم يوما أن أصبح أما أو زوجة فكيف أكون أما
وزوجة رائعة...من الأم الرائعة؟؟؟هل تعتقد أن امرأة عقيما كانت تحلم منذ
نعومة أظفارها بالأطفال ليست أما رائعة لمجرد أنها لم ترزق بالأولاد...هي
من تستحق هذا اللقب لكنها لم تحصل على تلك الفرصة,الأشياء التي نقوم بها
بحكم الواجب والفرض والعادات والتقاليد لا يمكن أن تكون حقيقتنا...الحقيقة
شئ آخر...شئ تفعله بكامل حريتك دون أي ضغط...لكننا في الحقيقة لا نملك تلك
الحرية.
-أنت
مدهشة.
-أنا
متأملة.
-
متأملة مدهشة.
-
الدهشة وليدة التأمل.
-كنت
أتمنى أن اقترن بمن هي في مثل ذكائك هذا...لنقل مثل تأملك...
-لا
تناور...لقد حصلت على ما أردته.
-وما
أدراك؟
-هي
هكذا...أنت تضع في حسابك صفة ما تتمناها بشدة في شريكة حياتك, فتحصل عليها
ممهورة بصفة أخرى تمقتها تماما.
-كيف
ذلك؟
-لنقل
انك كنت تتمنى زوجة مسؤولة تتحمل معك ترهات الحياة, وكنت تركز تماما على
هذه الصفة..
-
اممممممم
-ستحصل
عليها لكن في المقابل سيكون هناك صفة أخرى في شريكة حياتك تبغضها
تماما...لم تنتبه قبل الزواج إلى مدى كرهك لهذه الصفة...لنقل..الكسل
مثلا...أو العزلة.
-أنت
تعرفيني حتما وتعرفين كل شئ عني.
-لا
أبدا!!
-ماذا
إذا ...هل تمارسين علي نوعا من أنواع الشعوذة أو قراءة الأفكار؟؟
-دعك
من هذه الترهات...أنت اكبر من ذلك؟
-أنت
...غريبة...مدهشة...ذكية.
-شكرا
-سأصوغ
لك مقالا غدا من حديثنا.
-بل صغ
مني مقالا.
-مجرد
تفاصيل ...
-تفصيل
صغير يضاف إلى لوحة يفضح مكنونات صاحبها, وبتجريد اللوحة منها تغدو مزيجا
ساحرا من اللون والغموض.
-هل
تفهمين في الرسم أيضا؟
-
أبدا...أتأمل فقط...اسمع...لقد ظهر الصباح....
-وسكتت
شهرزاد عن الكلام المباح.
-تقصد
غير المباح...المهم علي أن اذهب.
-هل
تتصلي بي غدا؟
-
سأحاول.
-
أرجوك...سأنتظر هاتفك
-
حسنا...سأتصل.
-مع
السلامة
-مع
السلامة.
أغلقت السماعة, وما أن وقعت عيناها على الجهاز حتى أحست بالحزن لوهلة, ثم
انفجرت ضاحكة, فقد كانت تستعمل الجهاز المجرد من زر إعادة الاتصال.
المساحات
تتلاشى على مد نظره, أبيض وأسود ليس إلا,يقول الفلاسفة انه في الحياة لا يوجد
ابيض أو اسود صرف,إنما هي امتزاج كوني بين اللونين, فلا خير مطلق ولا شر صرف,
يبتسم ساخرا من سذاجة الفلاسفة, فالحياة في نظره ليست إلا ابيضَ أو اسودَ,
والأسود هو دائما ذلك الوجه المخالف له, ليس ثقة بان الخير متجسد في تكوين دمه
الملكي, ولكن في النهاية كل إنسان يعتقد أن الشر هو كل ما ليس هو عليه, فان كنت
اسودَ لا بد أن الشر كما يتراءى لك هو نقيضك الأبيض,لكل فلسفته في الحياة , حتى
هو من زاويته الغريبة لا يجد الخير والشر مطلقين,فكل يعتبر انه الخير...فمن
الشر إذا ؟؟
تأزف ساعة الصفر, منعطفات يفرضها القدر على تموجات أطياف الحياة, في لحظة ما هو
الملك والكل طوع بنانه وفداء له, وفي لحظة أخرى...ليس سوى أسير ذليل أو ملك
معزول أو صفحة من صفحات الماضي يعيث فيها الماكرون فسادا, فلا يذكر التاريخ إلا
عثراته, ويتغاضى بفعل فاعل عن مآثره...ابيض أو اسود, يتغنى المخلصون
والمستفيدون بدفء زمانه وسطوع مجده, لكنهم بعد سقوطه قد يغيرون جلدهم , أو ُيبعدون
عن كتب التاريخ- وقد استضعفوا- فلا احد يعرف الحقيقة إلا من زاوية الأقوى , وقد
يكون ذلك الأقوى على حق ... كما قد لا يكون, ويتسابق الخونة والمتضررون لعرض
هناته وعثراته, وقد يتحرون الحقيقة والأغلب أنهم لا يتحرونها, وهو شخص واحد لا
غير لكنه ابيض خالص أو اسود صرف حسب الزاوية التي يقف فيها هؤلاء أو أولئك ,
الملك واحد والرؤى كثيرة ... لكنها على كل حال ابيض أو اسود.
يحتدم القتال على الساحة ... يلتحم الجيشان ... إلى أي حد بوسعه الوثوق بأتباعه
وكبار قادته ؟ ليس غبيا لكي يعتمد على جنوده الصغار, فهم ما عاشوا في خيره
لينقذوه من شر أعماله , لكن ماذا عن الكبار ؟! ... أيتركونه ويمضون على مبدأ
اللهم أسألك نفسي وقد نالوا من خيره الكثير؟ أم يتابعون القتال معه حتى اللحظة
الأخيرة ؟ ... يحتدم القتال وهو في مكانه الآمن تحت الحراسة في الساحة يراقب
الأحداث وسط ضجيج السقوط وصمت التأمل واستعار الترقب ... لطالما اعتقد أن وقوع
البلية خير من انتظارها ... كم هو مقيت ذلك الانتظار الذي يدرك انه سيقرر مصير
حقبة في تاريخ امة وشخص بمثل عظمة بطشه ... ينظر حوله ... كل شئ ونقيضه ملتحم
معا في هذه اللحظة , حتى هو ونظيره المناقض له الذي يقف على الطرف الآخر كما
يقف هو تماما ... الترقب ذاته .. الانتظارنفسه.. والقلق عينه ... يفرش عباءته
هنا وهناك , ويحفه الجنود كما يحف عدوه .
يناور وزير حربه المخلص في محاولة لإنقاذ الملك , إلا انه سرعان ما يسقط ويسقط
وراءه أفراد جيشه تباعا فداء الملك , والملك هو الملك يجب ألا يسقط ... فالملك
يعني كل شئ , الأرض ... الوطن ... الأمة ... والنصر, وبســقوطه يسقـط كل شئ ...
ما الذي يجعل فردا واحدا أهـم من امـة ووطن ؟! ما الذي يجعل دمه أغلى واهم من
دمائهم مجتمعة ؟! ابيض ... اسود , والخـير حيث هو.
يقف شامخا مبتور الأمل على حافة جراح امة بأكملها يتأمل قصائد الدماء المكتوبة
بالقهر والهزيمة على ارض المعركة ولا يهتز له رمش ... فالقضية اكبر بكثير من
مجرد معركة وجيش ... ثم كيف يهتز له رمش وهو الملك ... والملك هو.
يعلن جيش العدو تقدمه باتجاه موقعه الملكي ... الرقعة تضيق عليه وبه ...
ويتساقط أتباعه واحدا تلو الآخر, منهم من يسقط صامدا ومنهم من يستسلم متخاذلا...لم
يعد هناك فرق , فالمهم هو النتيجة ... والنتيجة لم تعد تبشر بخير, لكنه حتى هذه
اللحظة ما زال الملك , هل ينظر في ساعته ليحدد لحظة سقوطه تماما ؟! وما الفائدة
؟ , سيؤرخها العدو باللحظة التي يريد وبالطريقة التي يرغب طالما أصبح في الموقع
الأقوى
تسقط قلعة الملك وتنهار أحجارها المطلية بدماء الآلاف حجرة وراء أخرى ... تنسحق
الحجارة وتغدو ترابا احمر, هل سيذكر الأحفاد وهم يدوسونه انه قد صبغ بهذا اللون
من دماء أجدادهم !؟.
هو لا يظن ذلك ... فالتاريخ لن يكتب بأيدي الأحفاد وبالتالي سيغفل حقيقة احمرار
التربة , وسيعزوها إلى ظاهرة جيولوجية ما , سيفكرون في أمرها لاحقا عندما يأتي
وقت التسجيل صارخـــا : فليسجل التاريــــــــــخ .
كل شئ انهار دفعة واحدة وبطريقة مربكة تماما ... من يعرف كيف سقطت القلعة ؟؟...
لغز محير لم يفهمه كائن , لكنها سقطت وجيش العدو يتقدم باتجاهه وهو يتفقد رأسا
لا يعرف تماما كم سيطول الأمر بها فوق جسده , لكنه لن يهبهم هذه اللحظة
بالسهولة التي يتوقعونها ... تحين منه نظرة ليرى أشلاء جيشه الممزقة وهي تفرش
الأرض بساطا يكسوها حباً , ويرى بان أتباعه المخلصين قد مسحوا عن وجه الأرض عن
بكرة أبيهم وظل وحده الهدف الوحيد المتبقي , وبسقوطه ينحني تاريخ جبروته مسلما
تاجه إلى جبروت إن لم يكن اكبر من جبروته فليس اقل إطلاقا.
تحين منه نظرة فإذا به وقد بقي في جيشه جندي واحد , مجرد جندي ... ليته كان
حصانا يهرب به أو قلعة يلوذ بها , لكنه مجرد جندي ... أي حظ عاثر ؟! يـُبـاد
جيشه ويُـترك له جندي فقط في معركة طاحنة كهـذه ؟! ... وحـده وجندي قـزم
يقاتلان جيشا كهذا ؟!.
ما من منطق يقول انه قد يفوز, يتقدم خطوة ويتراجع أخرى في محاولة يائسة لكر وفر
لم يعد بإمكانه المبالغة بهما.
يتقدم إذ يجد مكانا يتسع لمحاولة يائسة للفرار, ويتراجع خطوات عندما يهاجم
الخصم ... لعبة الحرب القذرة منذ فجر التاريخ.
استغرقته لعبة الكر والفر طويلا , وبدأ جيش العدو يتناقص واحدا تلو الآخر من
حوله دون أن يفهم سببا لذلك , بقي وحده وجها لوجه أمام الملك الآخر , ولشدة
دهشته وجد الجندي الأخير المتبقي من جيشه وقد ضرب ملك العدو في مقتل ... فكر في
نفسه : أين ذلك الذي أقنعه انه لا يمكن الانتصار بــبـيــــدق ؟؟؟ .