مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 المتاهة
قصة رمزية : تامر عبد الغني
كاتب مصري ومدير موقع ابن النيل
master_of_hell@hotmail.com
 


   دخان سيجارتى المنطلق من داخل الصدر هو الدليل الوحيد لدى على بقائى على قيد الحياة .
وضعت الحجر المستدير بجوارى أسندت ظهرى على الجدار الحجرى خلفى بحثا عن بعض الراحة . تحسست بأناملى الحجر المستدير تمنيت أن افهم معنى النقوش المحفورة عليه لأستطيع الوصول إلى نقطة النهاية والخروج من داخل المتاهة آللا منتهية و الوصول إلى مدينة الأحلام .
حاول النوم التسلل إلى جفونى فلم يستطيع فأنا لا أعلم متى سوف تهتز الأرض اسفل قدمى مرة أخرى ولا اعلم إلى أى مدى سوف أستطيع احتمال الألم .
منذ خروجى من المدينة،  فقدت الإحساس بالزمن فلا اعلم إن كان مر على أسبوع أو بضع سنين وأنا احمل الحجر أدور فى الممرات آللا منتهية داخل المتاهة ؛ الآن فقط أستطيع الاعتراف  بأننى أخطأت عندما أعلنت اعترافى بالأمل ولم استمع للجميع داخل المدينة الذين اعترفوا بعدم إمكانية الخروج من المدينة وعبور المتاهة دون حل رموز الحجر المستدير فها أنا المغامر الوحيد أتحول إلى فأر مذعور داخل جدران المتاهة المغلقة أحاول الهروب قبل أن تسحقنى العجلات الضخمة أسفلها لا أستطيع العودة أو الخروج ، تتداخل الحقيقة بالوهم ويندثر الزمن فأعيش داخل حلقة مفرغة .
لا اعلم إن كانت الوجوه التى أراها منذ اللحظة الأولى لدخولى المتاهة حقيقية أم هى محض خيال فها أنا آرى جميع من فى المدينة داخل المتاهة يحملون نفس الحجر المستدير ويحمل وجههم نفس الرعب عندما تهتز الأرض اسفل أقدامهم .
 إذا كانت حقيقة فلماذا رفض الجميع دخولى إليها وهم داخلها أصلا وإذا كانت وهم فكيف اشعر باحتكاكات الجسد وكيف ترتسم ملامح الألم على الوجوه .
للحظات أشك إننى غادرت المدينة وان المتاهة داخل المدينة منذ البداية يعجز عقلى عن تحليل الأمور فاقتنع بأننى داخل كابوس طويل لا بد أن ينتهى ، و ما هى إلا لحظات بسيطة أفيق لا جد نفسى على فراشى و وقتها فقط سوف اشعر بالسرور عندما تلتقى عيونى بالظلام الذى يحيط بالمدينة .

هاهى الأرض تهتز ببطء أسفل قدميّ من جديد أ؛ علم جيدا أن الاهتزاز سوف يزيد تدريجا لا وقت الآن سوى للهرب احمل الحجر بسرعة ابدأ فى الهرولة بين الممرات فأجد الجميع يهرول فى شتى الاتجاهات تغوص قدمى فى الوحل ارتطم بالجدران الحجرية ، أثر الإرتطام يترك جروحا غائرة فى الجسد، لا اهتم يزداد اهتزاز الأرض اسفل قدميّ فينتابنى الرعب ، اتجه ألى أحد الممرات ، أجد العجلات الضخمة أمامى تدوس على الجميع ، احتضن الحجر ألتف عليه بجسدى كالأفعى ، اسمع تأوهات من أمامى ،  يصل  إلى أذنى صوت تحطم عظامه ، احتضن الحجر بقوة ، أغمض عيني ، استعد للألم ؛  تمر العجلات الضخمة على جسدى و أنا لا زلت محتضنا  الحجر المسندير ، تتحطم الضلوع فى صوت مسموع ،  لا أستطيع التأوه للحظة ، اعتقد أن روحى فارقت الجسد  ؛ تمر العجلات وأنا لا أزال التف كالأفعى بجسدى حول الحجر ،  أتحسسه ،  أتأكد من سلامته ،  أحاول التنهد . ثم اكتشف أن الأضلع المحطمة عاجزة عن الوصول إلى الهواء ،لحظات تمر كالدهر أتابع بعينى رحيل العجلات الضخمة أقاوم الألم وانهض .
الحجر ؟!
قال البعض انه يحملح ا للعنة التى أصابت المدينة منذ القدم فتركتها فى ظلام حالك ووضعت أمام من يحاول الخروج منها تلك المتاهة ،  يقول البعض انه من أيام الملك سليمان ويقول البعض انه اقدم منذ ذلك بكثير ويقول البعض انه لا يحمل سوى وهم وأن اللعنة أصابت المدينة عندما استسلم الجميع للحياة .
اللعنة جعلت الجميع ينتظر حل رموز الحجر ،  ينتظر اليوم الذى يستطيع فيه عبور المتاهة والوصول إلى حيث مدينة الأحلام، حيث يصل الحلم لمنتهاه ،  جعلت الجميع ينتظر الأمل ويستسلم للواقع .
ربما حاول قبلى الكثير ولكنهم لم يعودا أبدا فى تأكيد واضح لأهل المدينة ان المتاهة  ابتلعتهم بين ممراتها آللا منتهية ، وسحقتهم عجلاتها الضخمة التى لا يستطيع أحد الهروب منها.
أخذتنى الممرات الضيقة بين طياتها مرة أخرى ، لم يعد للحيرة معنى وسط تشابهها الدائم ،  لم يعد هناك سوى الاستمرار حتى لو فقدت الأمل ، فحتى الأمل لم يعد له معنى داخل المتاهة ؛ فقط يجب أن تعتاد الألم والوحدة يجب أن تعتاد الظلام وانحدار الطرقات يجب أن تعتاد الجراح الغائرة فى الجسد ولا تهتم بما تتركه من علامات حتى تستطيع البقاء .
للحظة اعتقدت أن شكل هذا الممر مختلف جدران ناعمة وارض صلبة خالية من الوحل انطلقت داخله فشعرت انه لا ينتهى لفحت وجهى تيارات هواء باردة تحمل رائحة عفنة ، فدفعنى الأمل على تتبعها حتى وصلت إلى نهاية الممر لأجد بابا صغيرا  يكسر جدران المتاهة ،  انتابتنى فرحة غامرة وأنا اخطو أولى خطواتى خارج المتاهة ، فتغوص قدمى بالوحل ويلتقى نظرى بظلام لا نهائى يحيط بالفراغ من حولى .
نفذ الهواء البارد إلى الجسد فأصابتنى رعشة لذيذة ملأت صدرى برائحته العفنة  ، واتجهت إلى الطرقات الواسعة فالتقيت بآلاف من شواهد القبور جميعها تحمل أسماء اعرفها وتعرفها المدينة جيدا فجميعهم دخلوا المتاهة قبلى .
اعلم جيدا إنها ليست مدينة الأحلام ربما هى نهاية الطريق والخلاص من الألم ، ربما هى الأرض التى تلفظ خارجها تلك  المتاهة ، ضحاياها  فى لحظة شفقة منها على من داخلها ؛  تابعت السير أتأمل شواهد القبور أتذكر الأسماء والوجوه فأكلنى الحزن على نهاية مصير هؤلاء الذين كانوا قادرين على مواجهة الواقع وتغير الزمن فماتوا دون نتيجة.
أسندت ظهرى على أحد شواهد القبور كان يحمل اسم أبى ، أشعلت إحدى سجائرى ،  أطلقت دخانها فى الهواء ،  وضعت الحجر بجوارى و تأملته تمنيت العودة إلى مدينتى الملعونة  .
**وصلت قبل موعدك
وصلت إلى أذنى الكلمات فانتفضت بشدة اخترق بعينى الظلام، أبحث عن مصدر الصوت ،  فوجدته خلفى يقف بجسده الصغير وملامحه الجامدة لا اعلم من أين جاء .
* وصلت أين ؟ سؤال إقتحمنى فنقلته إليه
** إلى مدينة الأحلام
*هذه ليست مدينة الأحلام ، مدينة الأحلام تحمل الضوء والخضرة والحياة
** مدينة الأحلام حيث يصل الحلم إلى منتهاه وهنا نهاية حلمك .
* مستحيل
**أنت  تحمل الحجر فلماذا لا تفهم؟!!
* لا أستطيع حل رموزه
امسك الحجر فى يده فأضاء ظهرت رموزه واضحة قرأتها فملأتنى الدهشة ،  فهى كلمات حفظتها عن ظهر قلب ، فكيف تستطيع حل اللعنة أو الطريق إلى خارج المتاهة.
أمسكت الحجر فى يدى فخفى ضوءه ،  تذكرت كلماته الله – الإيمان – الحياة -  الحب  - الأمل - الحلم …. كلمات احفظها واحفظ معناها جيدا ، كلمات معناها هو ما جعلنى انطلق إلى داخل المتاهة من البداية لكن ما الفائدة  ؟.
انتابنى الحنين إلى مدينتى فحملت الحجر وعدت فى طريقى ، ربما أستطيع الوصول إليها مرة أخرى ربما أجد هناك من يفهم معنى الكلمات على الحجر ويستطيع كشف اللعنة .
وجدت الممر الذى جئت منه فعبرت داخل المتاهة تخلصت من رائحة الهواء العفنة من  صدرى ، وسرت بين الممرات،  اهتزت الأرض اسفل قدمى بشدة فلم أحاول الهرب ، أسندت ظهرى على الجدار الحجرى خلفى ووضعت الحجر المستدير بجوارى ، رأيت العجلات الضخمة تقترب،  فأشعلت إحدى سجائرى ، أطلقت دخانها فى الهواء.
فدخان سيجارتى المنطلق من داخل الصدر هو الدليل الوحيد لديّ على بقائى على قيد الحياة