
قصة
بقلم
:
كلاديس مطر
gladys@scs-net.org
عن
دنيا الوطن
في جلبة السوق الأثرية الضيقة، ووسط رنين أحصنة العربات، كانت امرأتان
خلاسيتان بخمار أسود رقيق، تتنـزهان بتوتر رصين بين صخب الباعة والمارة، وكانتا
تحتميان من وهج الحر اللاهب بمظلتين سوداوين كبيرتين، بينما أخذتا تتهامسان
بحديث بدا وكأنه سري جداً. أما الناظر اليهما فلا يسعه لوهلة أن يصدق أن مثل
هذه الحواجز السوداء المسدلة على وجهيهما الداكنين يمكن أن تسمح بمرور كلماتهما
المتلاحقة، وصوتيهما اللذين يشبهان دحرجة كتل صوانية صغيرة، أو حتى بمرور أصداء
نفسيهما المخمرتين بروائح التوابل الهندية الحارة.
... لكن الواقع أشدّ غرابة. فرغم
الخمارين، ورغم ابتذال صخب المكان في هذه البقعة من العالم. رغم أقراط الثوم
وأكياس الدهن الحيواني الذي يباع (بالكيلو) والقناديل النحاسيّة المتدليّةِ على
مداخل الدكاكين، وغبار السجاجيد الشرقية المعروضة الذي يجعل الحر أكثر لزوجة
ودبقاً ... رغم كل هذا، كان بإمكان المرأتين أن تقرأا أفكار بعضهما البعض
الخاصة، وأن تطيرا متى تشاءا مع مظلتيهما المحدبتين فوق صناديق العطارة، ومصاطب
الحلي الفضية، والأحجار الكريمة المزيفة، وشقوق الحبق، والنباتات، وعباءات
القصب المعلّقة، وتكملان حديثهما الهام المطحون بين دحرجة الصوان في صوتيهما
البدائيين.
... ولم تكن عائشة الطفلة ذات
الأحد عشر عاماً تعلم أن بلور طفولتها الشفاف سوف يتحطم على أرض السوق الحجرية
الوعرة، وأن أمها الخلاسية البدينة ستبيعها، بغبائها التاريخي المدهش، للشيطان
مقابل أكيال من المازوت .. وهكذا كان يجري تحت مظلات سود كبيرة البت في مصير
بريق عينيها السوداوين الوديعتين.
دهشت أم عائشة عندما سألتها
صديقتها تحت المظلة المجاورة، فيما إذا أطلعت الصغيرة على الأمر:
- أقول لها .. هل جننت! إنها
صغيرة، ولا تعرف مصلحتها بعد. بكم قرط الثوم – للبائع – ماذا! طبعاً لن نشتري!!
إنك لص .. (تقولها همساً)
- يا أم عائشه ... ربما تسبّبت
بمشاكل للفتاة ... أنظري ... أنظري إلى تلك المرأة هناك. لم يكن ينقصها إلا أن
تمشي عارية .. لقد خرب العالم.
- ... مشاكل؟ سوف أقتلها إن فعلت
... يجب أن تفهم أن هذا أفضل لها ولنا.
- وأنا أيضاً لدي بنات وأريد
تزويجهن ... يعني البنت يا أم عائشة لم تبلغ بعد.
وتتنهد الأم:
- لنا الله ... إنه بائع مازوت،
ويبدو أنه ابن حلال ... لا أريد لابنتي إلا الستر.
- (ضاحكة) آه، بائع مازوت، ما
أخبثك، لقد أمنت دفء الشتاء.
- ... كفى ... كفى ... تعالي،
هناك (بالة) في طرف الشارع. هيا ربما نجد شيئاً لعائشة ... إنها عروس الآن.
... حين خرجت المرأتان من الصخب،
بدا السوق أخفّ وزناً فارتفع على مهل فوق الأرض، كما سبحت في أفقه رائحة
عطارته، وتوابله الثقيلة بحرية أكبر، فكأن المكان بكل ما فيه قادم من عصر لا
هوية له ...
وفي زقاق آخر كانت عائشة تلعب
بدميتها الخرقّية النحلية. وقد ألبستها بقايا ثوب لها، وثقبت مكان العينين بقلم
فاحم، ولفت حول يديها الخشبيتين المتصالبتين مع جذع الجسم أقمشة مزركشة، وأخرى
باهتة، كما رسمت الفم كخط مستقيم بإصبع أحمر الشفاه الفاقع، فبدت الدمية
بقوامها المشدود كملكة خرقاء مزيفة.
كانت عائشة تفترش فسحة الدار غير
المسقوفة ببساط يدوي عتيق، وكانت تهمس للعبتها بحديث متقطع غير مفهوم، عندما
دخلت أمها كعاصفة الى بهو الدار، بعد أن فتحت الباب الرفيع الضيق، وبحثت عنها
بعبنيها المطفأتين، فتبدد الصمت القدسي الذي كان يكلل حضور الطفلة، ويخفي بشيء
من الخفة أكوام القمامة، وروائح مجارير المدينة التي كانت تصب بالقرب من
الزقاق. وحين لمحتها تلهو بهدوءٍ طفولي فريد، طفقت الدماء في وجهها، وقبل أن
تنهار من الألم، ألم الأم الخاص، انتزعت اللعبة من بين يدي الصغيرة، ورمتها،
وسحبتها من معصمها الرقيق ممزقة غلالة الحلم التي كانت تحيط بابنتها، ودخلتا
معا الى غرفة داخلية رطبة، ثم راحت الأم تخلع معطفها الطويل وخمارها وقفازها،
وأخذت قطعة قماشية مبللة ومسحت العرق عن رقبتها، وتحت إبطيها. وعندما انتبهت
الى دهشة الصغيرة، هدأت ثم قالت، وكأن العالم على طرف هاوية.
- ... لقد كبرت يا عائشة.
- ....
- لا أريدك أن تلهي كالأطفال بعد
الآن.
- ....
- إذهبي وانظري ما اشتريت لك.
- صحيح؟ أين يا أمي؟
- ... وكذا كان على عائشة أن
تتأمل نفسها في المرآة وهي ترتدي ثوب (المرأة) الذي ابتاعته لها والدتها من
(البالة) وأن تحاول رفعه وثنيه من جهاته المختلفة لينطبق على جسدها الناحل.
- ولكن يا أمي ... هذا الثوب طويل
وواسع جداً!
- ستملأينه فيما بعد.
- وكيف سأملأه؟
- وجازفت الأم بشيء من جهلها:
- ستتزوجين بعد أسبوع، أنت الآن
صبية، ألا تريدين أن تتزوجي؟
...
- أنظري الى هذه الثياب .. إنها
لك.
- ... ولكن يا أمي (تبكي) أنا لا
أملك حذاءً بكعب عال ولا أدوات زينة كالفتيات الكبيرات.
... وعادت الأم تموه هذا الألم
الذي تحسه، ألمها الخاص. فلقد دربها غباؤها الأصيل المدهش كيف تصبح جلاداً
–بدون أن تدري- بدرجة امتياز.
أخذت ابنتها الى غرفة نومها
الزوجية، وهناك بين صناديق مغطاة بسجاجيد مخملية متآكلة، وخزانة صنعت في بداية
القرن من خشب البلوط الثقيل، وسرير معدني مرتفع وصورة الأب – الزوج المتوفي في
لحيته البيضاء، لحية الشيخ الذي يكبر زوجته بثلاثين عاما ... بين هذا التراكم
من التيه والذكريات، أخذت عائشة تصغي الى قرقعة الصوان في صوت أمها، وهي تقص
عليها – في لزوجة حر الغرفة وضباب ظلمتها- كيف تصبح الفتاة زوجة، كما أطلعتها
بحكمتها المتوارثة على أفضل الطرق لكسب ود الرجل وتفادي جنونه. لقد كانت تقودها
من معصمها الرقيق الذي ترن فيه أساور صفراء مزيفة الى دروب لا يعرف قرارها الا
الله ... فكادت عائشة تسقط، بعد أن شحبت شفتاها، ويبست أطرافها في هوة لا قاع
لها.
وأمام بريق أثواب (البالة)
والتماع حبات اللؤلؤ الرخيص التي تزين بعضها، ماعت الدنيا واستطاعت أمام ناظري
الصغيرة، على حين سدت أذنيها بكلتا يديها، بعد أن هزها صخب تكسر عالمها البلوري
الشفاف وتناثره كرمل قمري ناعم.
... وتنهدت عائشة سبعة أيام أمام
النافذة المطلى على الفسحة البرانية، وبكت بصوتها النحاسي المتهدج، وهي تتمسك
ببقايا غلالة الحلم ... حلم طفولتها. وقبل يوم قرانها وجدت أمها الشجاعة والوقت
لتحضنها بسرعة وتربت على رأسها الحزين المهموم، كما تركتها ترقد طوال الليل
بالقرب منها. وقبل أن ترتعد من جديد وهي تتأمل انكماش الصغيرة فوق الملاءات،
أيقظتها، وغسلت وجهها الطفولي الناعس وهي شبه مستسلمه، ثم عقصت شعرها بملقط
معدني عريض وجرتها وراءها من ذات المعصم الرقيق، وذلك بعد أن ارتدت معطفها
الأسود، وخمارها، وقفازيها، وخرجتا إلى زقاقهم الذي كانت تفور منه ألوان ساعات
الفجر الأولى.
لم تخمن عائشة إلى أين كانت
تقودها والدتها، إلا بعد أن أيقظها تدفق الماء الحار على رأسها، ففتحت عينيها
وعرفت إنها في حمام السوق العمومي، ببركه الداخلية، وأرضه المبلطة باللونين
الأسود والأبيض كرقعة شطرنج، وهي محاطة بنسوة شبه عاريات يحممنها، ويفركن جسدها
بعطارة ثقيلة وحناء، بينما وقفت بينهن كسمكة رقيقة شفافة، وقد انسدل شعرها
الفاحم المبتل على كتفيها وظهرها، وبانت عظام ترقوتها، وقفصها الصدري .. وفي
مكان ما من الحمام حيث بخار الماء الغالي وقوالب الصابون الخضراء المكعبة،
وروائح الحناء، وثياب النسوة، سُمع صوت بلور شفاف يتكسر، كما سقط رمل قمري رطب
فوق رؤوس الخلاسيات البدينات.
وفي المساء وضعوا عائشة أمام مرآة
ذات حواف غير منتظمة، وأخذوا يعلقون على رأسها زهوراً ملونة، وصبغوا فمها
الرقيق بطلاء دهني غامق، وطلوا أظافرها القصيرة بأحمر قاني رديء، ثم حشوا فوق
وركيها وثيابها خرقاً وبقايا أقمشة، بعد أن علقوا في قميصها تعاويذَ وذخائر،
وزيتوا خصلات شعرها، وفتلوها وكحلوا عينيها الدقيقتين بكحل عربي أسود، ثم قامت
امرأة مصبوغة الشعر بزنود بدينة، وثوب لماع قصير بتبخير الغرفة ورأس الفتاة،
لكنها أجفلت، وأخبرت النسوة همساً فيما بعد أنها سمعت صوت بلور شفاف يتكسر، لم
تعرف مصدره. وأرتهم بريق الرمل الذي تساقط على شعرها عندما كانت تبخر الصغيرة.
أما في الفسحة الداخلية للبيت،
فقد أخذت نسوة بثياب براقة مكشوفة الصدر واليدين، وحلي ذات رنين يصفقن على
أنغام طبلة شعبية، وقد تحلقن وهن جالسات على مقاعد من خشب وقش. وبانت السماء من
خلال تشابك شرائط الأضواء الملونة فوق الكرمة المتدلية وبدت كرداء مشعوذ رصع
بنجوم وأقمار شبه مكتملة ... وهكذا كان طريق جهنم يرصف بالنوايا الحسنة بينما
انطلقت رياح مصيبة الطفلة تعبث بكل شيء، فاهتزت الأضواء، ومالت النباتات
البيتية المزروعة في أوان فخارية، وعلب معدنية، وسمع من جديد صخب تكسر البلور
وامتلأ المكان ثانية يرمله القمري الناعم. لكن إيقاع الطبلة المتلاحق بدد
الشكوك، وموه الآلام الدفينة، آلام المدعوين الخاصة التي أخذت تظهر كفقاعات
صابونية لا تلبث أن تبتعد محلقة فوق الكرمة، وفوق الزقاق، وفوق سكون المدينة
المموه.
... وفي الغرفة المجاورة تركوا
عائشة مع قلبها الخافق، وأطرافها المثلجة، تنتحب في صمتها القدسي، وقد تاهت في
ثوبها الأبيض المنفوخ وطرحتها (المكشكشة).
وأدخلوا رجلها، وهم يحملونه على
أكتافهم، ويهتفون، وأغلق الباب فجأة دون صخبهم، وتحولت عائشة الى آلة تنبض
وتتصبب عرقاً بارداً، أما الرجل فقد بدا في صبغته الزيتية الخفيفة، وبزته
الجديدة الوحيدة، وقميصه الأبيض المقفل تماماً بدون ربطة عنق وحذاء ثقيل، كطفل
مرتبك أضاع طريقه. لكن عينيه المتوثبتين، عيني الجاهل كانتا تحتفلان بمرأى
العروس الصغيرة، وترتيب أثاث الغرفة البسيط، وتخدره الشخصي بعالم بعيد عن قرقعة
عربة المازوت، ورائحة ثيابه اليومية القاتلة.
كل شيء كان نظيفاً حوله، جعله
يشعر أنه في السماء السابعة ... ومد يده وتحسس الأثاث، ومرر راحته العريضة على
أسطح الأشياء في الغرفة، ثم على طرحة عائشة التي كانت منزوية واجفة في طرف
مقعد. تذكر فجأة جيوبه المليئة بالحلوى. أخرج قطعاً ملء قبضته وقدمها لها وهو
يلهث. رفضت يده المدودة .. وضع قطعة صغيرة في فمها .. بصقتها بتردد وخوف .. غضب
.. انزوت أكثر .. اقترب منها .. صرخت .. كمَّم لها فمها، فزقاقهم العتيد كان
يقف بأكمله وراء الباب .. قاومته .. صفعها بعد أن ضربته بقبضتيها النحيلتين على
رأسه وكتفيه، لكن الرجل جذبها كما يجذب حصان عربته عندما يريد تثبيتها، وهكذا
اختنقت المرأة-الطفلة برائحته التي هبطت فوقها، رائحة عطره الرخيص، وأغمي عليها
تماماً.
فتحت عائشة عينيها الهادئتين في
غرفة رصينة من مشفى المدينة الرسمي، وتلمست العالم الأبيض حولها، ولم تعرف ما
حدث لها لو لم تنظر في عيني والدتها المنكسرتين وتتوجع من رضوض جسمها الرقيق،
وتلمح في مرآة جانبية رفيعة –وهي مستلقية على كفنها النظيف- كدمات زرقاء على
وجهها وجبهتها.
وأحضروا للصغيرة لعبتها على عجل،
ووضعوها بالقرب منها، فابتسمت وهي شبه غائبة، وتمتمت بكلمات مطفأة قليلة،
وأدارت وجهها نحو الحائط.
وفي اليوم التالي ... دخلت غرفتها
المشتركة مع بائع المازوت كزوجة طائعة رزينة، وأغلق الباب مجدداً ... باب
زنزانتها الوردي، ومرة ثانية زلزلت المدينة النائمة في ساعات الفجر الأولى،
وسمع دوي مرعب، فاستيقظ الناس، وأطلوا من نوافذهم المضاءة، ولمحوا في السماء
زوبعة هائلة من رمل قمري براق، وشظايا بلورية ملونة تتساقط كيفما اتفق، وتجرح،
على حين رفع ممرضان وطبيب عائشة على نقالة، وأدخلوها وهي تهذي، سيارة الأسعاف
البيضاء الطويلة .. لقد أعاد رجلها (المسكين) مأساة حبه لها.
... وفي بهو المشفى، كان يسمع
نحيب الصغيرة التي كانت تبكي كما لم تبكِ امرأة مطلقة من قبل، في الحادية عشرة
من عمرها.