
قصة بقلم :
لبنى ياسين*
ylubna@hotmail.com
كان
الوقت يقترب من الظهيرة في القدس , وأصوات
أزيز الرصاص تأتي مبعثرة
من كل الاتجاهات و صوت ارتداد الأحجار عن
الأجسام المختلفة يسمع من هنا و هناك
..و الأم الثكلى تمارس أعمالها المنزلية
بآلية أتقنتها منذ عصور .. بينما عقلها
يقلب الأحداث و الأحزان و الذكريات على
مائدة الأسى , و كعادتها اتجهت إلى سرير
أصغر أبنائها و أخرجت من تحته كيساً من
الخام و فتحته و أفرغت بعض الأحجار في
كيس ورقي جلبته في يدها لهذا الغرض , و حملت
ذلك الكيس و مضت إلى حاوية القمامة
في مطبخها ,و وضعته في داخلها و قلبته مخفية
إياه عن الأعين ,هذا دأبها منذ
استشهد آخر من فعل من أبنائها , محرضاً
بموته أصغر أشقائه, و آخر من تبقى منهم
على قيد الحياة ,على أن يخرج إلى الطرق مع
أقرانه ليقاوم بالحجارة ,إذ أنه الآن
رجل هذا المنزل المتشح بالحزن , شأنه شأن
أغلب بيوت فلسطين أن لم يكن
كلها .
كانت الأم تحاول التحايل على الزمن بعملها
ذاك..و النيل من قدر كانت تعلم
تماماً في أعماقها انه آتٍ لا محالة,إذ أن
رجل البيت ذو السبعة أعوام يناضل في
محاولة مستميتة للخروج بأحجاره الصغيرة و
الانضمام إلى قافلة الشهداء, لكنها
كانت تمنعه قائلة لم يبق لدي غيرك,ثم انك ما
زلت صغيراً.
كان أصغر من أن تفقده ..و أوهى و أنحل
من أن يخترقه رصاص العدو, كما فعل
مع أخيه منذ أقل من شهرين فألحقه بمركب من
سبقه ,لحق بأخيه الأكبر الذي قضى في
عمل استشهادي , و أخته التي مضت بانفجار , و
أبيه الذي غرس آخر ذريته بذرة نور
في أحشائها و خرج و لم يعد , و كأن الشهادة
كانت خالاً أو شامة أو أحد ملامح
الأب و تفاصيله انتقلت بالوراثة إلى أبنائه
فمضوا يلحقون به واحداً تلو الآخر
..حتى أنها لم تعد قادرة على البكاء ..صار
قلبها يحترق بصمت مقدس استمد قوته
شيئاً فشيئاً من كل شهيد فقدته ,أما هذا
..صغيرها هذا فلم تستطع الوقوف مكتوفة
اليدين إزاء إصراره على المقاومة ,لقد وضعته
وحدها, و ربته وحدها, و لازمها
كظلها لوقت طويل ..كيف كبر فجأة ابن السنين
السبع, و صار قادراً على الوقوف في
وجه جنود لا قلب لديهم و لا رحمة ,يقتلون
الأطفال كما يقتلون جندياً مدججاً
بالسلاح هاجمهم بغتة , و بضمير أقل ما يقال
عنه أنه ليس حاضراً, أو ربما سقط
وفق نظرية التطور نظراً لعدم استخدامه, و
فقدان الحاجة إليه لديهم, (إذ أن
العضو الذي لا يستعمل يتلاشى و ينتهي كما
تقول النظرية) ,مؤكدٌ أنهم كانوا وراء
اكتشاف هذه النظرية عندما حاول أحدهم أن
يعرف أين الضمير الإسرائيلي و أين
القلب الإسرائيلي هذا إن أسقطنا الحديث عن
الأخلاق و الإنسانية و الرحمة
و...و...وهكذا فقد كان السلاح الأخير الذي
تمتلكه هذه الأم هو المماطلة متذرعة
بحجة ما و سرعان ما وجدت الأم هذه الحجة
,فأخبرته أنها ستسمح له بالانضمام إلى
أقرانه عندما يمتلئ هذا الكيس بالحجارة
شريطة أن يضع فيه كل يوم ملء كفيه لا
أكثر , و أخذت تنقص منه بحذر كلما زاده
مطمئنة قلبها إنها قد وجدت الحل أخيرا
.
و بينما هي غارقة في ذكريات أكثرها
مؤلم ..إذ اندفع صغيرها من الباب
صارخاً , وعيناه تقدحان شرراً :(أولاد
الكلب يدخلون البيوت ) , توجست الأم
خيفة فأخذت الطفل في حضنها و عانقته بقوة
كأنما هي تعانقه للمرة الأخيرة .
فجأة ضرب الباب بقوة وهمجية يعرفها كل
بيت في فلسطين جيداً , و ما أن فتحت
الباب حتى اندفع بضع جنود مدججين بالسلاح و
كأنهم في طريقهم إلى ساحة القتال ,
وانتشروا في المنزل بسرعة , و أخذوا يرمون
كل شئ على الأرض باستهتار , أفلت
الطفل من يد أمه و ركض إلى غرفته خائفاً على
الكيس الذي أمضى قرابة الشهر يجمع
فيه الأحجار ترقباً ليوم إطلاق يديه و سراحه
, كان الجندي قد وجد الكيس و حمله
و كأنه قد وجد أسلحة للدمار الشامل في كيس
من الخام , عندما اندفع الطفل
محاولاً الإمساك بكيسه, فتلقفه الجندي بضربة
بكعب بندقيته أطاحت بسنينه السبع
قرب سريره متألما ,رفع الطفل رأسه فإذا بحجر
قد أفلت من يد الأم و هي تفرغ من
جعبة القدر محاولة تأخير يوم طفلها و سقط
بجانب السرير , التقط الصغير الحجر و
جرى خلف الجندي و رماه بكل ما أوتيت عضلاته
الواهنة من قوة ,لكن الحجر بالكاد
لامس ظهر الجندي , الذي التفت و أفرغ رصاصه
في صدر الطفل مخلفاً إياه غارقاً في
بركة من الدم , هذه المرة لم تستطع الأم أن
تثكل بهدوء كما اعتادت أن تفعل, فقد
حملوا الموت إلى داخل منزلها, بعد أن أغلقت
الباب لكي يظل خارجاً ..و قتلوا آخر
صغارها فلم يعد لديها المزيد ممن تخاف أن
تخسرهم, فاندفعت بكل قوتها نحو القاتل
الذي افرغ ما تبقى من الرصاص في صدر الأم,
فارتمت إلى جوار صغيرها غارقة
بدمائها هذه المرة, بعد أن سبحت في دماء
أسرتها فرداً فرداً, و فقدتهم واحداً
تلو الآخر, أما الآن فلن يؤلمها رحيل صغيرها
هذا ما دامت راحلة معه.
خطر في بالها كل تلك الأحجار التي كانت
ترميها في القمامة بالخفاء, و الباب
الذي أوصدته في وجه الصغير فإذا بحجر واحد
فقط , في عقر دارها يودي بحياته
.ابتسمت و هي ترى كيس الأحجار و قد حمله
الجندي خارجاً به وهي تتمتم بما تبقى
لديها من قوة ساخرة: هل ستصادرون الحجارة
أيضاً؟؟ فلتفعلوا ..سننتزع أحجار
بيوتنا ونقاتلكم به.
كان صوتها أوهى من أن يسمع بالنسبة
للبشر, أما بالنسبة للجنود فلم يكن من
ضمن وظيفة آذانهم الإصغاء إلى ضحاياهم, إنما
يسمعون و يرون فقط ما يريد حقدهم
الأسود أن يسمع و يرى, و بالطبع لم يكن هذا
الحديث مدرج في تلك القائمة, و إن
كانوا يدركون ذلك تماما في أعماق بشاعتهم.
خرج الشياطين من المنزل ,حاملين كيس
الأحجار..تاركين جثتين هامدتين تسبحان
في الدم ..و رائحة الطعام الذي كانت قد طهته
منذ قليل تختلط في تناقض عجيب مع
رائحة الدم ..و البارود ...رائحة تعرفها
جيداً كل بيوت فلسطين و عائلاتها.
-------------------------------
* لبنى
محمود ياسين
عضو فخري في جمعية الكاتبات المصريات
عضو اتحاد كتاب الانترنت
عنوان مواقعي الخاصة
http://www.postpoems.com/members/lubna
http://lubnayaseen.blogspot.com /
http://www.geocities.com/lolo_sy1 /
وايضا هناك
http://www.arabicstory.net/index.php?p=author&aid=773